شاهو القره داغي

عرفت الحكومة العراقية انها خرجت منتصرة من الحرب الإيرانية – العراقية بعدما وصف المرشد الإيراني حينها (الخميني) قبوله بقرار إنهاء الحرب بـ”تجرع كأس السم”، وكان النظام العراقي مسيطراً داخلياً أيضاً ولم يكن العراق يعاني من مشاكل داخلية وتمرد عسكري مثل الفترات السابقة، وعلى الرغم من هذا الهدوء إلا أن الانفاق العسكري للعراق كان مستمراً مما أظهر بوضوح نية العراق القيام بهجوم خارجي.
بدأت التجهيزات لدخول على الكويت منذ شهر يوليو/تموز عام 1990 بعدما تصاعدت لغة الخطاب الرسمي العراقي عقب التصريحات الكويتية، فتم توزيع الوحدات العسكرية في المناطق الحدودية مع الكويت، وفي الثاني من أغسطس/آب 1990 بدأت القوات العراقية بدخول الكويت وخلال خمسة ساعات تمكنت القوات العراقية من الوصول إلى العاصمة الكويتية وإحكام السيطرة على كامل مناطق الكويت وتم فرض واقع جديد على المنطقة والعالم عن طريق تنصيب حكومة مؤقتة والاعلان عن ضم الكويت إلى العراق.
فشلت الدول العربية في معالجة هذه الازمة التي عصفت بالعالم العربي، وهذا الفشل مهد لتدويل القضية عن طريق إصدار مجلس الامن القرار 660/ 1990 والذي أقر بوجود خرق للسلم والأمن الدوليين فيما يتعلق بالهجوم العراقي على الكويت، حيث أدان مجلس الامن العملية العراقية وطالبت بانسحاب فوري للعراق من الكويت والتلويح باتخاذ إجراءات أخرى لضمان امتثال العراق لهذا القرار.
ونتيجة لعدم رضوخ العراق للمطالب الدولية بالانسحاب من الكويت، بدأت العقوبات الاقتصادية على العراق وانتهت بحملة عسكرية عن طريق تحالف دولي نجح في إخراج العراق من الكويت وإضعاف الحكومة المركزية في بغداد.
وبعد أيام قليلة من وقف إطلاق النار في 28 من فبراير/ شباط من العام 1991 وبعد إخراج آخر جندي عراقي من الكويت وتراجع الموقف العراقي على المستوى الإقليمي والدولي، استغلت الحركة الكُردية ضعف الحكومة العراقية وقامت بـ (انتفاضة) شعبية واسعة في المدن الكُردية، حيث بدأت الانتفاضة الشعبية في الخامس من مارس /اذار 1991 انطلاقاً من مدينة رانيه والتي تسمى بـ (مهد الانتفاضة) لتشمل لاحقاً اغلب المدن الكُردية وانتشرت بصورة سريعة ونجحت الحركة في السيطرة الكاملة مدن كردستان العراق والتمهيد لتشكيل حكومة مؤقتة لإدارة المنطقة في 20 مارس/اذار 1991 .
ولأول مرة منذ تاريخ الانتفاضات الكُردية نجح الكُرد في السيطرة على مدينة كركوك عن طريق هجوم من محوري السليمانية وأربيل، وشكلت هذه الخطوة ضربة قاسية للحكومة العراقية ودافعاً لأن تبادر إلى إجراء المفاوضات مجدداً مع الطرف الكُردي ومحاولة الاتصال بالقيادات الكُردية للوصول الى تفاهمات جديدة بعد القطيعة التي دامت لسنوات.
يتحدث الكاتب الكُردي كامران قره داغي عن كواليس هذه المرحلة عندما قام برزان التكريتي الأخ غير الشقيق لصدام حسين والذي كان يشغل منصب ممثل العراق لدى الأمم المتحدة في جنيف، قام بالتواصل مع اطراف كُردية لفتح باب للحوار بين الطرفين، ولكن لم يكتب للمفاوضات النجاح بسبب شعور الحكومة العراقية بالتسويف والمماطلة من قبل الجانب الكُردي، وهذا الأمر دفع بغداد إلى شن هجوم عسكري على كركوك في نهاية مارس/اذار 1991 وتم سحق (الانتفاضة الكُردية) بحملة عسكرية برية وجوية شملت المدن المسيطر عليها ما أدى إلى فرار مئات الالاف من الكُرد إلى الحدود الشمالية والشرقية مع تركيا وإيران، وهناك تقديرات بفقدان المئات من المواطنين لحياتهم في مسيرة الهروب، خصوصا بسبب الوقوع في حقول الألغام وعدم تحمل درجات الحرارة المنخفضة في المناطق الحدودية، مما لعب دورا بارزاً في إثارة القضية الكُردية على المستوى العالمي ودفع القوى الكبرى للتفكير في طريقة مناسبة للتدخل.
