موقف الاتحاد الاوروبي مرتبك ومنقسم رغم ميله الى أوكرانيا، وتهديدها بفرض عقوبات أقتصادية على روسيا على غرار ما حصل بعد أجتياح شبه جزيرة القرم، كما إن أوروبا ترى بأن السير وراء الولايات المتحدة سيجعل الدول الاوروبية في ازمة حقيقية مع روسيا خصوصاً وأنها هي المورد الرئيس للغاز الطبيعي لكثير من الدول الاوروبية الذي يصل الى الثلث تقريباً، علماً بأن هناك تطور في العلاقات الروسية-الفرنسية خلال الفترة الماضية، وقد كان هناك اتصال بين الرئيس الروسي بوتين والرئيس الفرنسي ماكرون وأبلغه بأن بيع أسلحة لأوكرانيا هو عمل عدائي ضد روسيا، أما موقف المانيا المعلن فهو ضد تسليح اوكرانيا وزيادة التوتر علماً بأن لديها مخاوف حقيقة من التصعيد العسكري الروسي، وهذا يسري على الكثير من الدول الأوروبية التي تخشى من ردة الفعل الروسي في حال تدخلها مع أوكرانيا ضد روسيا.
يبدو بأن تركيا دخلت على خط الازمة بين البلدين حيث كان هناك في الفترة الماضية صفقة عقدتها أوكرانيا مع تركيا لشراء طائرات مسيرة مما أثار حفيظة موسكو، ، وقد تكون هي أحد الاسباب التي أدت دفع موسكو لرفض المبادرة التركية التي دعت للتدخل لحل الازمة بين البلدين، علماً بأن بيع الطائرات التركية جاء بدوافع اقتصادية وتسويقية للصناعات التركية، ومع هذا فقد طالبت روسيا من تركيا توضيحات حول هذه الخطوة.
إن التصعيد العسكري الروسي دفع كلا من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية الى التهديد بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا، وهذا يعني بأننا سنكون أمام أزمة اقتصادية عالمية تلقي بضلالها على الكثير من دول المنطقة، مما يعني بأن هناك حرب اقتصادية عالمية قادمة خاصة وإن روسيا تحتل المرتبة السادسة اقتصادياً على العالم، وهذا سيكون له تداعياته على الاقتصاد العالمي.
دخول الولايات المتحدة مع اوكرانيا في صراع مسلح ضد روسيا يعني بأن هناك صرع مسلح عالمي قد يندلع بين دولتين عظمى تمتلك قدرات عسكرية كبيرة تقليدية وغير تقليدية(نووية)، الأمر الذي يجعل واشنطن تميل الى الصراع الاقتصادي لوقف التصعيد الروسي، لأن قيامها بتدخل عسكري فهذا يعني أننا على أبواب حرب عالمية ثالثة في العالم وهذا ما أستبعده في هذه الفترة، علماً بأن الخيارات الامريكية محدودة وصعبة وقليلة، لذا فهي تتراوح بين العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي والدعم العسكري الغير مباشر بما فيها الرد على روسيا في ساحات أخرى.
روسيا ترى بأن خيار الحرب اليوم قد يكون أقل تكلفة عليها من السماح لأوكرانيا بالانضمام لحلف الناتو، لذا فهي تضغط للحصول على ضمانات أمنية وألا فسوف يتكرر سيناريو شبه جزيرة القرم مرة أخرى مع الضعف والخور الامريكي الاوروبي، علماً بأن هناك معلومات تشير الى توزيع روسيا الى أكثر من(500)ألف جواز سفر روسي في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون لتبرير تدخلها بحماية مواطنيها.
العقوبات الاقتصادية الأمريكية المحتملة ضد روسيا:
لقد هددت الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية بأنها تدرس فرض عقوبات شديدة ومنسقة وغير مسبوقة على الاقتصاد الروسي والتي يمكن وصفها بالقاسية ومنها:
فرض عقوبات مالية على أكبر بنك في روسيا.
عقوبات تكنولوجية على صادرات ومعدات التكنولوجية المتقدمة الامريكية والتي تشمل الذكاء الاصطناعي والحوسبة وتكنولوجيا صناعة الطائرات والحوسبة الكمية.
عدم السماح بتحويل الروبل الى الدولار أو أي عملة أخرى.
أخراج روسيا من نظام سويفت للتحويلات المالية العالمية، وبهذا سيتم عزل روسيا بشكل تام عن التعاملات المالية بحيث عندما توضع البطاقة المالية لا تخرج أي فيزة مالية.
تهديد لصندوق الثروة السيادية الروسية.
أيقاف وعدم تشغيل خط نقل الغاز الطبيعي نورد ستريم(2)الى المانيا، التي تعتبر من الدول الأوروبية التي تستورد الغاز الروسي، وهذا يعني لا بد لألمانيا من البحث عن البديل في حال وقف تدفع الغاز الى برلين، علماً بأن هناك ارتفاع في أسعار الغاز الطبعي في الأسواق العالمية(الطاقة النظيفة)، علماً بأن واشنطن تعتبر بأن قطع الغاز عن أوروبا سيضر بروسيا أولاً وبشكل كبير بالأضافة الى الدول الاوروبية، ولكن مع هذا سيبقى سلاح العقوبات موجعاً للاقتصاد الروسي وبشكل كبير، علماً بأن العقوبات التي فرضت في السابق بعد ضم شبه جزيرة القرم الى روسيا لم تؤثر على الوضع الاقتصادي الروسي، بحيث استطاعت روسيا تجاوزها، والسؤال اليوم هل تستطيع روسيا تجاوز هذه العقوبات بالتحالف في حال فرضها عليها؟، وهل سيكون هناك دور للصين وكوريا الشمالية وايران في ذلك؟، وهل ستستطيع قطر والجزائر أن تغطي النقص الذي يمكن أن يولده توقف الغاز الروسي الى أوروبا؟.
