أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

احتلت القضية الفلسطينية منذ فترة مبكرة من نشوئها حيزا كبيرا من اهتمام الشعب العراقي الذي كان موقفه بمختلف أحزابه السياسية وبرلمانه (الأعيان والنواب) ونواديه وصحفه لا بل وجماهيره موقف المؤيد والمساند لها، لما كان للقضية الفلسطينية من مكانة عند العراقيين.
لذا كانت القضية الفلسطينية من أهم القضايا العربية على الاطلاق التي أولاها أعضاء مجلس الأعيان اهتماما خاصا في مناقشاتهم، وكانت جميع الآراء تنصب على ضرورة مناهضة الصهيونية ومكافحتها بالشكل الذي يؤمن للشعب الفلسطيني حريته والمحافظة على كيانه وأرضه، واستثمار علاقات العراق الدولية من أجل الدفاع عن فلسطين وتحقيق استقلالها وتحريرها من براثن الصهيونية.
كان أول ذكر يرد للقضية الفلسطينية في مجلس ١٩٢٩م، إذ عطلت جلسة المجلس خمس دقائق بمناسبة ذكرى بلفور الجائر، واقتراح العينان فخري الجميل وحسن الشبوط الاحتجاج على هذا الوعد الرهيب، وقد أرسلت بالفعل برقية احتجاج على هذا الوعد الرهيب، وقد أرسلت بالفعل برقية احتجاج إلى كل من رئيس وزراء بريطانيا وسكرتير عصبة الأمم ولجنة التحقيق في القدس، وقد وصفت البرقية الوعد بأنه يرمي إلى إمحاء أمة في وطنها ولا يلتئم ومبادئ العدل والإنسانية.
نبّه عدد من الأعيان إلى مخاطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين عام ١٩٣٨م، فقد ذكر العين رشيد عالي الكيلاني، أن عرب فلسطين يأملون من الحكومة العراقية بعد حضور وزير الخارجية (نوري السعيد) مؤتمر لندن عن القضية الفلسطينية، علاجا حاسما لقضيتهم يخلصهم مما هم فيه من مخاطر الهجرة اليهودية والويلات التي يعانونها.
كان (روزفلت) رئيس الولايات المتحدة قد عرض في آذار ١٩٤٤م، على لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الكونغرس الأمريكي، موضوع إقامة دولة يهودية في فلسطين مما أثار الرأي العام العربي، فانتقد عددا من الأعيان الولايات المتحدة على مواقفها هذه واعتبروها (غريبة ومتحيزة).
ولما حل (ترومان) محل (روزفلت) في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وجه رسالة مستعجلة إلى (أتلر) رئيس الوزراء البريطاني في ٢١ أيلول ١٩٤٥م، طالبا منه أن يسمح لمائة ألف يهودي بالدخول إلى فلسطين فورا، إثرها تقدم عددا من الأعيان باحتجاج شديد اللهجة على تصريحات الرئيس الأمريكي (ترومان) بخصوص فتح باب الهجرة في فلسطين للصهيونيين.
وتساءل العين (محسن أبو طبيخ) : “هل كانت فلسطين قارة مجهولة، وقد اكتشفت فأراد ترومان توزيعها أيجهل الرئيس الأمريكي أن فلسطين قطر عربي؟”.
وكان وزير الخارجية البريطاني (بيفن) قد ألقى خطابا اتخذ شكل (البيان) في 14 تشرين الثاني 1945، تطرق فيه إلى القضية الفلسطينية، وكان هذا البيان مثار تساؤل وجدل، إثر ذلك دعيت جامعة الدول العربية إلى الاجتماع فورا لمناقشته وخرجت بمجموعة من القرارات، منها: المقاطعة العربية للبضائع الصهيونية، وفي ٣١ كانون الأول ١٩٤٥م قرر مجلس الوزراء العراقي مقاطعة البضائع الصهيونية في اجتماعه الذي خصصه لمناقشة القضية الفلسطينية فضلا عن مطالبته باستقلال فلسطين، وأصدر بيانا دعا فيه جامعة الدول العربية إلى تحمل مسؤوليتها إزاء هذه القضية، وتحميل الحكومتين البريطانية والأمريكية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في فلسطين وبوجوب الإعلان في الأمم المتحدة باستقلال فلسطين كدولة عربية.
كما طالب المجلس كذلك العرب ملوكا ورؤساء وشعوباً أن لا يكون قضية فلسطين ثانوية وإنما القضية الأولى، وأشار العين (عبد المهدي) أن ما يهدد فلسطين من خطر يهدد العراق اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ودعا العين (إبراهيم كمال) الشعبين البريطاني والامريكي إلى أن لا ينخدعا بأباطيل الصهيونية وغاياتها المزيفة، ويهملوا البراهين في اثبات حق شعب فلسطين وناشد الجامعة العربية إلى اتخاذ دورها بذلك.
