الباحث: حسين صالح السبعاوي
استهدف الاحتلال الأمريكي والإيراني كافة مفاصل الدولة العراقية وكل مكوناتها المجتمعية حتى وصل استهدافه إلى الأسرة التي تعاني أصلا من الظلم والتشريد وفقدان لرب الأسرة بسبب الإخفاء القسري أو الإعتقال العشوائي مما جعل الأسرة تدفع الثمن غاليا وتكون هي الضحية سواء الأم أو الأبناء، وقد تعددت أساليب الاحتلال وأدواته من الحكومات المتعاقبة بهدف تفكيك الأسر أو تشريدها سواء في المهجر أو في مخيمات النزوح أو حتى داخل الوطن، ومن أبرز أساليب الاستهداف:
١- التهجير: لم يشهد شعب من شعوب المنطقة العربية عملية تهجير كما هو الحال في تهجير أبناء الشعب العراقي، وقد انعكس تأثير هذه الهجرة على الأسرة بسبب ما تلاقيه من سوء معاملة وعنصرية من قبل حكومات الدول الأخرى وانظمتها السياسية، ولأن ثقافة الشعوب تختلف من دولة إلى أخرى ويصعب الانصهار داخل الشعوب الغير مسلمة، فقد عانى العراقيون في المهجر الكثير من أجل الحفاظ على أبنائهم، وهذا ما نشاهده اليوم في السويد وبقية الدول الأوروبية من سحب أبناء المهاجرين من الوالدين بحجة عدم اتقانهم تربية أولادهم، وهذا السحب ما هو إلا عملية خطف للأطفال بطريقة مقننة، حيث تقوم مؤسسة ( السوسيال ) بسحب أبناء المسلمين من والديهم ثم تقوم بتعليمهم وتدريبهم على الانحراف والمثلية والدعارة، إضافة لاستهداف قيمهم وعقائدهم الدينية، أي تكون هي الوصي عليهم بدل وصاية آبائهم وأمهاتهم، هذا حال من يصل إلى الدول الغربية والأوربية التي تدعي حماية حقوق الإنسان، أما البقية ممن لم يستطيعوا الوصول إلى بلاد المهجر فالكثير منهم قد غرق في البحر أو قتلتهم قوات حدود الدول التي يريدون الهجرة إليها، كما حصل ويحصل على الحدود اليونانية، فلا يمر يوم إلا ونسمع في نشرات الأخبار عن وفاة أو مقتل مهاجرين على الحدود اليونانية البرية منها والبحرية، ولو لا الاحتلال وحكوماتهم لما عانت الأسر العراقية كل هذه المعاناة وما تعرضت لكل هذه المخاطر لتصبح بلا وطن تعيش فيه ولا مهجراً يأويها.
٢- الإعتقال والخطف والإخفاء القسري: لم يشهد العراق قبل الاحتلال الاعتقالات العشوائية والخطف والإخفاء القسري، بينما الآن يعيش العراقيون بين التهجير والإعتقال العشوائي والخطف والنزوح، وهذا حال الملايين من أبناء الشعب، حيث تركوا خلفهم أسراً كاملة من زوجة وأولاد بلا معيل ولا موجه، ومهما تكن ولاية الأم وقدرتها على تحمل المسؤولية إلا أنها تبقى أقل بكثير من ولاية الأب على الأسرة الذي له القوامة والهيبة على الأبناء، وقد أدت هذه الإنتهاكات إلى تفكك الأسرة وتشريد أبنائها واستغلالهم من قبل تجار المخدرات وأصحاب السوابق من المجرمين، إضافة لتجنيد بعضهم في المليشيات من أجل الحصول على لقمة العيش.
