الباحث : حسين صالح السبعاوي

إن الصراع الفلسطيني- الصهيوني هو ليس صراع سياسي فحسب بل هو صراع بين الحق والباطل، وصراع بين أصحاب الأرض والمقدسات وبين المحتل الغاصب، وبين الإيمان والكفر فلا مكان للحيادية في هذا الصراع ولا يسمح بوجود مناطق رمادية يختفي بها المنافقون فلا بد أن يكون لكل عربي ومسلم موقف واضح وصريح من هذا الصراع وإن السكوت على ما يجري في فلسطين هو انحياز مبطنٌ للصهاينة .
لقد سبق معركة سيف القدس الجارية الآن أحداث وانتهاكات من قبل الصهاينة ضد المسجد الأقصى ومنع المسلمين من الذهاب للصلاة فيه ومنعهم من القيام والاعتكاف خصوصا وهم في شهر رمضان المبارك إضافة لتدنيس المسجد الأقصى من قبل المتطرفين اليهود وبدعم من قواتهم الأمنية ومن جهة أخرى كانت هناك حملات لتهجير سكان حي الشيخ جراح في القدس الشريف لإحداث تغيير ديمغرافي في العاصمة القدس، كانت هذه الأحداث سببا في انطلاق معركة سيف القدس بين الصهاينة والمقاومة الفلسطينية إلى جانب انطلاق احتجاجات في عموم المدن الفلسطينية سرعان ما تحولت الى مواجهات مع قوات الأمن الصهيونية. من جانبها أثبتت المقاومة قوتها وصلابتها في هذه المعركة وإن المتابع للصراع الصهيوني الفلسطيني يجد أن هذه المعركة فعلا مختلفة تماما عن بقية المعارك التي سبقتها من حيث الأداء والتجهيز.
ويمكن إيجاز أهم النقاط التي ميزت هذه المعركة عما سبقها بما يلي :
1- مشاركة كافة أطياف الشعب الفلسطيني في هذه المعركة سواء فلسطيني الداخل المحتل أو في غزة المقاومة وفي الضفة، بحيث أشعلت الداخل الإسرائيلي واربكته حتى استدعى قوات الاحتياط والجيش لمساندة الشرطة في مناطق الداخل لشدة الانتفاضة وقوتها .
2- استهداف كافة المدن الإسرائيلية المحتلة بالصواريخ بما فيها تل أبيب (التي هي أصلا تل الربيع) والخضيرة وحيفا وبقية المدن والمستوطنات الصهيونية بحيث شملت المعركة كافة المدن الإسرائيلية المحتلة على خلاف المعارك السابقة .
3- تطوير الأسلحة الصاروخية وإشراك أسلحة جديدة ونوعية في المعركة مثل صاروخ عياش الذي يصل مداه إلى 250 كم وصاروخ Q20 الذي يصل مداه إلى 160 كم وصاروخ القاسم الذي يصل مداه 150 كم إضافة إلى إدخال سلاح الطائرات بدون طيار وإشراكها في المعركة سواء الطائرات الهجومية أو طائرات الاستطلاع التي طورتها بعد معركة العصف المأكول في 2014 مثل طائرة شهاب التي هي نوع مطور من طائرة أبابيل- 1بدون طيار .
4- فشل أي محاولة للهجوم البري على قطاع غزة رغم مرور أسبوع على المعركة، لأن القيادة العسكرية الصهيونية تدرك بأن أي محاولة للهجوم البري ستكون خسائره فادحة ولن تستطيع القوة المهاجمة تحقيق أي هدف .
5- الحرب النفسية حاضرة بقوة، فقد امتازت هذه المعركة بالحرب الإعلامية والنفسية بحيث أن القائد العسكري الفلسطيني محمد الضيف هو من يحدد ساعات رفع حظر التجوال عن تل أبيب ! إضافة للتفوق الفلسطيني في الحرب الإعلامية على الصهاينة حتى اضطر رئيس الوزراء الصهيوني بقصف برج الجلاء الذي تتواجد في القنوات الإعلامية التي تنقل الأخبار وتوثقها من أرض المعركة، كذلك ليخفي جرائمه في قتل المدنيين واستهداف المستشفيات ودور العبادة .
ولو استعرضنا سير المعارك السابقة بين الصهاينة والمقاومة الفلسطينية سوف نجد أن هذا التطور الذي طرأ على المقاومة كان بجهد مضني داخلي رغم كل الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، كما سنجد أن هذه الطفرة النوعية للمقاومة أحدثت تطورا هائلا في الإعداد والتجهيز للمواجهة مع العدو.