على الرغم من عدم اكتراث القوى الكبرى في البداية بما حصل في كُردستان العراق وهروب الآلاف من العوائل من مناطقهم، إلا ان الضغوطات الإعلامية والمطالب السياسية لبعض الدول أدى في النهاية إلى إصدار القرار 688 في الخامس من نيسان/ابريل من قبل مجلس الامن بناء على طلب فرنسي، والذي جاء فيه (إن مجلس الامن يدين القمع الذي يتعرض له السكان المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق والذي شمل مؤخرا المناطق السكانية الكُردية، وتهدد نتائجه السلم والأمن الدوليين في المنطقة، ويطالب بأن يقوم العراق على الفور بإزالة الخطر الذي يهدد السلم والأمن الدوليين ووقف هذا القمع ومطالبة العراق بالسماح بوصول المنظمات الإنسانية الدولية على الفور إلى جميع من يحتاجون المساعدات في جميع انحاء العراق ).
بعد ذلك – وفي سبيل طمأنة المواطنين واقناعهم بالعودة إلى مناطقهم – قامت فرنسا وبريطانيا و أمريكا بإنشاء (منطقة آمنة) في كردستان العراق في الفترة من 17 -23 نيسان/أبريل 1991 عرضها 15 كيلومتر على الحدود مع تركيا، وفي وادي نهر دجلة لمسافة 40 كيلومترا وطول 60 كيلومترا على الحدود بمساحة قدرها 2400 كم2 ،كما فرضت حظرت جويت عراقيت عليها عند خط عرض 36 شمالا، وأكدت واشنطن أن هذه المنطقة مؤقتة تنتهي بمجرد عودة اللاجئين وتولي الأمم المتحدة مسؤولية معسكراتهم. لكن بغداد رأت في ذلك إعلانا جديدا للحرب عليها، وعملت من خلال مجلس الأمن إلى اعتبار ذلك خروجا على القانون الدولي، إلا أن واشنطن رفضت اعتراضات العراق.
هذه القرارات الدولية أخرجت المشكلة الكُردية مجدداً من الدائرة المحلية والإقليمية إلى الدائرة الدولية، وبخصوص هذا الامر يقول الراحل (جلال طالباني): “برأيي إن ما حصل للكُرد في تلك الفترة كان مهما من الناحية الاستراتيجية ، حيث أن التعاطف الدولي للكُرد وفرض حظر الطيران حصل بسبب عمليات النزوح الجماعي التي وقع حينها”.

تشكيل حكومة كردستان العراق
أدى انسحاب القوات العراقية من المناطق الكُردية إلى احداث فراغ اداري وأمني ما دفع بالقادة الكُرد إلى التفكير في التوجه سريعاً نحو بناء المؤسسات والسلطات الرسمية والذهاب إلى الانتخابات ، حيث أجريت أولى الانتخابات في 19 أيار/مايو عام 1992 وتم تشكيل أول حكومة كُردية بعد الظروف الصعبة التي مرت بالمنطقة، وفي الرابع من تشرين الأول من نفس العام اتخذ البرلمان المُنتخب قراراً مهما باختيار الفيدرالية كأساس للعلاقات بين المنطقة والسلطة المركزية في بغداد على أساس الاتحاد الفيدرالي ضمن عراق ديمقراطي برلماني بدل الحكم الذاتي.
قانون الانتخابات كان ينص على شرط الحصول على 7% فاكثر من أصوات الناخبين كي يتمكن الحزب من نيل المقاعد البرلمانية، وبسبب هذا الشرط اقتصر نيل المقاعد البرلمانية على قائمة (الديمقراطي الكردستاني) و (الاتحاد الوطني الكردستاني) وحصل كل منهما على 50 مقعد من مجموع 105 مقعد، مع إعطاء 4 مقاعد للحركة الديمقراطية الاشورية و مقعد واحد لقائمة اتحاد مسيحيي كُردستان.
