الكاتب: نظير الكندوري
حزب العمال الكردستاني الذي تأسس عام 1978، اتخذ من جبال إقليم كردستان شمال العراق، مقرًا لعناصره منذ وقت مبكر، وجعل في تلك المناطق قواعده الخلفية، ومنطلقًا لعملياته العسكرية ضد الجيش التركي والمؤسسات الحكومية داخل تركيا؛ بل وحتى ضد الأهالي الرافضين لمشروعهم الانفصالي أثناء حربه لإقامة دولة كردية منفصلة عن تركيا، كانت أشهر تلك المناطق، هي جبال قنديل بين الحدود العراقية والإيرانية، نظرًا لوعورة تضاريسها وصعوبة الوصول إليها.
أعتمد هذا الحزب في بداية نشأته، على التحالف مع الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي بزعامة مسعود بارزاني، لكن التواجد الكبير الذي نشهده اليوم لحزب العمال، لم يقتصر على أعالي الجبال، بل وصل إلى كثير من مدن إقليم كردستان الآهلة بالسكان، وبالأخص مناطق سيطرة البيشمركة التابعين لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي أصبح تحالف حزب العمال معه أكبر من الحزب الديمقراطي الذي تأثرت علاقته به بسبب قرب الأخير من تركيا، حتى بات يشكل مصدر خطرٍ أمني كبير على تركيا.
الانتشار الأخير والكبير لحزب العمال في إقليم كردستان، كان نتيجة للاتفاقية التي ابرمها هذا الحزب مع الحكومة التركية، أثناء المفاوضات التي انطلقت بين الجانبين عام 2013، حينها أعلن حزب العمال في مارس/آذار 2013 رسميا وقف إطلاق النار مع تركيا، بعد أن وجه زعيم الحزب المسجون “عبدالله أوجلان” دعوة للحزب لإنهاء النزاع المسلح، والانسحاب من تركيا إلى شمال العراق.
لكن فترة الود بين الطرفين لم تستمر طويلا، وعادت المواجهات بين مسلحي الحزب والجيش التركي عام 2015، إثر انهيار المفاوضات بينهما، الأمر الذي دعا الجيش التركي لشن حملات أمنية وعسكرية عديدة داخل وخارج تركيا لطرد ما تبقى من عناصر الحزب، واستفاد الجيش التركي من الاتفاقات الأمنية المبرمة مع الجانب العراقي أبان فترة النظام العراقي السابق، والتي تتيح له التوغل لبضعة كيلو مترات داخل الأراضي العراقية لمكافحة هذا الحزب، وتأمين حدودها ومنع تسلل عناصره إلى داخل تركيا للقيام بأعمالهم الإرهابية. بالمقابل، استفاد حزب العمال الكردستاني من ضعف الحكومة العراقية وعدم سيطرتها على شمال العراق بعد عام 2003، وكذلك الوضع الأمني المضطرب في سوريا بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، لتعزيز تواجده العسكري في البلدين، وبناء قوته وتجنيد من يريد من السكان المحليين الأكراد في البلدين، وقام بتشكيل مليشيات جديدة في العراق من مثل قوة “اليبشه” التي تسمي نفسها بوحدات حماية سنجار وتسيطر عسكريًا على مدينة سنجار والمناطق المحاذية لها، الأمر الذي جعله في خصومة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يعتبر سنجار من مناطق نفوذه، كما قام حزب العمال، بتأسيس ما يعرف بقوة “قسد” في سوريا لتعمل بالنيابة عنه هناك.
من ناحيته، قام الجيش التركي بالتوغل بعيدًا في داخل الشمال العراقي وبنى قواعد عسكرية جديدة بالإضافة إلى قواعد العسكرية التي كانت موجودة أصلًا قبل استيلاء داعش على ثلث الأراضي العراقية. وذلك عبر التنسيق مع البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني. يذكر أن قوات البيشمركة في إقليم كردستان ينقسمان إلى قسمين رئيسيين أحدها يعرف بقوة 70 التابعة للحزب الاتحاد الوطني الكردستاني (الطالباني)، وقوة أخرى تسمى 80 والتي تتبع الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقد فشلت جميع محاولات توحيد البيشمركة في قوة عسكرية واحدة.
ما أسباب الخلاف بين حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني؟
الخلافات بين الحزبين الكردين العمالي التركي والديمقراطي العراقي، نابعة من أسباب عديدة ربما أهمها هو منافسة حزب العمال للحزب الديمقراطي في مناطق سيطرته، وكذلك تهديد حزب العمال لعلاقات الحزب الديمقراطي المتميزة مع الحكومة التركية، مما جعل هناك تنسيقًا أمنيًا عالي المستوى بين قيادة الحزب الديمقراطي بزعامة مسعود بارزاني والبيشمركة التابعة له، والجيش التركي. وبدأت حكومة إقليم كردستان المسيطر عليها بشكل شبه كامل من قبل الحزب الديمقراطي، تغض الطرف عن نشاطات تركيا العسكرية في الإقليم، بل إنهما يتعاونان مع بعضهما عسكريًا.
