الباحث: حسين صالح السبعاوي
أعلن مقتدى الصدر في ٣٠ تموز “الثورة” على العملية السياسية في العراق مدعيا “الإصلاح” والقضاء على الفساد وتغيير شكل النظام الحالي، جاء ذلك بعدما أعلن الإطار التنسيقي في ٢٦ تموز عن كون محمد شياع السوداني مرشحهم لرئاسة الوزراء، فخرج أتباعه في مظاهرات اجتاحت المنطقة الخضراء وسيطروا على مبنى مجلس النواب دون أي مقاومة تذكر من قبل القوات الأمنية المكلفة بحماية المنطقة.
بدأت ردود الأفعال بين مؤيد ومعارض لحركة الصدر وإعلانه “الثورة”،
فبالنسبة للإطار التنسيقي اعتبر ما قام به الصدر هو انقلاب على الدولة ومؤسساته وعلى العملية السياسية، بينما اعتبر التيار الصدري والمقربين منه بأن هذه التظاهرات يراد بها الإصلاح وتصحيح العملية السياسية وتغيير شكل النظام الحالي والقضاء على الفساد وأن النظام الحالي قد فشل عن مواجهة الانسداد السياسي الحاصل في العراق.
ولكي نعرف حقيقة ما قام به مقتدى الصدر هل هي ثورة أم فوضى… لابد من معرفة المعنى الاصطلاحي للثورة وآلياتها وأهدافها.
الثورة : تعني تحرك شعبي ضد النظام القائم بمساندة القوات المسلحة في حراكه لإسقاط النظام الحاكم، وتكون الثورة ذات أهداف واضحة ومعلنة للشعب، كما يمكن أن تكون الثورة سلمية أو مسلحة.
أما الانقلاب فهو تحرك القوات المسلحة ضد النظام القائم والاستيلاء على السلطة بالقوة من دون تحرك شعبي.
والسؤال الذي يطرح نفسه : هل كان الهدف من تحرك الصدر اسقاط النظام من خلال “ثورته”؟ والجواب: لا نعتقد ذلك فالصدر لا يريد إسقاط النظام وما قام به لا يمكن أن يطلق عليه بالثورة.
إذاً ما الذي يريده الصدر من تحركه هذا؟
نعتقد أن الصدر أدرك خطأه عندما أعلن في ١٢ حزيران الماضي عن انسحابه من العملية السياسية وأمر نوابه البالغ عددهم ٧٣ نائبا بالاستقالة، لا سيما أن جماعة الإطار التنسيقي قد تعاملوا بانتهازية مع خطوة الصدر، فقاموا مباشرة بدعوة مجلس النواب للانعقاد رغم أن المجلس كان في فترة العطلة الفصلية، ومع ذلك انعقد المجلس وأدى البدلاء اليمين الدستوري عن المستقلين من نواب التيار كل هذا ليقطعوا الطريق على الصدر من التراجع عن قرار الانسحاب، ثم جاء الإعلان بعدها عن ترشيح السوداني لرئاسة الوزراء، هنا أدرك الصدر بأن الإطار ماضٍ في تشكيل الحكومة وأنه قد وقع في الفخ، فما كان منه إلا أن يقلب الطاولة على الجميع من خلال هذه الحركة ومن ثم الحصول على استحقاقه الانتخابي وتشكيل الحكومة مع التحالف الثلاثي الذي شكله وقطع الطريق على جماعة الإطار التنسيقي في المضي بتشكيل الحكومة، ولأنه معروف عن التيار الصدري بأنه ما لم يستطع الحصول عليه بالتفاوض أو من خلال البرلمان فإنه يحصل عليه من خلال الشارع والضغط على الخصوم، لا سيما أن مقتدى الصدر يمتلك تيارا شعبيا واسعا يطيعه طاعة عمياء، وفعلا قد نجح في الضغط على الإطار مما جعله يعيد كافة حساباته سواء في تشكيل الحكومة أو في تعامله مع التيار.
