تضارب المصالح الداخلية والاقليمية حول مدينة سنجار:
لا شك بأن الاهمية الاستراتيجية لمدينة سنجار قد أزدادت لدى كثير من الأطراف داخلياً وخارجياً، مما جعل الصراع في هذه المدينة مركب ومتعدد بين قوى متناحرة و متصارعة فيما بينها على السلطة والنفوذ، فداخلياَ هناك صراع كردي-كردي يتمثل بين الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يحاول السيطرة على هذه المدينة وضمها الى إقليم كردستان، وبين حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) الذي اتخذها قاعدة جديدة له في المنطقة، ويبدو بأنه انقلب على الاتفاقات السابقة بينهما في إدارة المدينة، فحلفاء الأمس أعداء اليوم كما يقال، كما إن هناك صراع كردي-شيعي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وبين ميليشيات الحشد الشعبي الولائي التي تعتبر هذه المدينة ذات أهمية استراتيجية لمخططات تتعلق بأجندة خارجية تخص الأطماع الايرانية في العراق ووصولها الى البحر المتوسط باعتبارها تقع على طريق الحرير الايراني، لذا فهناك دوافع أقليمية، ومصالح أستراتيجية، تجعل التوازنات الداخلية صعبة ومعقدة.
أما الصراع الإقليمي فقد بدا واضحاً بين تركيا وإيران، بعد أن تقاطعت المصالح واختلفت وجهات النظر بينهما فيما يخص هذه المدينة مما جعل التدافع عليها كبيراً، فإيران تمتلك من الأدوات والميليشيات المسلحة ما يمكنها من السيطرة والهيمنة على هذه المدينة بما فيها توظيف قوات حزب العمال الكردستاني (PKK) لخدمة مصالحها، من خلال دفع الميليشيات المسلحة التابعة(الحشد الشعبي الولائي) للتحالف والتوافق معها فيما يخص الموافقة على تواجدهم العسكري بالمدينة رغم تقاطعهم مع الحزب في قضية الدولة الكردية، ومع هذا فهي تريد توظيف ورقة حزب العمال الكردستاني للضغط على قيادة الإقليم عند الحاجة وخاصة في القضايا المساومات السياسية الداخلية ومنها تشكيل الحكومة الحالية، كما أنها تحاول توظيفها واستخدامها كحليف وورقة للضغط على تركيا لابتزازها بتقديم تنازلات في ملفات أخرى وخاصة في سوريا.
يضاف الى ذلك إن هذه المدينة هي جزء من طريق الحرير الإيراني الذي يمر بمدينة تلعفر و سنجار وصولاً الى الحدود العراقية السورية ثم الى لبنان أنتهاءاً بالبحر المتوسط، وقد تم التنظير لهذا الطريق عقدياً من خلال الترويج الى ما يسمى بطريق السبايا الذي يمر من هذه المدينة بأتجاه سوريا، بينما تنظر تركيا لهذه المدينة بأنها أصبحت جبل “قنديل” أخر، وموقع جغرافي جديد لتموضع حزب العمال الكردستاني وهي تشكل تهديد للأمن القومي التركي، علماً بأن إيران تدعم حزب العمال الكردستاني وبقوة حسب التقرير الذي أصدره “موقع المونيتور” الأمريكي والذي يرى بأن هذه الاشتباكات في “شنكال” هي واحدة من عدة جبهات جديدة فتحها التصعيد بين أنقرة وطهران في شمال العراق، حيث دعا السفير الإيراني السابق في العراق “إيراج مسجدي”، أنقرة الى سحب قواتها من العراق مضيفاً “إن تركيا ليس لديها أي مبرر للتدخل في سنجار”، علماً بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تخطط لأنشاء قاعدة عسكرية في جبل “سنجار” حسب البرتوكول الموقع مع الاقليم في 12 تموز عام 2016.
كيف تعاملت حكومة بغداد مع قضية سنجار:
إن من يراقب الأداء الحكومي في التعامل مع مدينة سنجار يجد بأن هناك إجراءات حكومية ضعيفة لم ترتقي الى مستوى التحديات والضغوطات أو الأزمات التي تواجهها المدينة، حيث تميزت السياسات الحكومية بالصمت وغض النظر والتسويف وعدم الأهتمام على جميع المستويات الرسمية، متجاهلة الممارسات التي مورست ضد هذه المدينة قبل وبعد عام 2014، وهذا يعود لأسباب كثيرة منها: التحالف الشيعي- الكردي حول إدارة الدولة والذي يقضي بعدم التصادم بينهما لاستمرار هذا التحالف، بما فيها تقديم التنازلات من قبل حكومة بغداد لحكومة الإقليم لغرض تشكيل الحكومات أو بقاء من هم في سدة الحكم على رأس الهرم في السلطة التنفيذية في بغداد، وهذا يتطلب غض النظر عن الكثير من الممارسات بما فيها جعل هذه المدينة تحت سيطرة البيشمركة باعتبارها من المناطق المتنازع عليها، بالإضافة الى ملفات متعددة منها ملف النفط في كردستان، والموازنة التي يحصل عليه الاقليم، وكذلك المناطق المتنازع عليها، ثم جاءت الأحداث التي تلت سقوط مدينة الموصل والتي تمثلت بسيطرة تنظيم الدولة على عدداً من المدن العراقية الكبيرة لتدخل المدينة بمأساة جديدة حولتها الى بؤرة من التوتر نتيجة الانقسام الداخلي الذي قسم المدينة الى ولاءات متعددة.