تطور أمر الخلافات بين العمال والديمقراطي إلى اتهامات متبادلة بالعمالة والخيانة للشعب الكردي، إذ يتهم حزب العمال الحزب الديمقراطي، بالعمالة لتركيا، وأنهم يتعاونون معهم عسكريًا ضد حزب العمال، بينما يتهم الديمقراطي حزب العمال بأنه يريد إفشال تجربة إقليم كردستان. وفي أخر المعارك بين الجانبين، سقط من بيشمركة الحزب الديمقراطي 5 عناصر في كمين نصبه لهم عناصر حزب العمال في جبل متين بمحافظة دهوك، الأمر الذي هدد بإشعال نار حرب عسكرية واسعة بين الجانبين، إلا أن البارزاني اكتفى فقط بالإدانة والتنديد، وتجنب الرد على حزب العمال عسكريًا.
ما هو دور إيران في تأجيج الصراع على الساحة الكردستانية؟
ومع استمرار تركيا في جهدها العسكري ضد حزب العمال، قامت إيران بالدخول على الخط لمساندة حزب العمال عسكريًا وماديًا بواسطة أتباعها في الحشد الشعبي العراقي، وقام الحشد الشعبي، بتسهيل عملية تواجد حزب العمال في المناطق التي يسيطرون عليها ودعموا المليشيات المحسوبة على الحزب، من ناحيته حزب الاتحاد الوطني الكردستاني المسيطر على مناطق السليمانية وحلبجة وما جاورها والمقرب إيرانيًا، سمح لحزب العمال بفتح مقرات له في مناطقه، وسانده في صراعه مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهناك حوادث عسكرية كثيرة تُثبت هذا التعاون.
الأمر الجديد الذي طرأ على الساحة الكردستانية، هو التوغل الكبير للجيش التركي في تلك المناطق، وإعلان وزير الدفاع ووزير الداخلية التركيان، عن عزم بلادهما في بناء قاعدة عسكرية كبيرة في منطقة “ميتينا” الجبلية بالقرب من الحدود التركية، ويتهم حزب العمال الكردستاني تركيا، بأن لديها نواياها لا تتعلق بمحاربة حزب العمال فحسب، إنما لديها أطماع في تلك المناطق، وتريد ضمها بالإضافة إلى كامل ولاية الموصل التاريخية إلى تركيا. لكن تركيا من جانبها، تنفي ذلك الأمر بشدة وتقول، أنها تحارب الإرهاب المتمثل بحزب العمال الكردستاني.
الأحزاب الشيعية العراقية المسيطرة على حكومة بغداد والمرتبطة بإيران من جهتها، حذرت من مغبة التوغل العسكري التركي، واتهمت تركيا بمحاولة استعادة ولاية الموصل التاريخية التي تضم جغرافيًا حسب الخرائط القديمة قبل مئة عام، كامل كردستان العراق حاليًا بالإضافة إلى كركوك، لتضمها للدولة التركية. لكن مع هذا، تلتزم الحكومة العراقية الحالية بزعامة مصطفى الكاظمي، الصمت إزاء التحركات العسكرية التركية. ويرجح عدد من المراقبين، إن الكاظمي ربما يكون قد عقد مع تركيا أثناء زيارته لأنقرة مؤخرًا، اتفاقًا جديدًا يسمح بتوغل جيشها لضرب حزب العمال وداعميه من المليشيات.
وفي ظل هذه الفوضى الأمنية التي تستعر نارها في إقليم كردستان، نرى أن تركيا لن تتراجع عن خطواتها العسكرية الحالية، وستستمر في محاربة حزب العمال داخل الأراضي العراقية، حتى تحقق نصرًا عسكريًا كبيرًا وملحوظًا، وبما يحقق لها الأمن من خطر عناصر حزب العمال على تركيا. لاسيما وأن الموقف الرسمي للحكومة العراقية، غير رافض لتحركات الأتراك، ولا يصدر عنها ردود أفعال معاكسة، عدا ما يتم إرساله من مذكرات الاحتجاج إلى السفير التركي في بغداد. وهذا ما يستفز إيران ويجعلها تزيد من حجم مساعداتها لحزب العمال عن طريق ميليشياتها العاملة ضمن الحشد الشعبي. وعلى ما يبدو أن إيران تطمح باستغلال هذا الاضطراب الأمني في إقليم كردستان لتوريط تركيا في حرب استنزاف لا تستطيع الخروج منها، من خلال مساعدتها المستمرة لحزب العمال ماليًا وعسكريًا، لا سيما وأن هناك خلافًا تركيًا مع إيران بشكل كبير لكنه بعيد عن الأضواء على الساحة السورية، و بدرجة أقل على الساحة العراقية. مع ذلك فمن غير المرجح أن تكون اتهامات حزب العمال والأحزاب الشيعية في بغداد لتركيا في محاولاتها لضم مناطق شمال العراق للدولة التركية صحيحة، لكن الشيء المؤكد، أن تركيا تطمح لأن تحول المناطق المحاذية لحدودها مع العراق وسوريا، إلى مناطق مسيطر عليها أمنيا وبما لا يشكل أي تهديد لتركيا.
مقال خاص براسام

