تبحث هذه الدراسة دور الجيش العراقي وتطوره من ناحية البناء، والتسليح، والتدريب، ومشاركته في حرب أكتوبر عام1973، بعد أن سيطرة إسرائيل على الكثير من الأراضي العربية في مصر، وسوريا، والأردن، بالإضافة الى الاراضي الفلسطينية المحتلة، مما جعل الصراع يأخذ شكلاً جديداً من المنازلة لتحرير الأراضي المحتلة، حيث انقسمت المشاركة العراقية على جبهتين رئيسية هي الجبهة المصرية عندما شاركت القوة الجوية العراقية ضمن الضربة الجوية الشاملة، وما هي الواجبات التي كلفت بها، وكذلك على الجبهة السورية بمشاركة جوية وبرية كبيرة، قلبت موازين القوى على الأرض، وأجبرت اسرائيل على التحول من الهجوم الى الدفاع، بعد أن استوعبت اسرائيل الضربة الأولى وبدأت بالهجوم بالمقابل، كما تتطرق هذه الورقة الخطط التي وضعتها هذه الدول لهذه الحرب، وما هي فكرة العمليات، ولماذا لم يشترك العراق في وضع الخطط، أو لماذا لم تشارك الأردن في هذه الحرب كدولة مواجهة، كما تبين نظرة القيادة العراقية للقضية الفلسطينية، وتبحث أهم المعوقات لهذه المشاركة العراقية الكبيرة، ودوافعها، وطبيعة الموقف السياسي، والموقف الأمريكي الداعم للكيان الصهيوني، وكذلك القرارات التي اتخذتها القيادة العراقية على كافة الأصعدة لدعم قرار الحرب، كما تتطرق الى المعارك البرية على الجبهة السورية، وكيف منعت القوات العراقية سقوط دمشق بيد الصهاينة، وما هي الخطة العراقية التي لم تنفذ بسبب موافقة سوريا ومصر على وقف إطلاق النار.
المقدمة:
لقد كانت خسارة الجيوش العربية في حرب حزيران عام1967كبيرة وقاسية، بعد أن سيطر الكيان الصهيوني على الكثير من الأراضي العربية في غزة، والضفة الغربية، وسيناء، وهضبة الجولان، بحيث أصبحت اسرائيل ترفع شعار الأرض مقابل الاعتراف، ثم انتقلت الى شعار الأرض مقابل السلام، وهذا يعني بأن دول المواجهة يمكنها استعادة أراضيها التي سيطر عليها الكيان الصهيوني بعد عام1967مقابل السلام بينها وبين إسرائيل، لذا كان يجب على الدول العربية أن تجعل من ضمن خططها الاستراتيجية للتحرير هو استعادة هذه الأراضي التي خسرتها دول المواجهة كأسبقية أولى، على أن تكون مدخلاً لتحرير جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعدم التخلي عن أيً منها، لأن تحرير جزء من الأراضي لا يتعارض مع بقاء جزء أخر، ولكن دون تنازل أو تخلي عنه، على أن يكون هناك أعداد حقيقي للقوات المسلحة العربية، يشمل التعبئة، والتنظيم، والبناء العسكري، والاقتصادي، والجماهيري، والسياسي، لغرض المواجهة العسكرية الشاملة، رغم كل القيود التي وضعتها الكثير من الدول الغربية بعدم حصول الدول العربية على سلاح متطور، بحيث تكون قادرة على مواجهة الألة العسكرية الاسرائيلية، خصوصاً في ظل العجز العربي عن التصنيع العسكري المحلي، مع وجود دعم كبير تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية لإسرائيل، ورغم إن العراق لم يكن من دول المواجهة أو دول الطوق ولكنه شارك في جميع الحروب ضد الكيان الصهيوني، أو في الحروب التي كانت ترمي لتحرير أرض عربية، بكل ما لديه من إمكانيات وقدرات عسكرية، وسياسية، واقتصادية، وشعبية.
تطوير وتسليح الجيش العراقي:
لا شك بأن دخول العراق في حلف إقليمي أطلق عليه “حلف بغداد” عام1955مع تركيا، وإيران، وباكستان، برعاية بريطانية- أمريكية كان مهماً على المستوى السياسي والعسكري الاستراتيجي، علماً بأن هدف الحلف هو للتصدي للمد السوفيتي ضمن الحرب الباردة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي أستفاد منه العراق بصورة كبيرة على المستوى العسكري لتوسيع وتطوير الجيش العراقي، وخاصة القوة الجوية العراقية التي زودت بطائرات مقاتلة نفاثة نوع “فيوري البريطانية”، وكذلك تسليح القوات المدرعة العراقية بدبابات “نوع سنتورين البريطانية”، كما تم توسيع قوات المشاة الراجل الى أربع فرق كاملة من ناحية التسليح، والملاك، بالإضافة الى توسيع أسلحة الاسناد النارية، وكذلك الاسناد الإداري.
