الدكتور فارس الخطاب
كاتب سياسي ومحلل استراتيجي

مدد الرئيس الأمريكي جو بايدن حالة الطوارئ الوطنية حول العراق عاماً جديداً في إجراء بات شبه تقليدي لكل الرؤوساء الأمريكيين منذ عام ٢٠٠٤م وحتى الآن؛ أي منذ احتلال هذا البلد عام ٢٠٠٣م بزعم إنشاء منظومة حكم تعتمد الديمقراطية في حكم العراق وتؤسس لبناء نظام مؤسساتي يعتمد الخبرات والمهنية لكل قطاعات العمل السياسية والإقتصادية والتعليمية وسواها بالإضافة إلى إنشاء منظومة عسكرية وأمنية تضبط الأمن وضمن إستمراره!.

ما يلفت الإنتباه لتمديد هذا العام (٢٢/٠٥/٢٠٢٢-٢٢/٠٥/٢٠٢٣) هو مسوغاته؛ ففي نص الرسالة التي بعثها بايدن إلى رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، ونائبته التي ترأس مجلس الشيوخ كامالا هاريس؛ قال الرئيس الأميركي: “إن العقبات التي تعترض إعادة الإعمار المنظم للعراق، واستعادة السلام والأمن في البلاد والحفاظ عليهما، وتطوير المؤسسات السياسية والاقتصادية هناك لا تزال تشكل تهديدا غير مألوف وغير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة”!.

إن ما يهمنا، وبالتأكيد يهم كل مراكز الاستراتيجية للدراسات والتحليل، هذا الإعتراف الرئاسي الأمريكي الخطير بفشل المشروع الأمريكي في العراق بدءاً من احتلاله عام ٢٠٠٣م وحتى تاريخنا الحالي؛ أي أن واشنطن التي غزت العراق واعدةً العالم بشكل عام والشرق الأوسط بشكل خاص بعراقٍ ديمقراطي مستقرٍ ذي مؤسسات سياسية واقتصادية رصينة، وأنه سيمثل مصدر إشعاعٍ وإلهامٍ لدول المنطقة من أجل التغيير نحو النموذج العراقي وبالتالي النموذج الأمريكي، تجد نفسها اليوم في وضعٍ ينفي وجود أية مؤشرات عن وجود نظام دولةٍ في العراق.

ورغم ضبابية قرارات الرئاسات الأمريكية منذ عام ٢٠٠٤م وحتى الآن بحالة الطوارئ المتعلقة بالمخاطر القادمة من العراق على الأمن القومي للولايات المتحدة إلا أن التمديد الأخير أفرز ملاحظات بالغة الخطورة لا يجب أن تمر مر الكرام بإية حال من الأحوال، إضافة إلى الأسئلة التقليدية التي تبرز في كل عام ومع كل تمديد لهذه الحالة والتي تدور أبرزها حول ماهية التهديدات القادمة من العراق والتي تستوجب أن تُدخل واشنطن في حالة طوارئ وطنية، ثم ما جدوى هذا الوضع الذي لم ينجح في التخلص من هذه التهديدات رغم مرور ١٩ عاماً وصولاً إلى دور الحكومات العراقية المتعاقبة في التعامل مع هذه التهديدات؟!.

