يبدو بأننا وصلنا الى المرحلة الأصعب والأكثر تعقيداً في جميع الانتخابات البرلمانية التي جرت في العراق منذ احتلاله عام 2003 والى انتخابات أكتوبر عام 2021 وهي مرحلة تشكيل الحكومة، الأمر الذي يجعلنا أمام تفسيرات متعددة حول ماهية الكتلة الأكبر التي ستشكل الحكومة القادمة، رغم المشاركة المتدنية فيها والتي تجعل من شرعية هذه الحكومة غير مكتملة، علماً بأن قانون الانتخابات قد حسم الكتلة التي ستشكل الحكومة حسب قانون الانتخابات الجديد الذي أقر من قبل البرلمان العراقي قبل الأنتخابات الأخيرة مما يجعلنا أمام وضع سياسي مرتبك، خصوصاً بعد أن أظهرت النتائج الأولية للانتخابات تقدم كتل وأحزاب سياسية جديدة بينما تراجعت كتل وأحزاب سياسية تقليدية أخرى، الأمر الذي رفضته الكثير من القوى الخاسرة في هذه الانتخابات، والتي انضمت الى إطار سياسي جديد يطلق عليه “قوى الإطار التنسيقي”، وهي القوى التابعة لإيران والتي خسرت من نفوذها الكثير في هذه الانتخابات لصالح كتل وتوجهات سياسية أخرى من نفس المكون الطائفي، الأمر الذي دفعها الى الطعن بنتائج هذه الانتخابات وعدم الاعتراف بها، بل أنها طالبت بإلغاء هذه النتائج، وإعادة الانتخابات مرة أخرى، أو أعادة العد والفرز اليدوي الشامل لجميع المراكز الانتخابية، وتقديم رئيس وأعضاء مفوضية الانتخابات الى القضاء للمحاكمة على المخالفات القانونية التي ارتكبوها، بعد إن اتهموها بعدم المهنية والاستقلالية، وهذا يثر الاستغراب عن سبب صمتهم على هذه الأمور قبل أجراء الانتخابات، بل والقبول بها ثم انتقادها ورفضها!.

لم تكتفي القوى الرافضة لنتائج الأنتخابات بالخطوات أعلاه بل أنها زادت على ذلك وطلبت من منتسبي الحشد الشعبي التابع لها الألتحاق الى معسكراتهم، ودفعت بأتباعها الى الشارع للاعتصام، وهددت بأقتحام المنطقة الخضراء رفضاً لهذه النتائج التي أعتبروها مزورة كونها جاءت خارج حساباتهم السياسية، خصوصاً الأحزاب التي تمتلك ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة، والتي منيت بخسارة كبيرة في هذه الانتخابات التشريعية، مما جعلها تفقد توازنها وتلوح بأستخدام القوة كعادتها لفرض أرادتها السياسية بقوة السلاح، علماً بأن تعاني من تراجع نفوذها وشعبيتها في المناطق الجنوبية بعد ثورة تشرين عام2019، الأمر الذي أدى لتراجع حظوظها أيضاً في هذه الأنتخابات بشكل كبير، وقد ردت الحكومة بأغلاق المنطقة الخضراء، وقطعت بعض الطرق والجسور مثل “جسر الطابقين”، وقامت بإجراءات أمنية مشددة شملت نشر قوات أمنية بصورة كثيفة، مع إصدار تعليمات مشددة بعدم الأحتكاك والأصتطدام مع المعتصمين، مما يعني بأننا أمام خطوات تصعيدية خطيرة، علماً إن أغلب المعتصمين هم من منتسبي الحشد الشعبي، وهنا نسأل كيف لهذه القوات التي تعمل تحت أمرة القائد العام للقوات المسلحة أن تتدخل في الأمور السياسية لصالح ميليشيات طائفية تابعة لجهات خارجية؟.