السيناريوهات المحتملة لحركة الصدر
١- تجميد مجلس النواب والبقاء على حكومة الكاظمي إلى أجلٍ غير معلوم.
٢- حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة – وهو ما حصل قبل نشر هذا المقال -، وهنا سوف يظهر الخلاف على متى وكيف تُجرى الانتخابات، وعلى أي قانون انتخابي سوف تُجرى، وبهذا سيكون التسويف والمماطلة في إجراء الانتخابات ومن ثم بقاء حكومة الكاظمي بدون برلمان وتمضي الامور بهذه الطريقة كما هو الحال في المحافظات عندما حلت مجالس المحافظات وبقي المحافظين في مناصبهم.
٣- عودة النواب المستقيلين إلى البرلمان، وقد ذكرت المحكمة الاتحادية في ٢ آب بأنه بإمكان عودة نواب الصدر إلى مجلس النواب لأن المجلس لم يصوت على استقالتهم، وأن الجلسة التي صوت بها على البُدلاء كانت غير شرعية باعتبار أن مجلس النواب كان يتمتع بالعطلة الفصلية ولا يمكن له أن يعقد أي جلسة إلا لأمر طارئ، وأن أداء اليمين للنواب البُدلاء ليس بالأمر الطارئ الذي يقتضي دعوة المجلس للانعقاد إثناء عطلته.
بهذه التسوية تنتهي حركة الصدر أو ما يسمى “بالثورة”.
أما بالنسبة للإطاريين الذين اعتبروا ما حدث هو انقلاب على الشرعية وعلى مؤسسات الدولة !
فمن الازدواجية أن يتكلم هؤلاء عن الشرعية وعن مؤسسات الدولة في الوقت الذي لم يعرف مصطلح “اللادولة ” إلا بسبب ممارساتهم المخالفة للدستور ابتدأ من تشكيلهم المليشيات، ومشاركتهم في الانتخابات، ومنعهم للقوى الفائزة من تشكيل الحكومة، وفرض نفوذهم على مؤسسات الدولة بما فيها القضاء كل هذا ويعتبرون أنفسهم مدافعين عن الشرعية وعن النظام والدستور !؟
موقف القوى الوطنية وانتفاضة تشرين من حركة الصدر
منذ البداية أدركت القوى الوطنية بأن الصدر لا يهدف في حركته هذه إلى اسقاط النظام وتغييره، وأن الصدر لا يمكن الاعتماد عليه في أي حركة ثورية لأنه كثير التقلبات وعادة ما يتراجع بسرعة من دون استشارة شركائه بل عادة ما يفاجئهم بقراراته المتسرعة، كما حصل سابقا في عدة مرات وآخرها انسحابه من التحالف الثلاثي المفاجئ، كذلك لا يأمن جانبه من الغدر بالشركاء كما حصل مع انتفاضة تشرين عندما قتل أتباعه الذي يطلق عليهم “القبعات الزرقاء” قتلوا شباب تشرين في بغداد والناصرية.
إن التيار الصدري هو جزء من العملية السياسية وهو شريك فيها منذ بدايتها وما زال في هذه الشراكة ولا يمكن أن يسعى لإسقاطها، وحتى خلافه مع جماعة الإطار هو خلاف مع جزء منهم وليس معهم جميعا وتحديدا خلافه مع نوري المالكي زعيم دولة القانون ومع قيس الخزعلي أما البقية فكثيرا ما عرض عليهم المشاركة في الحكومة معهم.
لكن الصدر يسعى للحصول على أكبر المكاسب من خلال حركته الأخيرة، والهيمنة على الدولة وإقصاء شركائه فيها مستغلا ضعفهم الذي بدا واضحا من خلال نتائج الانتخابات الأخيرة.
فلا ثورة ولا انقلاب بل حركة سياسية يسعى الصدر من خلالها للحصول على حقه الانتخابي في تشكيل الحكومة.
مقال خاص براسام