لقد انقسمت هذه المدينة بعد عام 2014 الى ولاءات متعددة لضعف سلطة الدولة عليها و تغول الميليشيات المسلحة مما جعل الكثير منهم يتبع الى حكومة الإقليم، وهناك من يتبع الى حزب العمال الكردستاني التركي بما فيها الميليشيات المسلحة الإيزيدية، ومنهم من يتبع الى ميليشيات الحشد الشعبي، ومنهم من يعمل مع حكومة بغداد التي تعتبر الطرف الأضعف في المعادلة، وبهذا نحن نتحدث عن ولاءات مختلفة ومصالح متقاطعة لهذه الأطراف التابعة التي يتبع البعض منهم الى جهات خارجية وهي تنفذ أجندة خارجية وطائفية بدوافع ومخططات إقليمية ودولية تهديد الأمن القومي العراقي، وكذلك أمن بعض دول الجوار ومنها تركيا، ومع هذا فقد صمتت حكومة بغداد على وجود التنظيمات المسلحة والمصنفة على قوائم الإرهاب الدولي لتسيطر على هذه المدينة ولفترة طويلة جداً، وهنا نسأل لماذا سمحت الحكومة بانتقال المسلحين من حزب العمال الكردستاني التركي الى جبل قنديل عام 2013؟، والثانية لماذا سمحت لهم بالتمدد في المناطق الشمالي والمدن العراقية وصولاً الى مدينة سنجار؟، والأخرى لماذا سمحت له باستخدام سلاحه في السيطرة على المدينة ودخوله بمواجهات مسلحة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني ومع القوات الحكومية؟، بما فيها السماح له بالتواجد في مدينة سنجار والمشاركة في أدارتها، و لماذا تغاضت عن تشكليه لميليشيات مسلحة من أهل المدينة تابعة له؟.
الميليشيات العاملة في مدينة سنجار؟:
لقد أصبحت هذه المدينة مرتعاً للميليشيات المسلحة التي تعمل خارج أطار الدولة بعد عام 2014 م، ومنها القوات المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني الذي سيطر على المدينة ورفض الانسحاب والخروج منها، بل أنه عمل على استقطاب الكثير من المقاتلين الإيزيدية الى صفوفه ليصل عناصر التنظيم الى عدة ألف وبشكل غير مسبوق، كما قام الحزب بالتنسيق مع ميليشيات الحشد الشعبي التي قدمت له الدعم المادي والعسكري واللوجستي حتى وصل الأمر الى مطالبة الحزب بجعل قضاء سنجار إقليم خاص بعيداً عن إقليم كردستان، الأمر الذي رفضته قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يعتبر هذه الميليشيات بدأت تنازعه السيطرة على هذه المدينة التي أصبحت تعج بالميليشيات المسلحة التي تعددت مشاربها وأهدافها ولها ولاءات متعددة وبعضها تابع لجهات خارجية تعمل في المدينة، ومن هذه الميليشيات: وحدات مقاومة سنجار “اليبشه” والتي أطلق عليها فيما بعد بـ”الفتح المبين”، وهي قوات تابعة لميليشيات الحشد الشعبي، وكذلك “قوة حماية إيزيدخان” القريبة من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكذلك فصيل “بيشمركة سنجار” التابعة لحزب الديمقراطي الكردستاني، هذا بالأضافة الى “وحدات حماية المرأة في سنجار”، و”وحدات حماية سنجار “الفوج (80) التابعة لحزب العمال الكردستاني فكرياً وعقدياً وتتلقى رواتبها أدارياً من ميليشيات الحشد الشعبي، وهي دائمة الاشتباك مع الجيش العراقي بسبب الخلافات العميقة على النفوذ والسلطة، وقد زادت هيمنة حزب العمال الكردستاني على المدينة بعد الاستفتاء الذي أجري في 25 سبتمبر/أيلول عام 2017، بعد أن أنسحبت قوات البيشمركة من القضاء بصورة سلمية، مما ولد فراغاً وواقعاً جديداً جاء استمراراً للحالة المشوهة في إدارة المدينة، والتي شكل فيها حزب العمال الكردستاني الثقل الرئيسي بدعم إيراني وحكومي يتمثل بقيادة الحشد الشعبي.