إن الضغوطات السياسية والعسكرية التصعيدية التي تمارسها قوى الإطار التنسيقي على مفوضية الأنتخابات والكتل السياسية الأخرى الفائزة بالانتخابات كبيرة، كونها تأتي بسبب مخاوف يمكن إن تتعرض لها هذه القوى السياسية وميلشياتها المسلحة، خصوصاً أذا تفردت الكتلة الصدرية بتشكيل الحكومة بعد أن حصلت على (73)مقعد من أصل(329)، خصوصاً بعد إن ألقى الصدر كلمة متلفزة بعد أعلان النتائج الأولية تعهد فيها “بمحاربة الفساد ولو بالدماء أذا أقتضت الضرورة لذلك”، و”حصر السلاح بيد الدولة، ووضع حد للتدخلات الخارجية” وحذر من التدخل في تشكيل الحكومة وإنه “لا تقاسم للسلطة على حساب مصالح الشعب” و”رحب بالسفارات مالم تتدخل في الشأن العراقي وتشكيل الحكومة” وأنه “آن للشعب أن يعيش بسلام بلا أحتلال أو إرهاب” وقد فهمت الميليشيات بأن هذا الخطاب هو رسالة موجهة لها وفيها تهديد ووعيد واضح للميليشيات التي تعمل خارج إطار الدولة، مما دفعهم الى رفض نتائج الأنتخابات وتلويحهم بالتصعيد والتهديد بأقتحام المنطقة الخضراء، مما جعل الصدر يتراجع بعد ذلك بتأكيده على عدم تهديد السلم الأهلي، واللجوء الى الطرق القانونية والسلمية للأعتراض على نتائج الأنتخابات.
إن التهديدات التي أطلقتها قوى الإطار التنسيقي التي فقدت الكثير من المقاعد في هذه الأنتخابات البرلمانية تزامنت مع تقديم شكاوى وطعون قدمت الى مفوضية الأنتخابات للنظر فيها، حيث وصلت عدد الشكاوي الى أكثر من (1400)حالة، وقد شكلت المفوضية لجان قانونية وفنية للنظر في هذه الطعون، كما طالبوا بإعادة العد والفرز اليدوي لجميع مراكز الأنتخابات، الأمر الذي رفضته المحكمة الأتحادية، ومجلس القضاء الأعلى، وبعثة الأمم المتحدة “يونامي”، التي أتهموها بالوقوف والتواطؤ مع جهات محلية لتغير النتائج، علماً بأن إعادة العد والفرز اليدوي هو من صلاحيات المحكمة الاتحادية وليس من صلاحية مفوضية الأنتخابات، علماً بأنهم قدموا بعض الطعون الى المحكمة الاتحادية فيما يخص المخالفات القانونية التي ارتكبتها مفوضية الأنتخابات وقد تبين من خلال التدقيق الذي قامت به اللجان الفنية والقانونية بأن نتائج العد والفرز لبعض الصناديق جاءت مطابقة للنتائج المعلنة، وكان مجلس القضاء الأعلى قد قال بأن إعادة فرز الأصوات يدوياً سيقتصر على المراكز المطعون فيها فقط على أن تتوفر أدلة على ذلك، وفي تقديري بأن القوى الرافضة لنتائج الأنتخابات تحاول الحصول على الوقت اللازم للضغط على مفوضية الأنتخابات، وعلى الكتل الفائزة للحصول على بعض المقاعد، وتحسين حظوظها في مفاوضات تشكيل الحكومة.
إن التلويح بأستخدام القوة ورفض نتائج الأنتخابات تأتي لتحسين شروط التفاوض حول تشكيل الحكومة القادمة، خصوصاً بعد تأييد مجلس الأمن لنتائج الأنتخابات العراقية، والتي أشاد بنزاهتها قياساً بما سبقها من أنتخابات، وتغاضى عن النسبة الحقيقة حول المشاركة فيها بعد أن عزف الشعب العراقي بنسبة تصل الى أكثر من(80%)، لذا فهم يحالون التلويح بجر البلاد الى الفوضى وزعزعة الأمن الأستقرار بما يخدم أهداف ومصالح هذه الميليشيات في هذه المرحلة التي قد تكون مختلفة عما سبقها، لذا فهم يريدون الآن الضغط على مفوضية الأنتخابات للحصول على عدد أخر من المقاعد لترضيتهم والقبول بالنتائج النهائية التي ستعلنها مفوضية الأنتخابات، كما أنهم يحاولون الحصول على تعهدات بالمحافظة على نفوذهم ومكاسبهم وسطوتهم وهيمنتهم، وخاصة الحشد الشعبي الولائي في الفترة القادمة، على إن تكون لهم مشاركة فاعلة في تشكيل الحكومة والحصول على المكاسب التي تساعد على تثبيت نفوذهم، وهذا يستوجب تفاهمات محددة حول نقاط مهمة تريدها هذه القيادات ومن بعدها إيران، لضمان عدم المساس بمصالحهم والمحافظة عليها، علماً بأن قوى الإطار التنسيقي تضم كل من رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وهادي العامري رئيس تحالف الفتح، وعمار الحكيم رئيس تحالف قوى الدولة، وفالح الفياض رئيس حركة عطاء، وحيدر العبادي رئيس تحالف النصر، وهمام حمودي رئيس المجلس الأعلى، وتحالف العقد الوطني، وحزب الفضيلة، وحركة حقوق التابعة لميليشيا حزب الله العراق، وحركة صادقون التابعة لزعيم ميليشيا العصائب قيس الخزعلي.