أدناه نظرة سريعة ومختصرة على المعارك الثلاث التي دارت بينهما :
1- معركة الفرقان في 27 ديسمبر عام 2008 التي استمرت 22 يوما كانت الأسلحة التي استخدمتها المقاومة في المعركة هي صاروخ القسام قصير المدى وصاروخ غراد متوسط المدى بحيث كلاهما لا يصيب إلا المستوطنات والمدن المحيطة بقطاع غزة جنوب إسرائيل والتي لا تتجاوز أكثر من 25 كم مثل منطقة بئر السبع واسدود وكريات (واسمها الأصلي الخالصة) وقاعدة حتسريم الجوية كما استخدمت المقاومة قذائف الهاون في المعركة، بينما إسرائيل استخدمت كافة أنواع الأسلحة البرية والبحرية والجوية حتى استخدمت الأسلحة الفسفورية كما ذكرت منظمة هيومن رايتس وتش في تقريرها عن الحرب والتي اتهمت فيه إسرائيل باستخدام أسلحة محرمة دوليا، كما استطاعت إسرائيل من التوغل بقواتها البرية إلى قطاع غزة لكنها واجهت مقاومة صلبة ، كان من الأهداف التي اعلن عنها رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك هو القضاء على سلاح المقاومة وإنهاء إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل .
2- معركة حجارة سجيل في 14 نوفمبر 2012 ودامت المعركة 8 أيام استخدمت فيها نفس الأسلحة والصواريخ السابقة إضافة إلى صاروخ فجر 5-استهدفت المقاومة في هذه المعركة مناطق ريشون وليتسيون وبئر السبع وعسقلان، ولم يستطع العدو الصهيوني من تدمير سلاح المقاومة ومنع إطلاق الصواريخ كما ادعى في 2008 بل طورت المقاومة سلاحها واستطاعت أن تستهدف مناطق أخرى جديدة، وبلغ مجموع ما أطلق من صواريخ 1450 صاروخا مما اجبر العدو الصهيوني على قبول وقف إطلاق النار بدون شروط مسبقة على المقاومة .
3- معركة العصف المأكول في 8 يوليو 2014 استطاعت المقاومة أن تدخل أسلحة جديدة لها في هذه المعركة إضافة إلى الأسلحة السابقة ومن أهم هذه الأسلحة: صاروخ آر 160 الذي يصل مداه إلى 160 كم حيث استهدفت به ميناء حيفا، وصاروخ إم 302 الذي يصل مداه إلى 150 كم الذي استهدفت به مدينة الخضيرة واعتبرت إسرائيل أن هذه الصواريخ من الممكن أن تصل إلى القدس ، كما أدخلت المقاومة ولأول مرة سلاح الطائرات بدون طيار الذي يطلق عليها أبابيل-1. وقد بلع مجموع ما أطلق من صواريخ بلغ 4560 صاروخا، وهذا تطور آخر سواء في عدد الصواريخ المطلقة أو في مديات الصواريخ المطلقة على المدن الإسرائيلية بحيث استهدفت مدينة الخضيرة التي تبعد 160 كم عن غزة ولم يستطع العدو الصهيوني من تحقيق أهدافه التي أعلن عنها سابقا وفي كل معركة يخوضها وهي تدمير سلاح المقاومة ومنع إطلاق الصواريخ عليه من قطاع غزة .
أمام هذا الاستعراض الموجز عن المعارك التي خاضتها المقاومة ضد العدو الصهيوني والذي يثبت أن المقاومة في تطور مستمر وهي تحمل مشروع التحرير من الاحتلال وتكبيد العدو أكبر الخسائر ومنعه من التمدد في قطاع غزة وكذلك حماية فلسطيني الداخل المحتل، بمعنى هي ليست مشروعا محصورا بغزة وحمايتها فقط من العدو الصهيوني، بل هو مشروع لتحرير كامل فلسطين وتحرير الأقصى من براثن اليهود.
ومن الجدير بالذكر أن المقاومة الفلسطينية هي مقاومة عربية إسلامية خالصة وليس لإيران أي فضل عليها كما يشيع اعلامها سيما، أن هذه المعركة الأخيرة لم تستطع إيران ركوب موجتها كما اعتادت عليه سابقاً بأنها الداعم الأول للمقاومة الفلسطينية وهدفها تحرير القدس الشريف كما تدعي لأن قطاع غزة محاصر منذ سنوات وجميع أنفاق التهريب في غزة قد دمرت فمن أين تستطيع إيران إدخال الأسلحة إلى قطاع غزة!؟
ولو كانت إيران صادقة في دعم المقاومة لأمرت حزب الله اللبناني التابع لها بفتح جبهة جديدة مع الصهاينة واشغالهم بها وهم أقرب إلى العدو وعلى خط التماس لكن لم تفعلها إيران ولن تفعلها وإن أي نصر للمقاومة الفلسطينية لهو يزعج إيران كما يزعج الصهاينة، وقد أعلنت القناة-١٢ العبرية أن ما يطلق من صواريخ لم تصل من إيران ولا من سيناء ولا من السودان بل صنعته المقاومة في غزة بنفسها، هذه هي الحقيقة التي لا تريد إيران ولا حلفاؤها معرفتها، ولا ننسى القول بأنه في حرب 1973 بين مصر والكيان الصهيوني عندما قامت الدول العربية بإيقاف تصدير النفط كان الكيان يحصل على النفط من إيران، كذلك عندما خاض العراق الحرب مع إيران سنة 1980 كانت ايران تحصل على الأسلحة من الكيان الصهيوني، وفضيحة ايران – غيت أو إيران – كونترا خير شاهد على ما نقول .
من هنا أريد أن أقول أنه على جميع الدول العربية والإسلامية أن تدعم المقاومة الفلسطينية ولا تترك إيران تزايد عليهم بشعاراتها الكاذبة، وأن الشعوب العربية أصبحت على وعي تام بأن شعارات إيران في دعم المقاومة ومعاداتها لإسرائيل ما هي إلا كذبة لكنها استغلت غياب الدعم العربي للمقاومة لتملئ الدنيا بالصراخ والعويل حول القضية الفلسطينية، بينما هي – لا سامح الله – لو تمكنت من دخول فلسطين لفعلت فيها ما فعلته في العراق وسوريا واليمن ولدمرت المسجد الأقصى كما دمرت المساجد في الدول التي دخلتها ولقتلت ما تبقى من الشعب الفلسطيني خدمة لها وللمشروع الصهيوني الذي تشترك معه في هدف استراتيجي وهو بغض العرب والمسلمين .
( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)
( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى )

مقال خاص براسام