تحديد نسبة 7% كشرط لدخول البرلمان وتقسيم المناصب بين الحزبين الحاكمين بصورة متساوية أدى إلى نشوء عدة مشاكل، منها :
أولا: ترسيخ ثقافة رفض الاخر.
ثانيا: مهدت لتدخل الحزب في الحكومة.
ثالثا: ابعاد الأحزاب الصغيرة وعدم اشراكهم في صناعة القرار السياسي.
رابعا: اندلاع الحرب الأهلية.
خامساً: ساهم في تسهيل الفساد المنظم عن طريق استغلال كل حزب لنفوذه داخل الحكومة لتحقيق المصالح الحزبية.

الحرب الأهلية وتقسيم كُردستان إلى إدارتين
انسحاب القوات العراقية من المدن الكُردية وتراجع مستوى المخاطر كانت فرصة ذهبية لتأسيس نظام سياسي يضمن مشاركة الجميع قائم على الأسس الديمقراطية وفصل السلطات وتأسيس حكومة قوية قادرة على فرض القانون وتقوية المنطقة وبناء المؤسسات وتحقيق أحلام الشعب الكُردي الذي قدم الكثير من التضحيات في سبيل الوصول إلى أحلامه بعيداً عن ويلات الحروب والفساد والفوضى.
كانت هناك أصوات تُطالب ببناء منظومة سليمة لتحصين المنطقة مستقبلاً من المخاطر وتحقيق الوحدة الداخلية والقوة الموحدة بعد أحداث عام 1991، ومن هذه الأصوات القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني نوشيروان مصطفى الذي طلب الدعم من الملا عثمان عبدالعزيز زعيم الحركة الإسلامية لإقناع القيادات الحزبية الحاكمة في الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني للتركيز على ( تقوية البنية التحتية الاقتصادية و إنهاء الفروقات بين الأغنياء والفقراء ومحاربة الطبقية وتقديم التعويض المناسب لعوائل الضحايا، إضافة إلى رفع مستوى الجامعات والمعاهد وتوحيد قوات البيشمركة وجعله قوة احترافية للدفاع عن حدود كُردستان)، ومن الواضح أن هذه المطالب لو تحققت بصورة كاملة ولو تدريجيا لجنبت المنطقة ويلات الحروب والصراعات وقدمت تجربتها الديمقراطية إلى الامام .
ولكن وبسبب الأخطاء التي رافقت عملية التأسيس للنظام السياسي الجديد وغياب الحس الوطني وانقسام القوات المسلحة (البيشمركة) وتغليب المصالح الحزبية على المصالح الحكومية، فشل الحزبان في تحقيق أحلام المواطنين والاستفادة من هذه الفرصة التاريخية، ويعقب نوشيروان مصطفى على وقوع هذه الأخطاء قائلاً: ” إن قيادات الحزبين الحاكمين لم يهتموا بتحقيق وتنفيذ الأولويات، بل ركزوا على تسخير جميع الإمكانيات والقدرات الاقتصادية والتجارية والدبلوماسية والقانونية على مستوى كردستان والعراق والعالم لتقوية سلطاتهم الحزبية و ترسيخ نفوذهم إلى ما لا نهاية”.
تفاقمت المشاكل مجدداً الحزبية بين الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني حتى وصل الأمر إلى اندلاع الحرب الأهلية في عام 1994 والتي استغرقت أربع سنوات وأدت إلى وقوع آلاف الضحايا و تقسيم كرستان إدارياً وإضعاف كيانه بصورة كبيرة، إضافة إلى هروب الآلاف من الشباب إلى الخارج هرباً من الموت.
شهدت هذه المرحلة مناوشات مسلحة بين عدة أحزاب علمانية وإسلامية، ولكن الأخطر كانت الاشتباكات المسلحة العنيفة التي نشبت في عام 1994 حول تقاسم عائدات الجمارك والأراضي، وأدى الصراع الداخلي إلى وقوع شرخ كبير بين الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، ما دفع الأخير إلى ابرام صفقة مع الرئيس العراقي صدام حسين للحصول على دعمه واستقدام القوات العراقية إلى أربيل بهدف طرد الاتحاد الوطني الكردستاني بحجة تلقي الدعم الإيراني، وقد ألحقت هذه الحرب اضرارا كبيرة بكردستان على مستوى الأرواح البشرية وعلى المستوى المادي أيضا، وأثبتت عدم نضوج الأحزاب الكُردية وعجزها عن بلورة مشروع مشترك للنهوض بالمنطقة.