٣- استهداف القيم والأخلاق: لم يكتف الاحتلال الأمريكي والإيراني بالاستهداف العسكري وتدمير البنية التحتية للدولة العراقية ونهب خيراتها بل استهدفا القيم والأخلاق الإسلامية السامية التي يتحلى بها الشعب العراقي، وهذا غزو فكري، إضافة للغزو العسكري، حيث تم نشر الأفكار المنحرفة ونشر الرذيلة والتشجيع عليها من خلال ممارسة الخيانة الزوجية والترويج لها على أنها حرية شخصية، إضافة لترويج المخدرات بين أبناء الأسر العفيفة، بالدرجة الأولى، حتى أصبحت ظاهرة بين أبناء الأسر، ووصل الكثير منهم إلى درجة الإدمان عليها، سيما أن المروجين لها هم من أصحاب النفوذ والسلطة أو المدعومين من قبلهم، وقد نتج عن هذا التفكك كثرة الطلاق وتشرد الأبناء، وقد نشر مجلس القضاء الأعلى في العراق تقريرا ذكر فيه عدد حالات الطلاق لشهر كانون الثاني ٢٠٢٢ فقط قد بلغت ٦٤٨٦ حالة، ولو افترضنا أن معدل حالات الطلاق شهريا هي ٦٠٠٠ حالة فمعنى هذا أنه سيكون ٧٢ ألف حالة طلاق سنويا، يعني خلال ٥ سنوات القادمة سنجد أكثر من ٣٥٠ ألف عائلة مشردة بسبب حالات الطلاق، أضف إلى ذلك الأرامل والأيتام الذين فقدوا أبائهم بسبب القتل والإخفاء القسري والخطف وغيرها.
وهناك حالات أخرى تستهدف الأسرة غير الانحراف وتعاطي المخدرات، وهي القتل الذي كثر في الآونة الأخيرة بين الأزواج، فكثيراً ما نسمع أن رجلا قام بقتل زوجته أو زوجة قتلت زوجها بالتعاون مع عشيقها، وكذلك بين الآباء والأبناء أيضا، إذ الأب يقتل إبنه أو الابن يقتل أباه، وعندما نبحث عن الأسباب نجد أن تعاطي المخدرات والانحراف في مقدمة الأسباب المؤدية للجريمة.
لم تكن الأسرة العراقية بهذا الحال من الانحراف والتشريد ما قبل الاحتلال بل كانت القيم والمبادئ والعادات والتقاليد الحسنة هي السمة العامة للأسرة العراقية وكان الأب هو القدوة لأبنائه وقوامته ظاهرة على جميع أفراد أسرته، وكانت الأم العراقية هي من تنشأ الرجال وتربي أبناءها على الأخلاق والفضيلة، وكانت البنت تعتبر أمها قدوتها، وكان الاحترام المتبادل يسود بين جميع أفراد الأسرة.
إن استهداف الأسرة العراقية من قبل الاحتلال وأدواته لم يكن اعتباطا، بل هو امر مخطط له بدقة وعناية، وكان لأدوات الاحتلال الدور البارز في تنفيذ هذا المخطط القذر بالأشكال التي تطرقنا إليها أعلاه.
شخصيا أختلف مع الكثير من الباحثين الذين يعزون سبب ما وصلت إليه الأسرة اليوم من تدهور إلى الفقر والبطالة فقط، بل هناك ما هو أهم من المال، رغم أن الفقر هو أحد الأسباب لكنه ليس السبب الرئيسي، بل القيم والأخلاق هما السبب الرئيس في التفكك الأسري، بدليل أن العراق تعرض لحصار شامل من قبل الولايات المتحدة وحلفائها والذي طالت مدته أكثر من ١٠ سنوات، ومع هذا لم تصل الأسرة العراقية إلى ما وصلت إليه الآن من تفسخ وانحلال، كما أن الكثير من الأسر لديها اليوم وفرة مالية وتعيش حياة مترفة، لكنها فاقدة للقيم والأخلاق، وتجد أبناءها يتعاطون المخدرات ويتسكعون في النوادي الليلية والملاهي، والأم والأب لا يعرفون الانسجام، وكل واحدٍ منهم في وادٍ.
إن الاحتلال يعلم جيدا بأن الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات، وبمجرد استهدافها وتفكيكها سيؤدي بالضرورة إلى انسلاخه من قيمها ومبادئها، وبهذا يسهل استهدافها وتدميرها وتغيير هويتها وهذا أحد أهداف الاحتلال الأمريكي والإيراني ضد الشعب العراقي.
مقال خاص براسام