الخيارات الروسية ضد أوكرانيا:
إن رفض المطالب الروسية من قبل الادارة الامريكية وحلفائها الغربيين بما فيها تجاوز الخطوط الحمراء لروسيا بشأن أوكرانيا سيوصلهم الى طريق مسدود يجعل الخيارات الروسية محدودة وصعبة وكما يلي:
الخيار العسكري وشن الحرب بشكل مباشر ضد أوكرانيا وهو الخيار القائم بشكل كبير وقوي، ويمكن لي أن أقول إنه مدروس ومخطط له بعناية فائقة، خصوصاً وإن الميزان القوى يميل الى روسيا بشكل كبير جداً، وهذا ستكون له تداعياته العسكري والاقتصادية والسياسية على روسيا، كذلك ستكون له تداعياته على الغرب وأوكرانيا خصوصاً أذا تم كان غزو واسع النطاق وأدى الى احتلالها وتنصيب نظام سياسي موالي لروسيا الأمر الذي وصفه بايدن “بأنه سيكون كارثة بالنسبة لروسيا”.
الخيار العسكري المحدود الذي يمكن أن نسميه توغلاً محدود وبسيط وهذا سيؤدي الى “تصارع غربي حول ما يجب فعله” ضد روسيا وهذا يعني تقديم مساعدات عسكرية من أسلحة وأعتدة ومستشارين ودعم لوجستي واستخباري يعني حرب غير مباشرة.
التوصل الى أتفاق مع واشنطن وحلف الناتو بحيث تكون هناك ضمانات أمنية حقيقة تهدأ المخاوف الروسية، ومنها منع توسع حلف الناتو شرقاً الأمر الذي أعتبره الرئيس الروسي نهج عدائي، وطالب بالعودة الى اتفاق مينسك(2)، أو التوصل الى أتفاق جديد يكون، يصحبه سحب كامل للقوات الروسية من الحدود الأوكرانية، علماً بأن أوكرانيا تبحث عن جدول زمني للانضمام الى الناتو الذي يقول: “ليس من حق روسيا حق النقض ولا يحق له التدخل في هذه العملية”، بينما تقول “ويندي شيرمان” نائبة وزيرة الخارجية الامريكية “لن نسمح لأي شخص أن يعرقل ويحد من سياسية الباب المفتوح للناتو”.
احتمالات الرد الروسي على أي تصعيد عسكري أو أقتصادي ضدها:
إن الرد الروسي على أي تصعيد عسكري للناتو أو أقتصادي سيأخذ أشكال متعددة منها:
رد سياسي: وتسمى دبلوماسية المدافع للردع من خلال الحشد العسكري للتوصل الى اتفاقات جديدة وضمانات للأمن القومي الروسي.
تشكيل تحالفات عسكرية جديدة وهو جزء من الرد العسكري يشمل إقامة وتشكيل تحالفات جديدة تشمل كل من: فنزويلا، كوبا، كوريا الشمالية، الصين، ايران، في حال أي تدخل ضد روسيا وخاصة حلف الناتو.
نشر صواريخ نووية تكتيكية وإقامة وبناء قواعد عسكرية في كلا من كوبا وفنزويلا رغم بعد المسافة كما أنه قد يدفع روسيا للتحشيد العسكري ضد عدد من الدول المجاور والتي كانت ضمن الاتحاد الروسي سابقاً ولكنها اليوم تميل للتعامل مع الغرب أكثر من روسيا .
يمكن أن يكون هناك تحالف اقتصادي يشمل العديد من الدول المعادية للولايات المتحدة الامريكية ومنها الصين وكوريا الشمالية وفنزويلا وكوبا وايران وغيرها من الدول الاخرى التي ترى في ذلك تحيقي لمصالحها الاقتصادية مما يعني حرب اقتصادية ستؤدي في نهاية المطاف الى حرب عسكرية ولو كانت محدودة.
وأخيراً: لقد كان هناك أتصال هاتفي بين وزير الخارجية الأمريكي “بلينكن” ووزير الخارجية الروسي “سرجي لافروف”، وقد شدد وزير الخارجية الامريكي على أستعداد واشنطن على الصعيد الثنائي ومع الحلفاء والشركاء لمواصلة الحوار مع روسيا بشأن المخاوف الأمنية المتبادلة، وأضاف بأن هذا ما نعتزم القيام به بالتنسيق الكامل مع شركائنا وحلفائنا، كما أكد على الالتزام بسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، كما حث الوزير روسيا على وقف التصعيد الفوري وسحب قواتها ومعداتها من حدود أوكرانيا، مهدداً بأن الغزو الاضافي لأوكرانيا سيواجه عواقب سريعة وخطيرة، داعياً روسيا الى المسار الدبلوماسي لحل الازمة، لذا ستبقى الخيارات العسكرية والاقتصادية مفتوحة بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا في حال شنت الحرب ضد أوكرانيا، وهذا سيلقي بظلاله على الكثير من الملفات بين البلدين في مناطق ساخنة وكثيرة في العالم، وسيدفع جميع إطراف النزاع الى البحث عن تشكيل تحالفات عسكرية واقتصادية، وهذه ستكون خطوة متقدمة نحو الحرب العالمية الثالثة، أما أوكرانيا فأعتقد بأننا لا يمكن لنا أن نجرى مقارنة حول ميزان القوة وقدرة الحسم بينها وبين روسيا التي يمكن لها أن تنجح في سياسية الردع التي تعتمد على الحشد العسكري دون الدخول في حرب مع أوكرانيا.