وبخصوص الهجرة عقد مجلس الأعيان العراقي جلسة خاصة في ١٠ شباط ١٩٤٦م، بناءً على طلب العين عبد المهدي، لمناقشة تصريح وزير الخارجية البريطانية بشأن السماح لـ (١٥٠٠) صهيوني بدخول فلسطين شهريا بدون موافقة العرب، الأمر الذي أثار الرأي العام العربي، موضحاً إن من كان يشك بتصريحات الرئيس الأمريكي (روزفلت) كان يوصف بالنازية لأن هذه التصريحات صورت للرأي العام أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سوف لا يبقى مظلوم، وما يجري من هجرة لفلسطين بعد نهاية الحرب توضح ما في نفوس الغرب من ظلم وجور، فليس من الصحيح أن يبقى العرب مخدوعين بتصريحاتهم ومخدوعين ببريطانيا، شاركه في الرأي (مولود مخلص) بالاعتراض على الهجرة اليهودية إلى فلسطين وخطورة نتائجها، وطلب العين (محسن أبو طبيخ) اتخاذ إجراءات حاسمة، وأن لا يكتفي بالكلام والخطب وأعرب عن استعداده للقتال بقوله : ” أنا أول عراقي أتطوع بنفسي وبكل ما أتمكن من رجال وأموال لقضية فلسطين، ومستعد لو أن جماعة تنهض أن أكون في مقدمة الناهضين المتطوعين”.
وانتقد العين (عزرا مناحيم)، وهو من الطائفة اليهودية، إعطاء الحكومة العراقية ناد ومدرسة للوكالة اليهودية التي بثت الدعاية للهجرة إلى فلسطين، على الرغم من انه برر بأن معاداة اليهود والاغتيالات جعلتهم لا يطمئنون إلى مستقبلهم في العراق وعززت روح الرغبة فيهم للهجرة.
وفيما يتعلق بالهجرة فقد كان مرسوم إسقاط الجنسية العراقية رقم ٢ عام ١٩٥٠، والذي أصدرته وزارة (توفيق السويدي) الثالثة في آذار عام ١٩٥٠م، والذي تضمن تخويل مجلس الوزراء أن يقرر إسقاط الجنسية العراقية عن اليهودي العراقي الذي يرغب باختيار منه، واليهودي العراقي الذي يغادر أو يحاول مغادرته بصورة مشروعة تسقط عنه الجنسية ومن ترك العراق بصورة غير شرعية تسقط عنه الجنسية بعد شهرين مثار نقاش الأعيان، فقد انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، فقد أوضح العين (مزاحم الباجةجي)، خطورة هذا المرسوم، وعدّه تسهيلا لهروب اليهود وتزويد الكيان الصهيوني بشبان يقوون جيشه، ويكونوا رتلا خامسا له، في حين كان رأي وزير الداخلية (صالح جبر) بأن الذي تسقط جنسيته لا يشترط أن يذهب إلى فلسطين، وإن إجبار هؤلاء على البقاء، على الرغم من إرادتهم فيه ضرر للبلاد، وإن بقاءه يجعله رتلا خامسا، وانتقد مصر لسماحها بإعطاء حق العودة لليهود.
وكان موقف العين (عزرا مناحيم دانيال) بأن هذه التدابير تعالج ناحية واحدة وطلب التعامل الحسن مع اليهود الباقين.
وطلب العين (مولود مخلص) بأن من يريد المغادرة من اليهود عليه أن يغادر هو وعائلته، وأيد الأمر نفسه العين (مصطفى العمري) وطالب بتصفية اليهود تصفية نهائية.
ويبدو أن الاضطرابات التي يخلقها اليهود في العراق كانت وراء محاولة التخلص منهم وأن البعض لم يحسب حساب تقوية الكيان الصهيوني على الرغم من أنه لم يكن مؤمنا بتقويته، ولكن المهم لديه استقرار الوضع الداخلي في العراق.
في الوقت الذي طالب فيه الأعيان بإيقاف الهجرة إلى فلسطين كانوا يطالبون بإيجاد حلول للفلسطينيين الذين شردوا منها بالإرهاب والحديد والنار وحل المهاجرين محلهم، فقد طلب العين (مصطفى العمري) عام ١٩٤٢م النظر في موضوع الفلسطينيين النازحين عن أوطانهم ظلما وعدواناً، وأشار العين (نوري السعيد) عام ١٩٥٠م بأن على العرب أن يطالبوا بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، بإرجاع اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم.