لقد شهدت مرحلة الانتقال والتحول السياسي من النظام الملكي الى النظام الجمهوري في14تموز 1958 بقيادة “العميد الركن عبد الكريم قاسم أمر لواء المشاة(19)”و”العقيد الركن عبد السلام عارف أمر لواء العشرين”، مرحلة جديدة من التسليح، وبناء الجيش العراقي، تشمل التحول من المعسكر الغربي الى المعسكر الشرقي، حيث توسع الجيش العراقي من الناحية العددية، والتسليحية، والتدريبية ،حيث شملت هذه الفترة تشكيل فرقة أخرى، وإدخال أنواع أخرى من الدبابات مثل(تي34)و (تي54)، ومدفعية، وطائرات حربية روسية مقاتلة نوع(ميك15-17-19-21)، وقاصفات نوع(تي يو16-28)، (1)حيث تدفقت الاسلحة الروسية بأعداد كبيرة وبتكلفة قليلة، ليدخل العراق في مرحلة جديدة تمثلت بمرحلة الانقلابات العسكرية، بعد أن أصبح الجيش العراقي ستة فرق عسكرية، منها فرقتان مدرعة هي الفرقة الثالثة والسادسة، بالإضافة الى وجود كتيبة دبابات مع كل فرقة مشاة من الفرق الأربعة.
في عام1963تم الاطاحة بالزعيم عبد الكريم قاسم، وحاولت الدول الغربية استغلال الموقف واستمالة العراق من خلال تقديم مساعدة عسكرية كبيرة، تمثلت بأنواع من(دبابات نوع24)، و(ناقلات جنود مدرعة بريطانية نوع أم113)، و(عجلات نقل ميدانية مختلفة)، بالإضافة الى أكثر من(سربين من طائرات بريطانية نوع هوكر هنتر)، ثم جاءت حرب عام1967ليشارك العراق بقوات لواء ميكانيكي، مع جهد جوي مقاتل كبير كما تقدم فيما سبق، حيث بدأت مرحلة جديدة من الأعداد القتالي من خلال تشكيل الفرقة المدرعة الثالثة العراقية بقيادة “العميد الركن عبد الكريم عريم” والتي أطلق عليها “قوات صلاح الدين(2)”، حيث تم دعم ساحة العمليات الأردنية- الاسرائيلية حتى الانسحاب عام1971، لتبدأ مرحلة أعادة التنظيم جديدة، والتي تزامنت مع تصاعد العمليات الاستفزازية الإيرانية للعراق، بعد إن ألغت ايران اتفاقية ترسيم الحدود مع العراق عام1969، ومطالبتها بجعل خط “التالوك” هو خط الحدود الدولية بين البلدين بدلاً عن الحدود الشرقية لشط العرب، بالإضافة الى الدعم العسكري الذي كانت تقدمه إيران للزعامات الكردية التي تقود التمرد في شمال العراق، مما دفع القيادة العراقية عام1972الى أجراء عملية واسعة وشاملة لتطوير وتوسيع وإعادة بناء القوات المسلحة العراقية، شملت القوات البرية، والجوية، والبحرية، وسلاح المدفعية، واستحداث منظومات الدفاع الجوي، وقد جرى تنفيذ تمارين تعبوية، ومناورات عسكرية تناغي سلم الأولويات وتراعي التهديدات المحتملة.
الموقف الأمريكي:
لقد رعت الولايات المتحدة الأمريكية بعد بريطانيا قيام دولة اسرائيل القوية في المنطقة، بحيث تكون قادرة على فرض أرادتها السياسية والعسكرية على دولة المواجهة، بحيث تستطيع أن تفرض حالة من التهدئة من خلال قوتها العسكرية، وبنفس الوقت لتكون قوة يمكن أن تشكل سداً منيعاً أمام التمدد والنفوذ الروسي في المنطقة، وكذلك منع قيام أي وحدة بين الدول العربية، حيث قدمت واشنطن الدعم المالي، والعسكري، والسياسي المباشر، والغير مباشر عن طريق عدد من الدول الأوروبية مثل فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا الغربية، التي قدمت دعم كبير لإسرائيل كجزء من عملية تعويض اليهود عن جرائم النازية، مما جعلها تتفوق على الجيوش العربية في المنطقة، من خلال بناء قوة جوية، وصناعية، ونووية، وتكنولوجية متطورة، مما دفع الدول العربية الى الاعتماد على الاتحاد السوفيتي والدول الشرقية في التسليح، والتجهيز، والتدريب، لخوض الحرب مع اسرائيل.
لقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية بعد حرب حزيران عام1967بأن سيطرة إسرائيل على المزيد من الأراضي العربية لن يجلب الاستقرار للمنطقة، وسيؤدي الى تهديد المصالح الأمريكية العليا في المنطقة، علماً بأن الانظمة العربية كانت تنظر الى واشنطن كصديق، رغم الدعم الكبير الذي كانت تقدمه لإسرائيل، بينما كانت تنظر الى الاتحاد السوفيتي كعدو، رغم المساعدات العسكرية التي قدمتها موسكو للعرب، لذا فواشنطن تسعى لإيجاد حل سلمي، يتضمن انسحاب اسرائيلي من بعض الأراضي العربية، وإعطاء بعض حقوق الشعب الفلسطيني، لتحقيق تهدئة تؤدي الى تحقيق المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، التي اصطدمت مع الرغبة الاسرائيلية في استمرار الاحتفاظ بهذه الأراضي، لذا ذهبت اسرائيل الى طرح شروط تعجيزية لن يوافق عليها العرب، لأقناع الولايات المتحدة بأن المشكلة في الجانب الأخر، لذا يجب الاستمرار بخلق دولة إسرائيل القوية لردع الجيوش العربية، وضمان الاستمرار بالتهدئة في هذه المنطقة الملتهبة، والادعاء بالتفوق الذي لا يستطيع العرب تحديه، أي إن نظرية الأمن الإسرائيلي التي تقوم على الردع النفسي، والسياسي، والعسكري، وأنه لا فائدة من تحدي اسرائيل، ويجب الرضوخ لمطالبها وشروطها، كما إن مفهوم الأمني الاسرائيلي يعتمد على:
الحدود الأمنة.
تناسق الردع والعمل.
الاعتماد على الاستخبارات .
تطبيق مبدأ الضربات الاجهاضية.
نقل الحرب الى أراضي الخصم.
الاعتماد على القوى النظامية المحدودة للصد، والقوى الاحتياطية للرد.
توسيع هامش المناورة العسكرية المكانية، وخاصة على الخطوط الداخلة.
كيف تنظر القيادة العراقية للقضية الفلسطينية:
لقد بنت القيادة العراقية المنطلقات الفكرية والعقدية فيما يخص الصراع العربي- الاسرائيلي على نظرية تقوم على عدم الاعتراف بأي قرارات دولية تقزم الحق الفلسطيني في استعادة أرضه وحريته، ولا ينبغي لأحد أن يتكلم عن الأراضي التي سيطر عليها العدو في حروب عام1948وعام 1967، لأن هذه الأراضي هي نتيجة فرعية للنزاع القائم بسبب اغتصاب الأراضي العربية الفلسطينية، كما أنها تعتبر تحرير الأراضي الفلسطينية هو الهدف القومي الذي لا ينبغي أسقاطه من أجل الحصول على أهداف قطرية أخرى وإن كانت مهمة، ويجب العمل على طرح مشروع تحرير متكامل لجميع الأراضي المحتلة بما فيها أرض فلسطين، علماً بأنه كانت هناك محاولات كثيرة لجمع الكلمة وتوحيد الصفوف لخوض هذه الحرب مع الكيان الصهيوني على كافة المستويات السياسي، والعسكري، والاقتصادي، حيث عرض الوفد العراقي في كانون الثاني1973مشروعاً اقتصادياً ذو أبعاد عسكرية على مجلس وزراء الخارجية والدفاع العرب باستخدام البترول كسلاح في المعركة، وتأميم الحصص الأمريكية في الشركات النفط، وتهديد الدول الغربية بالتأميم وقطع النفط عنها أذا ما وقفت بجانب الكيان الصهيوني الغاصب، ولكن هذا المشروع لم يلق أذاناً صاغية في تلك الفترة.
المراجع:
كتاب: معارك الجيش العراقي الكبرى من عام1973-2003، أعداد الفريق الركن رعد مجيد الحمداني دار آمنة للنشر والتوزيع – الأردن تاريخ النشر عام2013.
نفس المصدر السابق.