على الرغم من إجراء الانتخابات وتشكيل الحكومة الكُردية إلا أن العملية الديمقراطية كانت شكلية ولم تكن فعلية، والأحزاب المسيطرة على المنطقة لم تصل بعد إلى مستوى النضوج السياسي – كما قلنا – لتعزيز المؤسسات وتقوية الحكومة على حساب مصالحها الحزبية الضيقة، وكانت هناك عدة عوامل رئيسية وراء فشل هذه التجربة كانتشار الولاءات البدائية للعائلات والعشائر والقبائل وخاصة لدى القيادات الحزبية المسلحة وغياب الولاء القومي الوطني الذي كان يشترك فيه الجميع في كردستان، حيث فشل كلا الحزبين في الانتقال من قيادة الحرب القبلية إلى الحنكة السياسية الحقيقية والعقلية الاستراتيجية التي تُركز على بناء المستقبل بدل التركيز على المصالح الآنية السريعة التي تتبخر لاحقاً وتختفي.
إضافة إلى تعدد الولاءات، فإن انتشار وانفلات السلاح كان سبباً آخرا وراء سهولة اشتعال الحرب مجدداً، حيث أن الديمقراطية من الصعب أن تتحقق في ظل انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة والحكومة وتمسك كل حزب بقواته المسلحة ورفض تشكيل قوة موحدة لديها ولاء قومي وطني بعيداً عن الولاء والتأثير الحزبي .
بالتزامن مع استمرار المعارك على أرض الواقع، كان الخطاب الإعلامي يتصاعد أيضاً وكان خطاب التخوين سائداً، حيث اعتبر كل طرف أن الآخر عميل للخارج مما صعّب من وصول الطرفين إلى تفاهمات مشتركة، وأدى ذلك إلى دخول الولايات المتحدة الامريكية على الخط ودعوة (مسعود البارزاني) و (جلال طالباني) إلى واشنطن لغرض تحقيق المصالحة ووقف الحرب، وقد توصل الطرفان إلى عقد (اتفاقية واشنطن) في 17 أيلول/سبتمبر 1998 بغرض تحقيق المصالحة والسلام، وقد تضمنت الاتفاقية البنود التالية:
-إدانة الاقتتال في كردستان والحيلولة دون عودته من جديد.
-إقامة حكومة موحدة على أساس نتائج الانتخابات لعام 1992
– توحيد الإدارتين مع بعضهما وإجراء انتخابات جديدة.
– استرجاع الإيرادات الجمركية إلى خزينة الحكومة الموحدة.
ومع اجراء الاتفاق وعودة الهدوء الى المناطق الكُردية، انقسمت المنطقة بصورة فعلية إلى ادارتين كرديتين، إحداهما في السليمانية بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، والأخرى في أربيل ودهوك بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وأصبح كل طرف يحتفظ بقواته المسلحة ويعزز نفوذه وإمكانياته في حدود مناطق سيطرته دون أن يبادر أي طرف لإجراء مصالحة حقيقية وإعادة توحيد المنطقة وإنهاء مظاهر الحرب و الانقسامات الحزبية التي أثرت سلبياً على كردستان.

أسباب الحرب الأهلية الكُردية
يعود جذور الخلافات الكُردية الداخلية إلى الستينات من القرن الماضي -كما ذكرنا في الحلقات السابقة -، حيث بقيت هذه الحساسيات موجودة داخل الأطراف الكُردية، إضافة إلى التدخلات الخارجية التي ساهمت في زيادة هذه الخلافات الداخلية وتطورها لاحقاً إلى صدامات عسكرية عنيفة أدت إلى سقوط آلاف الضحايا ونزوح عشرات الالاف من العوائل من مناطقهم.