واقترح العين (صالح جبر) عام ١٩٥٠ – ١٩٥١م إيجاد حل للفلسطينيين المشردين وما يعانونه من الشقاء والبؤس، واقترح ثلاثة حلول، إما إعادة هؤلاء إلى ديارهم وبخاصة إلى الضفة الغربية ومساعدتهم على العمل على تعميرها، وإما إسكانهم في الأقطار المجاورة كسورية والأردن على نحو يؤمن العمل والراحة والشعور الطيب، وإما حملهم على قبول الرعوية لقطر من الأقطار العربية.
ودعا العين (عباس مهدي) إلى العمل بجدية لمعالجة مشكلة النازحين لأن هناك ثلاثة ملايين يسكنون الخيم وفي ظروف صحية ونفسية متردية، وأشار العين (عبد المهدي) موضحا أن الطامة الكبرى هي الاعتماد على أمريكا وبريطانيا اللتين تعملان على تقوية الكيان الصهيوني، ودعا إلى مساعدة مليون مهاجر عربي مشرد في مصر ولبنان وسوريا والعراق والأردن، لإنقاذ بلادهم وتوحيد مساعيهم، وأشار إلى أن القضاء على إسرائيل لا يتم إلا بالوحدة والاتفاق وجمع الكلمة، وأكد الأمر نفسه الأعيان مصطفى العمري ونور الدين محمود ومحسن أبو طبيخ.
أما بخصوص الحلول للقضية الفلسطينية فقد كانت الحكومة العراقية تعتقد خطأ أن الحل يمكن أن يكون عن طريق التعاون مع بريطانيا، وقد أشار لذلك خطاب العرش لعام ١٩٣٩م بالأمل في الوصول إلى حل مرضي يصون حقوق العرب في فلسطين وأن تعيد بريطانيا الطمأنينة والسلام.
ولم يكن ذلك رأي الحكومة فحسب بل بعض الأعيان فقد شكر العين (داؤد الجلبي) الحكومة على مساعيها، وعدّ العين (محمود صبي الدفتري) أن ما يجري من حوادث في فلسطين لا يحتمل السكوت عليها، وهي أمر لا يتفق وروح المدنية الحاضرة، وعلق الأمل على بريطانيا لمعالجة الموضوع، وحاول البعض الإيحاء بأن التعاون مع بريطانيا ضمن ميثاق بغداد سيؤدي إلى حل القضية الفلسطينية، وقد ذهب إلى هذا الرأي العين نصرت الفارسي.
ولكن الموقف بشكل عام كان يزداد رسوخا يوما بعد يوم بأن مشكلة فلسطين لا يحلها إلا العرب أنفسهم وأنه من الخطأ الاعتماد على بريطانيا وغيرها.
فقد انتقد العين مصطفى العمري بشدة ما صدر من بيانات في مؤتمر لندن والقاهرة بخصوص القضية الفلسطينية وعدهما فاشلين تماما، وانتقد الحكومة البريطانية لعدم وقوفها مع المطالب العادلة واكتفت بكتاب سمته (الكتاب الأبيض).
في ٢٩ تشرين الثاني اتخذت هيئة الأمم المتحدة قراراً بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود وتكوين دولتين إحداهما للعرب والأخرى لليهود.
عند افتتاح مجلس الأمة (الأعيان والنواب) في الأول من كانون الأول ١٩٤٧م قيل أن الحكومة ستعمل على انقاذ فلسطين والحيلولة دون ضياعها عن طريق التعاون مع الأقطار العربية.
اشتدت مناقشات ومطالبات الأعيان بعدم الاعتماد على بريطانيا بعد قرار التقسيم الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧م – كما سنرى –

المصادر المعتمدة :

١ – محاضر جلسات مجلس الأعيان (١٩٢٩ – ١٩٥١م)
٢ – عباس عطية جبار، العراق والقضية الفلسطينية ١٩٣٢ – ١٩٤٧، (بغداد، ١٩٨٣).
٣ – عبد التواب أحمد سعيد، العراق والقضية الفلسطينية بين ١٩٣٦ – ١٩٤٧م، (القاهرة،١٩٧٨م).
٤ – حميد حسين كاظم الشمري، متغيرات الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي إلى الكيان الصهيوني، (بغداد، ١٩٩٠).
٥ – نزار أمين حمد، صحيفة فلسطين وموقفها من السياسة البريطانية ١٩٢١ – ١٩٤٧، (بغداد ١٩٨٨).
٦ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الأجزاء ٦، ٧، ٨ (بغداد، ١٩٨٨م).

مقال خاص براسام