ضمن أنشطته المتواصلة، نظم مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام) ندوة في قاعته بمدينة إسطنبول، تحت عنوان (22 عامًا على احتلال العراق: الذاكرة والتحديات والمسار إلى المستقبل).
وشهدت الندوة التي انعقدت اليوم السبت (12 أبريل/نيسان 2025)، مشاركة الباحثين الدكتور رافع الفلاحي، والدكتور جاسم الشمري، والأستاذ ياسر القادري، كما سجلت الفعالية حضورًا من أكاديميين ومثقفين ومهتمين بالشأن العراقي.
وافتتح الندوة نائب الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، الدكتور يحيى الطائي، مؤكدًا بأن العراق يواجه تحديات جذرية كبيرة بعد 22 عامًا على الغزو، في ظل نظام سياسي هش قائم على المحاصصة الطائفية والعرقية وتغييب الهوية الوطنية الجامعة.
وشدد الطائي على أن العراق لا يزال يعاني اختلالًا يجعله عرضة لرؤى القوى والأحزاب السياسية المتغولة في مفاصل الدولة، لصالح الدولة العميقة التي تسيطر على البلاد وتتحكم فيه.
تداعيات إقليمية
وبدأ الباحث الأستاذ ياسر القادري بتقديم ورقة بحثية بعنوان (أثر احتلال العراق على المنطقة)، مؤكدًا على إجماع المراكز البحثية على أن نتائج الاحتلال كانت كارثية على العراق والدول الإقليمية.
وأشار إلى أن أولى تداعياته على المنطقة العربية كانت انهيار “السد الحامي”، حيث كان العراق القوي يمثل مصدًا للجناح الشرقي من التمدد الخارجي، وضعفه أثر مباشرة على المنطقة بأسرها.
واعتبر القادري أن احتلال العراق غيّر نظرة غالبية الدول العربية للوجود الأمريكي، الذي أصبح وسيلة لتغيير المنطقة بما يتماشى مع الرؤية الأمريكية. كما ساهم الاحتلال في تكريس التشتت الطائفي في العراق، مما غيّر صورة الصراع والتوازنات الإقليمية بشكل سلبي.
ورأى الباحث أن إيران كانت من أكبر المستفيدين من الاحتلال، حيث سنحت لها فرصة تاريخية لتعزيز نفوذها والتوسع في المنطقة، بينما كان يقف العراق سدًا أمام طموحاتها.
وأصبحت إيران بعد الاحتلال أكثر قدرة على التأثير والنفوذ، واستغلت الشرخ الطائفي الذي عززه الاحتلال والتدخل الإيراني لتحديد استراتيجيتها وتوجهاتها.
وأكد القادري أن فكرة التقسيم في العراق لم تكن ذاتية بل نتيجة مباشرة للاحتلال الأمريكي الذي ساهم في تقسيم المنطقة والصراع على نفوذها، خاصة مع تمركز الثروات النفطية في العراق.
وأشار إلى أن الأنظمة العربية شعرت بارتياح مؤقت من الضغط الأمريكي بانشغال واشنطن بالعراق، واستفادت من ذريعة “الإرهاب” لمحاربة الحراك المعارض. كما ساهم الإجرام الذي ارتكبه الاحتلال والميليشيات الطائفية في نمو التطرف وتجنيد الشباب.
مكاسب الصهاينة
ولفت القادري إلى استفادة الكيان الصهيوني من احتلال العراق، مشيرًا إلى دور اللوبي المؤيد لـ”إسرائيل” في واشنطن في تشجيع الغزو، ليس فقط من أجل النفط بل لخدمة مصالح الصهاينة.
واعتبر الباحث أن احتلال العراق حول جزءًا من الاهتمام العربي والإسلامي من نصرة القضية الفلسطينية نحو التحديات الجديدة التي فرضها الاحتلال.
كما أكد أن الاحتلال خلف آثارًا كارثية على العراق نفسه، سياسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا وديموغرافيًا وفكريًا وحضاريًا وتنمويًا، بالإضافة إلى أزمة اللجوء ومقتل أكثر من مليون عراقي بريء.