منذ الحرب العالمية الثانية لقي أكثر من 16.5 مليون شخص مصرعهم ونزح مئات الالاف نتيجة للحروب الاهلية على مستوى العالم، وقد أكد الباحثان بول كوليير و أنك هوفلر في ورقتهم “الجشع والتظلم في الحرب الاهلية” بأن الجشع هو الدافع الأساسي للحرب الاهلية بعدما درسوا 79 صراعاً اهليا، وهناك من يرى أن الحرب الأهلية الكُردية التي استمرت من 1994 الى 1998 لم تكن بسبب المظالم الأيديولوجية أو مشاكل الهوية بل بسبب التنافس على المصالح المالية والجشع، حيث أن العراق ونتيجة للعقوبات الدولية لم يكن قادرا على تصدير النفط عبر خطوط الأنابيب الدولية، وبدلاً من ذلك لجأت الحكومة العراقية إلى إرسال نفطها بالناقلات عبر معبر إبراهيم خليل الحدودي مع تركيا، ونظرا لأن المعبر الحدودي كان تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني فإنه كان يجني ما يقارب 150 ألف دولار يومياً كضرائب من هذا المعبر، ويبدو أن هذه الإيرادات كانت سبباً في اندلاع الحرب الأهلية مجدداً، بدليل أن الأطراف التي توسطت لإنهاء الحرب الأهلية ركزوا على وضع مسألة التحصيل الجمركي كنقطة مهمة في مقترحاتهم للحل ، مثل اتفاقية باريس 1994، واتفاقية دبلن 1995 واتفاقية انقرة 1996، واتفاقيات واشنطن للسلام في 1998 .
بعد عام 1998 أصبحت كردستان تُحكم من قبل إدارتين، إدارة خضراء في السليمانية بقيادة (جلال طالباني) وحزبه الاتحاد الوطني الكردستاني، و إدارة صفراء بقيادة (مسعود البارزاني) وحزبه الديمقراطي الكردستاني، ويظهر بوضوح أن الحركة الكُردية لم تستغل أو تستفد من الفرصة الذهبية التي كانت سانحة لبناء المنطقة وإثبات القدرة الكُردية على الإدارة والحكم بعد ما يُقارب القرن من الحروب والصراعات مع الحكومة العراقية.
التطورات التي كانت تشهدها الساحة العراقية وضبابية موقف الحكومة العراقية و بروز التيار الإسلامي في كردستان العراق كانت من ابرز أسباب تقارب الحزبين الرئيسيين بصورة أكبر وتنحية الخلافات جانباً، حيث اتفق الطرفان على تسوية الخلافات بصورة نهائية في عام 2002 ، وفي نفس العام تم الاتفاق على وثيقة السلام والافراج عن المعتقلين وضمان حرية تنقل المواطنين و تطبيع العلاقات بصورة كاملة، وبعدها صادق البرلمان بالإجماع على هذا الاتفاق والذي عقد أولى جلساته بعد توقف استمر لست سنوات بسبب الخلافات القائمة بين الطرفين.
شهدت هذه المرحلة إنجازات كثيرة للحركة الكُردية منها تدويل القضية على المستوى العالمي والإدارة الذاتية للمناطق الكُردية وإجراء الانتخابات التشريعية وتشكيل أول برلمان كُردي، إلا ان المشاكل التي ظهرت لاحقاً والصراعات المسلحة والعقلية الحزبية عرقلت مسيرة التقدم والتنمية وتطوير المؤسسات وتعزيز الديمقراطية المنشودة، وساهمت في إضعاف الحس القومي بعد رؤية التجربة الكُردية التي لم تكن في مستوى طموح و أحلام المواطنين الذين كانوا يأملون بإدارة ناجحة ووحدة قومية تُنسيهم ويلات الحروب وتضمن مستقبل أجيالهم القادمة.

المصادر:
عمار عباس محمود، القضية الكردية إشكالية بناء الدولة ، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016
فايز عبدالله العساف، الأقليات وأثرها في استقرار الدولة القومية (أكراد العراق نموذجا) رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط ،2009
فالديمير فان فيلغنبورغ وماريو فومرتون ، تحدي توحيد قوات البيشمركة، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 2015
عمار عباس محمود، القضية الكردية إشكالية بناء الدولة ، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016 ، ص165
د. جەلال حەسەن مستەفا، هەرێمی کوردستان لە دوای ڕیفراندۆم: ره‌گوڕیشه‌ی شكسته‌كان، ناوه‌ندی كوردستان بۆ توێژینه‌وه‌ له‌ململانێ و قه‌یرانه‌كان
Michael M. Gunter, The KDP-PUK Conflict in Northern Iraq, Middle East Journal , Spring, 1996
Qaraman Ali, Civil War: The reasons behind the possibility of a return to civil war in the Kurdistan Region of Iraq, Kurdistan conflict and Crisis Research Center, 2018