د. فارس الخطاب

منذ أكثر من ثلاثة عقود والشعب العراقي تحت ضغط دولي وإقليمي ومحلي هائل، ممنهج ومدروس، كانت، ومازالت غايته الأولى تجهيل هذا الشعب وشغله بما يبعده عن دائرة الوعي المطلوب لتفويت الفرصة على أعداء العراق والعراقيين بتمرير مخططاتهم الشيطانية في تفتيت وحدته ووحدة أراضيه.
نعم؛ فمنذ صدور أولى العقوبات وأشدها على العراق عبر بوابة مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية أبان دخوله الكويت عام 1990م، والعراقيون في حصار مقيت ليس فيما يخص الغذاء والدواء والسلاح والتكنلوجيا فقط، بل حتى في مجالات العلاقات الإنسانية والعلمية والثقافية والإعلامية، وكان الهدف دائماً تكوين رأي عام معادي لنظام الحكم في العراق أو على أقل تقدير رافض لاستمراره، وهذا وحده احتاج لأكثر من ثلاثة عشرة عاماً كي يخفضوا درجة وعي بعض العراقيين إلى حدود اللامبالاة تجاه العدوان الثلاثيني ومن ثم الاحتلال الأمريكي لبلادهم عام 2003م.

بعد الاحتلال الأمريكي-البريطاني ثم الإيراني للعراق عاد بعض الوعي لثلة من المجاهدين المؤمنين بحتمية مقاومة قوات الاحتلال، وبدأ الصراع متعدد الأوجه، وغير المتكافئ بين قوى المقاومة وكل قوى الشر التي احتلت العراق، وقد كان لقوى وطنية شرف المبادرة بتشكيل وجمع قوى المقاومة العراقية الوطنية والإسلامية لتنظم عملها وتشكيل قيادة لها ومن يمثلها رسمياً في الخطاب الإعلامي والحوارات السياسية، حيث تم اختيار الشهيد الراحل الدكتور حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين ناطقا باسم هذه القوى.

لقد عبثت الولايات المتحدة بشكل وتفاصيل المؤسسات العراقية التي كانت تدير البلاد منذ عام عقود من الزمن، وكان الهدف دائماً تشويه وتضبيب وإرباك صورة العراق عند العراقيين، لكي يتم تشكيل النظام الجديد المشكل داخل أروقة وزارة الدفاع والمخابرات المركزية الأمريكية من قبل الغزو بسنوات، فكان مجلس الحكم الذي مثل نموذجاً صارخاً للمحاصصة الطائفية فالدستور المشوه ثم الانتخابات المزورة التي مكنت وأوجدت مجموعة من الذين فقدوا كل قيم الشرف الوطني ليديروا عملية سياسية كان هدفها الأساس، وما زال، تمكين إيران من بسط نفوذها على العراق، ثم جعل العراق قاعدة انطلاق لتصدير الثورة الإيرانية لدول الجوار العربي على وجه الخصوص.

العراقيون ومنذ ظهور الوجه القبيح لإيران في بلادهم دخلوا في دائرة التذمر، ثم قبول الأمر الواقع عن مضض، لكن الأجيال التي نشأت على هذه الصورة المذلة، البشعة، وهم يمثلون الآن شباب العراق، لم يتمكنوا من قبولها، فبدأت حملات كثيرة على شكل اعتصامات، وتظاهرات، ومواجهات، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها، كان التركيز فيها بشكل رئيس على الدور الإيراني الخطير في بلادهم ومن جميع الجهات؛ سياسياً إقتصادياً، تعليمياً، ديموغرافياً وأمنياً.

إن ارتفاع معدلات الوعي لدى العراقيين جعل العملية السياسية في حالة تراجع مستمر، وتمكن العراقيون – الذين ثارت حماستهم وكسر حاجز الخوف لديهم بفضل تضحيات أبنائهم من الشباب – من الخروج بشكل جمعي في بغداد وفي جميع محافظات العراق ليعلنوا رفضهم لهذه العملية وأقطابها وكذلك للوجود الإيراني وكل أطراف الاحتلال للعراق، وقد تمكنوا، وبعد تضحيات بدماءٍ وأرواح كثيرة في 2019م، من إسقاط حكومة عادل عبد المهدي والإيتاء بحكومة تصريف أعمال يقودها مصطفى الكاظمي، وكان هذا أول ضربة موجعة للعملية السياسية أدخلتها في شلل وظيفي حتى موعد إجراء انتخابات مبكرة في 2021-10-10م التي شكلت أيضاً ضربة مضافة من شعب العراق بسبب مقاطعة نسبة كبيرة منه لهذه الانتخابات، وأيضاً بسبب ذهاب من شارك فيها لاستبعاد ترشيح أرباب العملية السياسية بما جعلهم خارج حسابات الفوز بحكم جديد إلا من خلال التحشد تحت مسمى الإطار التنسيقي، والذي يتبجحون باعتباره (البيت السياسي الشيعي) ليدخلوا في صراعٍ هائل مع طرف شيعي آخر، هو التيار الصدري ؛ صاحب الشعارات السياسية المتناغمة مع نبض الشارع ومعاناته وبالأخص فيما يخص التدخل الإيراني بشؤون العراق ومحاسبة الفاسدين .

إن إدارة الصراع الشيعي- الشيعي والذي حاولت إيران حسمه لعدة مرات من خلال تقديم النصائح تارةً والتهديد تارةً أخرى لطرفي الصراع على حكم العراق لن ينتهي عند منعطف تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، بل إن هذا الأمر سيتحول إلى متغير عقائدي ونفسي سيدفع بشيعة العراق، الشباب منهم خاصةً، إلى العزوف عن كل مرجعية دينية إيرانية أو التي تتخذ من إيران مقراً لها. كما أن دخول المنطقة الخضراء والسيطرة على مبنى مجلس النواب والقدرة على التحكم ببقية المنطقة التي يفترض أن تكون شديدة التحصين يمثل إنتصار الوعي السياسي للشباب العراقي وبداية التغيير الشامل في طريقة حكم العراق، لكن ما يشكل ثلمةً في هذا المنجز ؛ أنه ما زال مضطراً لإتباع تعليمات ليست متماثلة مع درجة وضوح وعيه ولا تشكل النمط الذي يسعى لتكريسه في شكل وطبيعة النظام السياسي والمؤسسي لحكم العراق المنشود، وهذا مرده بطبيعة الحال إلى فشل شباب العراق في إنتاج قيادة قادرة على تسّيد المشهد لها برنامج محكم لتنظيم عملية تنظيف العراق ومؤسساته مما علق بها من أدران وخبائث، وهذا الأمر متأتي بطبيعة الحال من قلة حيلة العراقيين وهم يواجهون كل قوى الشر في العالم الغربي والشرقي منذ عقود من الزمن، لكن ما يحدث الآن في العراق سيدفع حتماً لولادة مثل هذه القيادة وهو ما سيكون في المرحلة القريبة المقبلة.


مقال خاص براسام