بدوره، أكد الدكتور يحيى الطائي أن السبب الأبرز لغزو العراق لم يكن الثروات النفطية والاقتصادية فحسب، بل اقتضاه الأمن القومي للاحتلال الصهيوني، حيث أخرج الاحتلال البلاد من منظومة الصراع العربي الصهيوني، كما أُخرجت مصر قبله بسنوات بعد اتفاقية كامب ديفيد.
وأوضح أن العراق، بدولته الكبيرة وجيشه وقوته الاقتصادية والبشرية، شارك بفاعلية في جميع الحروب العربية لصد العدوان الصهيوني، وكان له تأثير كبير منذ أربعينيات القرن الماضي وامتدادًا بمراحل القضية الفلسطينية المتعاقبة.
ترسيخ الاحتلال
إلى ذلك، قدم الدكتور رافع الفلاحي ورقته الموسومة (الاحتلال ومشاريع ترسيخه)، مستهلًا إياها بالإشارة إلى بشاعة قصف بغداد قبيل الاحتلال، واصفًا إياه بالاختلال الغريب والقاسي الذي استهدف العاصمة وقطع شرايينها، كما يحدث الآن في قطاع غزة.
وذكر الفلاحي كيف كانت إذاعة بغداد آنذاك تبث نشيد “بغداد يا بلد الرشيد ومنارة المجد التليد” وسط هذه الظروف العصيبة، معبرًا عن أسفه وعن اللمحة الإنسانية التي تجلت في ذلك.
وأكد أن العراق عُزل عربيًا قبل عزله أمريكيًا، مشيرًا إلى أن نظرية الأمن الإسرائيلي استندت إلى تفتيت الدول العربية وقواها، وهو ما بدأ مع اتفاقية سايكس بيكو التي مزقت الهلال الخصيب.
واعتبر أن العراق كان وما زال يمثل كيانًا كبيرًا، وأن تفكيكه كان جزءًا من مخطط صهيوني أمريكي بريطاني واضح، استمر منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 حتى 2003.
وأوضح أن احتلال العراق وضرب قوته العسكرية والصناعية الهائلة التي خرج بها من الحرب العراقية الإيرانية عام 1988 كان هدفًا أمريكيًا إسرائيليًا، حيث سعوا إلى نزع هذه القوة من العراق.
ولفت إلى أن الأمريكان، عند تشكيل الطبقة الحاكمة الجديدة، عملوا على تعويم الدولة العراقية وإزاحة مؤسساتها، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأمنية التي حُلت في البداية، مما أثار الفوضى.
وأشار الفلاحي إلى أن العراق بتاريخه الممتد لآلاف السنين كان أوسع مما هو عليه الآن، وأن الخرائط والحدود البريطانية اقتطعت الكثير من أراضيه وسيادته، لافتًا إلى أن مشاريع ترسيخ الاحتلال استندت إلى المحاصصة الطائفية والقومية التي ظهرت لأول مرة في العراق، وتقسيم المجتمع إلى أكثرية وأقلية.
واستمر هذا النهج في العملية السياسية وقانون إدارة الدولة المؤقت والدستور الذي وصفه بالممزق والمبني على المكونات وليس المواطنة، وهو ما يخالف دساتير العالم.
كما أكد الفلاحي أن إشاعة الفوضى والفساد والنهب كانت من أدوات ترسيخ الاحتلال، حيث تركت القوات الأمريكية الأبواب مفتوحة للنهب، بل ووجهت مجاميع معينة للقيام بذلك وتصوير العراقيين على أنهم سراق ونهابون.
ولم ينسَ الإشارة إلى التخادم الأمريكي الإيراني الواضح الذي أدى إلى تفشي الفساد وعدم وجود دولة حقيقية، حيث تدخلت إيران بأدواتها الميليشياوية والحزبية والفكرية في العراق بتواطؤ أمريكي، وهو ما اعترف به النظام الإيراني نفسه.
واعتبر الفلاحي أن المشروع الإيراني التوسعي القديم كان جزءًا من أدوات أمريكا في ترسيخ الاحتلال، وأن حل الجيش العراقي كان ضربة كبيرة، وأدى إلى ظهور رايات صغيرة طائفية وحزبية وولاءات فردية، مما عوّم الدولة وأضعف الراية الجامعة.