الملاحظات التي أفرزتها مسوغات الرئيس الأمريكي بايدن تركز على الإعترافات بأن “لا يوجد إعمار” في العراق بشكل مطلق منذ احتلاله وحتى اليوم؛ وهذه مسألةُ تقود إلى مساءلة الحكومات العراقية عن مئات المليارات التي إدعت حكومات المحتل الأمريكي بإنها صرفتها من أجل الإعمار، وهذا الملف تحديداً ربما يعلمه الشعب العراقي تماماً، وقد خرج منتفضاً ومتظاهراً طيلة السنوات الماضية مطالباً باجتثاث الفساد وإعادة إعمار البنى التحتية المتهالكة، لكن لا حياة لمن تنادي سواء على مستوى هذه الحكومات أم على مستوى اللقاءات الأمريكية مع رؤوساء الوزارات العراقية الذين زاروا واشنطن والتقوا برؤسائها.
والملاحظة الثانية على رسالة بايدن إلى بيلوسي وهاريس هي “عدم وجود أمن لا آني ولا مستمر” فيما تعلم واشنطن أنها هي من دمرت الجهاز الأمني العراقي بكل تفاصيله ومسمياته بقرارات أصدرها الحاكم المدني للعراق أبان احتلاله بول بريمر، ثم أصحبت – واشنطن- هي من تتولى تحديد ضوابط القبول والإنتساب للجيش العراقي الجديد وبقية القوى الأمنية الأخرى ، والتي حرصت أن تكون من وحي التقسيمات الطائفية والعرقية، وتركت عمليات تلغيم هذه القوى بمليشيات أنشأت قبل احتلال العراق في إيران ، وبالتالي أصبحت هذه التشكيلات جزءاً من المشكلة الأمنية لا حلاً لها.

أما الملاحظة الأخرى، وهي من أغرب الملاحظات أو قل الاعترافات، هي نفي الرئيس جو بايدن وجود مؤسسات سياسية واقتصادية في العراق، وهي مسألة غريبة وخطيرة تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الأولى عنه؛ فمن يهدم البناء المؤسسي لدولة ما بغية تأسيس نظام مـؤسسي ناجع ثم يترك هذا البلد بدون هذه المؤسسات يجب أن يحاسب قانونياً مهما إمتد الزمن ؛ لأن القائم بهذا العمل، وهي الولايات المتحدة هنا، كان يقصد تخطيطاً وتنفيذاً إلغاء مفهوم الدولة في العراق ، وقد نجح فعلاً ؛ إذ حوّل العراق من دولة ذات مؤسسات ضابطة لإيقاع العمل والقانون والحياة الاقتصادية والسياسية إلى دويلة مليشيات وقوى غير نزيهة جاءت مع قوى الاحتلال الأمريكي ثم الاحتلال الإيراني، وقام الجانب الأمريكي فقط بتغطيتها بغطاء تسويقي اسمه “الديمقراطية” ركيزتها الوحيدة إجراء انتخابات مزورة ومُقاطعة من قبل الشعب العراقي.

ولكي يؤكد الرئيس الأمريكي خطورة الوضع العراقي، ختم طلبه تمديد حالة الطوارئ الوطنية بالقول ” إن الوضع في العراق يشكل تهديدا غير مألوف وغير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة”.! والسؤال الذي يثار هنا، هل فعلاً أن الوضع العراقي يشكل تهديداً “غير مألوف” و ” غير عادي” للولايات المتحدة؟ أم أن واشنطن أفاقت الآن على عراقٍ منخرطٍ تماماً في الفلك الإيراني المسيطر على عمليته السياسية ومقدراته الاقتصادية والأمنية والتعبوية العسكرية ، أو أن لدى واشنطن معلوماتٍ عن أنشطةٍ سياسية وطنية بلغت مستويات شعبية مقلقة قد تكون قادرة على تحريك الشارع العراقي نحو إسقاط العملية السياسية وبالتالي إنهاء المشروع الأمريكي-الإسرائيلي بجعل العراق بلا دولة ولا مؤسسات وبشعبٍ غير معني بأمور بلاده ولا أمته ، وقد يكون أيضاً بسبب دخول القادة المتنفذين لمكونٍ رئيسي مهم في العراق اليوم تحت العباءة الإيرانية فيما كانوا يتقاطعون معها قبل احتلال العراق بشكل كامل بل ويحاربون مشروعها المسمى “تصدير الثورة”.

إن واقع الحال في العراق يؤكد توجه هذا البلد نحو المجهول، لكن تبقى الآمال معقودة على وعي الشباب العراقي الحاد في تفاصيل مجريات الأمور في بلادهم، كما هي الآمال معقودة أيضا بقوى سياسية لم تتراجع أبداً عن نهجها وشعاراتها الرافضة لكل أنواع وصيغ الاحتلال أمريكياً كان أم إيرانيا.


مقال خاص براسام