إن الخيارات المطروحة لتشكيل الحكومة ليست كثيرة، وهي تشهد تعقيداً كبير فيما يخص الكتلة الأكبر التي ستشكل الحكومة، وهناك خطوط حمراء من قبل القوى المتصارعة على بعض الشخصيات المرشحة لذلك، تتمثل بعدم القبول بترشيح نوري المالكي، أو مصطفى الكاظمي، أو أي مرشح تابع للتيار الصدري لشغل المنصب، وهذا يعني بأن الكتلة الصدرية التي هي الأحق بتشكيل الحكومة ستكون غير قادرة على تشكيلها مع إن قانون الانتخابات قد حسم ذلك لصالحها، علماً بأن قوى الإطار التنسيقي تدعي بأنها هي من ستشكل الحكومة، وإن الكتلة الأكبر هي التي تشكل بعد الانتخابات، وهذا يجعلنا أمام جدل كبير لن يحسم بسهولة، لذا نقول بأن الخيارات المطروحة لتشكيل الحكومة صعبة ومعقدة مالم يتم الاتفاق على مرشح توافقي بين الكتلة الصدرية من جهة وبين دولة القانون والفتح من جهة أخرى لكي يتم تجاوز هذه المرحلة الصعبة، أو إن الكتلة الصدرية هي من ستشكل الحكومة ولكن بتعهدات واتفاقات مع قوى الإطار التنسيقي لن يتم تجاوزها من قبل الصدر وكتلته، بما فيها المحافظة على نفوذهم، أو أن تنفرد الكتلة الصدرية بتشكيل الحكومة وهذا ما ترفضه قوى الإطار التنسيقي مالم تكن هناك تعليمات إيرانية بقبول هذه الحلول، لأن رفضها يعني بأننا سنكون أمام خيار الفوضى، والتصعيد العسكري، وهذا يعني جر البلاد للحرب الأهلية، أو القبول بمطالب هذه الميليشيات كما حصل في الكثير من الملفات السابقة، بما فيها أجبار عدنان الزرفي على تقديم استقالته حول تشكيل الحكومة السابقة التي رشح أليها الكاظمي.
وفي الختام نقول: بأن جميع الخيارات مطروحة ومفتوحة في تشكيل الحكومة طالما بقي التدخل الخارجي سيد الموقف، ولكن الثابت عندي هو إنه الوضع العراقي سيقبى مرتبك سياسياً و اقتصادياً وأمنياً طالما بقيت مراكز القوى تحتفظ بسلاحها ونفوذها وتبعيتها للخارج، وتعمل خارج السيطرة الحكومية، وفوق القانون، مهما كانت الحكومة التي ستشكل، لذا لن يتغير شيء فيما يخص الانقسام الداخلي، والنفس الطائفي في إدارة الدولة، وستبقى هناك الكثير من الأسئلة التي تحتاج الى إجابات واضحة ومنها: هل ستضعف هذه الانتخابات النفوذ الإيراني المتمثل بالميليشيات الولائية؟، وهل ستقبل إيران بذلك؟، وهل يستطيع الصدر وضع حد للتدخلات الإيراني والأمريكية في القرار العراقي؟، وهذا ما أشك به تماماً!، وكيف سيكون مصير التواجد العسكري الأمريكي في العراق؟، وهل سيكون هناك تقاسم للسلطة حسب العملية السياسية التي جاء بها الاحتلال، وهل ستقبل القوى السياسية التي قاطعت الانتخابات بهذه الحكومة؟، أم أنها ستكون المنطلق لانتفاضة أخرى خصوصاً مع العزوف الكبير والغير مسبوق عن المشاركة في هذه الانتخابات، وهل سيبقى ملف الفساد خارج المسائلة القانونية؟، ولكي نجيب عن هذه الأسئلة نقول: سيبقى السلاح المنفلت في العراق هو الذي يحكم المعادلة السياسية كونه فوق الدستور والقانون!.