الاستفتاء الكردي يفرض واقعاً جديداً على مدينة سنجار:
لقد خضعت مدينة سنجار لإدارة مشتركة بين قوات البيشمركة وقوات حزب العمل الكردستاني (PKK) منذ استعادتها وحتى أجراء عملية الاستفتاء في عام 2017، للانفصال عن الدولة العراقية، حيث تغيرت قواعد إدارة الوضع الداخلي في سنجار نتيجة تداعيات عملية الاستفتاء، مما جعل المدينة تخضع لقوات الحشد الشعبي وقوات حزب العمال الكردستاني بصورة مباشرة، خصوصاً وإن هذه المدينة كانت ضمن محور تقدم الحشد الشعبي للسيطرة على مدينة الموصل، علماً بأن الذي أشيع حول هذا الأمر بأن المدينة ستكون تحت سيطرت الجيش العراقي، والشرطة الاتحادية والمحلية، وقوات الحدود، والاجهزة الأمنية الأخرى، والتي فشلت في ملء الفراغ الذي تركته قوات البيشمركة بعد انسحابها من هذه المدينة، مما زاد من هيمنة قوات حزب العمال الكردستاني والفصائل المسلحة الإيزيدية، أي إن الذي حصل هو أخراج قوات البيشمركة من المدينة ودخول الحشد الشعبي كقوة رئيسية للسيطرة على المدينة، علماً بأن قوات البيشمركة انسحبت من المدينة حسب الشروط الحكومية التي تم فرضتها حكومة المركز على حكومة الإقليم بعد الاستفتاء الذي جرى عام 2017، وقد تركزت الجهود العسكرية الحكومية في هذه الفترة على منع عمليات تسلل المسلحين من والى سوريا، وكذلك التركيز على وقف عمليات التهريب بمختلف أنواعها.
أتفاق سنجار حبر على ورق؟:
من المعروف لدى الكثير من المراقبين للشأن العراقي الداخلي بأن هناك اتفاق أبرم بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم حول مدينة سنجار ولكنه لم يرى النور وبقي حبراً على ورق لأن الميليشيات المسلحة رفضت تنفيذه علماً إن المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي قال: “إن الكاظمي أشرف على اتفاق سنجار الذي وقع في 9 تشرين الأول عام 2020 بين الحكومة المركزية وحكومة كردستان العراق” الذي وصفه “بأنه اتفاق تاريخي” يعزز سلطة الحكومة الاتحادية في سنجار وفق الدستور، على المستويين الإداري والأمني، وينهي سطوة الجماعات الدخيلة” وأضاف بأنه “يمهد لإعادة إعمار المدينة وعودة أهاليها المنكوبين بالكامل، وبالتنسيق مع حكومة أقليم كردستان” والتعاون مع أهالي سنجار، ولكن الحقيقة أنه لم ينهي سطوة الجماعات الدخيلة، ورفضت الميليشيات المسلحة الخروج من المدينة، ولم يرجع النازحين من الأهالي الى مدنهم وقراهم، وإليكم أهم بنود الاتفاق:
أولا. وضع إدارة مشتركة بالتعاون بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان وإلغاء الترتيبات التي وضعت بعد عام 2017.
ثانيا. الترتيبات الأمنية: تتلخص بتوكل مهمة الأمن في المدينة للشرطة الاتحادية، بأشراف مباشر من الحكومة المركزية بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان، وكذلك يتضمن تعيين(2500)شاب بينهم (1500)إيزيدي و(1000)من نازحي القضاء في المخيمات ضمن القوات الامنية، والتي ستكون حصراً من الشرطة المحلية وجهاز الأمن الوطني وجهاز المخابرات وأبناء سنجار، الأمر الذي سيثير حفيظة حزب العمال الكردستاني.
ثالثا. ملف الخدمات: وذلك بتشكيل لجنة مشتركة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم ومحافظة نينوى، بتعاون جميع الأطراف لإعادة إعمار المدينة التي تضررت بنسبة (80%) بسبب احتلالها من قبل تنظيم الدولة، كما تضمنت الخطة إعادة توزيع الواجبات، والمسؤوليات لتحقيق الأمن والاستقرار، وتهيئة البيئة والمناخ الملائم لعودة النازحين كافة إلى مناطقهم داخل البلدة.