وختم بالقول، إن أمريكا اليوم لا تريد تغيير الوضع جذريًا بل بقاء العملية السياسية بمحاصصتها، لكن برؤية أمريكية وإيرانية جديدة تهدف إلى نزع الملف النووي الإيراني، بينما يبقى الشعب العراقي هو الأساس في تغيير هذا الواقع وإنهاء مشاريع الاحتلال وترسيخه لتحقيق السلام والتعايش.
ديمقراطية زائفة
كما قدم الدكتور جاسم الشمري ورقة بحثية بعنوان (التحديات التي تواجه بناء دولة المواطنة)، وبدأ في مطلعها بتعريف المواطنة وارتباطها بالحقوق المدنية والحرية، كالحفاظ على حياة الإنسان وحقوقه الإنسانية والقانونية، ومظاهرها من الانتخابات وتولي المناصب العامة.
وأوضح الشمري أن الدولة النقية تسعى لتحقيق العدل والمساواة والرعاية، بينما الدولة “الملوثة” تنشر الظلم والمحاباة وتضيّع الحقوق.
وأكد أن حقوق المواطنة، رغم ملاصقتها للمواطنين، تتطلب وعيًا مجتمعيًا بأهميتها لتطبيقها ومراقبة أداء الحكومة، خاصة في عصر الإعلام الرقمي، مشددًا على ضرورة تنظيم هذه الحقوق بقانون دقيق يضبط العلاقة بين المواطن والسلطة.
وتناول الشمري مقومات حقوق المواطنة، وعلى رأسها المساواة أمام القانون بغض النظر عن الدين أو العرق أو الفكر أو الانتماء السياسي.
ولفت إلى أهمية الحرية بمختلف صورها، مستشهدًا بتجاوز السجون لطاقتها الاستيعابية بنسبة كبيرة كصورة من صور تكبيل الحريات، معتبرًا حق الحياة حقًا أصيلًا لا يمكن التجاوز عليه، مستعرضًا الخسائر البشرية الهائلة التي خلفها احتلال العراق وفقًا لتقارير دولية.
كما تطرق إلى الحقوق السياسية، كحق النقد والتظاهر السلمي، محذرًا من استخدام فكرة دولة المواطنة للاستهلاك السياسي.
وأشار الشمري إلى أن المواطنة الخالية من احترام الإنسانية والتعايش السلمي والعدالة تقود إلى الهجرة السلبية. وفي سياق التعددية الدينية والعرقية في العراق، أكد على ضرورة تَسامي الحاكم على الانتماءات الفرعية ليكون للجميع.
وانتقد تغليب المصالح الحزبية والشخصية على تحقيق المواطنة، وميل الأحزاب لمداعبة المشاعر المذهبية والقومية، وفشل منظمات المجتمع المدني في توعية الناس بحقوقهم.
وخلص الباحث الشمري إلى أن المجتمع المتماسك والواعي قادر على الحصول على حقوقه، بينما المجتمع المتشرذم لا يحقق ذلك.
واعتبر تأسيس المعارضة ومجلس الحكم بعد 2003 على أسس طائفية وقومية من أبرز تناقضات بناء دولة المواطنة في العراق، مشيرًا إلى دور “الفوضى الخلاقة” في الفتن الطائفية المستمرة.
واختتم بالتساؤل عن حقيقة الديمقراطية في العراق، معتبرًا أن الدولة اليوم ذات طابع ديني مذهبي رغم رفع شعار الديمقراطية، وأن حلم العراقيين الحالي هو العيش الآمن بعيدًا عن الصراعات الطائفية، بينما تبدو قضية دولة المواطنة بعيدة المنال في المدى المنظور.
وقبيل اختتامها، شهدت الندوة جلسة حوارية ثرية تضمنت مداخلات قيمة من الباحثين والإعلاميين المهتمين بالشأن العراقي، الذين أشادوا بأهمية الأوراق البحثية المقدمة وعمق تناولها لتحديات العراق الراهنة بعد عقدين على الغزو، مثمنين جهود المركز في تنظيم هذه الفعالية.
وفي الختام، عبر الدكتور يحيى الطائي عن تقديره للباحثين والحضور، رغم الظروف الجوية الصعبة، وتوجه بالدعاء لأهالي قطاع غزة المحاصرين والمنكوبين بحرب الإبادة التي يشهدونها، متمنيًا لهم النصر.

