جاسم الشمري

تحدثنا في الجزء الأول من هذا المقال عن الطائفية وتعريفها اللغوي والاصطلاحي وأنواعها والعوامل التي شجعتها في العراق، وسنكمل الحديث هنا عن الطائفية في الجيش العراقي قبل وبعد العام 2003.

– قبل العام 2003
لم يقم الجيش العراقي قبل العام 2003 على أسس طائفية، أو مذهبية، وربما يمكن القول إن الغالبية العظمى من الأسس التي بني عليها الجيش العراقي قبل العام 2003 هي أسس وطنية، وفي بعض المراحل ربما قائمة على الولاء للمنظومة الحاكمة، ومع ذلك فهي ليست طائفية، وإنما حزبية، وأتصور أن هذا الأمر واضح للجميع وليس بحاجة لأدلة، لأن الوقائع في الحرب العراقية – الإيرانية وظروف الحصار الدولي القاسية التي أعقبت الدخول العراقي للكويت أظهر حقيقة عموم المجتمع العراقي من المدنيين والعسكريين، ولهذا سننتقل للحديث عن العراق بعد العام 2003 لأنه الجزء الأهم من الدراسة!

– بعد العام 2003
بعد الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 وجد العراقيون أنفسهم أمام مرحلة جديدة، مليئة بالأحداث غير المتوقعة والمخططات المدروسة والمعدة سلفاً، وهذه التطورات زرعت الخوف في قلوب الناس وعقولهم، وقد تعززت المخاوف من تداعيات ‌الاحتلال ‌الأمريكي ‌للعراق، ومن أخطر صور هذه المرحلة المظلمة:
1 – شرعنة الاحتلال.
2 – تهميش السنَّة العرب.
3 – تكريس الطائفية السياسية والدينية.
4 – إظهار التشرذم العرقي والمذهبي بأبشع صورة.

هذه الصور المرعبة كانت في عموم حياة الوطن والمواطن، ومع ذلك وجدنا تنفيذ الخطة الأخطر والمتعلقة بضرب المنظومة العسكرية العراقية، وقد تمثلت بجملة من القرارات، وربما، من أخطرها قرار حلّ الجيش العراقي السابق، ففي 8 أغسطس/آب، 2003، أصدر الحاكم المدني بول بريمر قراره رقم 22 بتشكيل جيش عراقي جديد، أو ما سمي بـ(قوات دفاع وطني) عراقية.
وهذه الترتيبات لم تكن عبثية وإنما كانت تهدف لتحقيق جملة من الأهداف السياسية والاستراتيجية داخل العراق وخارجه، ويرى الباحثون الاستراتيجيون أن أمن العدو الصهيوني قد توفر وتعزز في الوقت الراهن بعد تدمير أمريكا القدرات العسكرية العراقية، وبعد إنهاء أيّ قدرة على تهديد ذلك العدو عقب قرار (بول ‌بريمر) بحلِّ الجيش العراقي بكافة أسلحته: الجوية والصاروخية والبرية والبحرية، وهذا الأمر يؤكد أن حرب غزو العراق قامت بها القوتان الاستعماريتان أمريكا وبريطانيا نيابةً عن (الدولة الصهيونية)؛ لأن هذه الدولة ترى أن العراق يشكل خطَّ مواجهة وليس قوة مساندة فقط لأي معركة عربية ـ صهيونية مستقبلاً، كما ترى أن ضرب وتفكيك وتقسيم وتجزئة العراق هو مصلحة صهيونية بالدرجة الأولى، كما أن (العراق) من الدول العربية القليلة التي شاركت في حرب 1948م ولم توقع على الهدنة مع ذلك العدو، وتعتبر نفسها في حالة حرب معه.
وقد بدأت القوات الأميركية بالعمل على إعادة وزارة الدفاع لتتمكن من الإشراف على الجيش العراقي الجديد، وعمل وزير الدفاع الجديد بإشراف أميركي وبتوجيه المستشار الأميركي لوزارة الدفاع. وتألف الجيش الجديد من القوات البرية والبحرية والجوية، بالإضافة إلى إدارة عامة يبلغ العنصر النسوي فيها 50% فضلاً عن هيئة أركان تولت السيطرة على هذه القوات التي بلغ عددها أكثر من 20 ألف شخص ليصل – فيما بعد – إلى 35 ألف شخص مع نهاية يونيو 2003، وصار الجيش مكونا من ثلاث فرق تضم كل فرقة 27 فوجاً آلياً خفيفاً.
ومع الأسف بني الجيش على أسس طائفية واضحة وغير مخفية، فقد ذكر مركز كارنيغي للشرق الأوسط هذه الحقيقة، وبين أن عدم التوازن المتصوّر بين التركيبة السكانية وبين التمثيل النسبي يمتدّ ليشمل قطاع الأمن. وقد قال لواء سابق في الجيش العراقي إن 70 في المئة من الضباط هم من الشيعة، مع أنهم، حسب قوله، يشكّلون أقلّ من 60 في المئة من السكان. وقال اللواء، وهو سنّي، إنه يخشى أنه منذ ظهور الدولة الإسلامية، تجري ترقية أعداد أقلّ من السنّة إلى رتبة لواء.
أما النائب عن محافظة نينوى أحمد الجبوري، فقد قال في تغريدة له وجهها إلى القائد العام للقوات المسلحة العراقية، مصطفى الكاظمي، “لجنة القبول لطلاب الكلية العسكرية (دورة 111) وعدد أعضائها 250 لم تلتزم بتوزيع المقاعد بعدالة على المحافظات بحسب نسبها، البصرة: صفر، الأنبار: صفر، ديالى: 23، القادسية: 15، بابل: 27، ذي قار: 15، نينوى: 8”. وأضاف الجبوري: “نعترض على ذلك لأن اللجنة التزمت بتثبيت المذهب للطلاب، لذلك نطالب بفتح تحقيق”.
وقد رأينا صورا عجيبة لبناء المنظومة العسكرية بشكل طائفي بغيض، ففي بداية 2020 تم تخريج طلبة الكلية العسكرية الرابعة في ضريحي الإمامين الحسين والعباس في كربلاء، وهذا الفعل لا يتفق مع القوانين العسكرية المتبعة في القانون العسكري العراقي.
وربما الأخطر من ذلك هي سياسة منح الرتب غير الحقيقية للمقربين من الأحزاب والميليشيات المسلحة غير الرسمية، وقد امتازت مرحلة ما بعد العام 2003 بمنح الرتبة العسكرية بشكل طائفي في صفوف الجيش العراقي.
لقد تغيرت الأولويات حتى في الجيش الذي شكله الحاكم المدني بريمر وبدأت الرتب والترقيات تمنح عشوائيا حتى لضباط لا يعرفون القراءة والكتابة مثلما أبلغ صحيفة «الشرق الأوسط» القيادي في القائمة العراقية وعضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية الذي يحمل رتبة لواء في الجيش السابق حامد المطلك.
وأضاف المطلك، وذلك تعليقا على صدور جدول الترقيات الجديد الذي منح بموجبه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بوصفه قائدا عاما للقوات المسلحة بعض الضباط رتبا أعلى نظرا لقيامهم بـ«بطولات»، قائلا: إنه ” من المؤسف أن يصل الأمر إلى هذا الحد من الاستهانة بالمؤسسة العسكرية حيث تمنح الرتب لأغراض كيفية لا علاقة لها بالتدرج العسكري”. وأضاف أن ” منح ضباط لم يقوموا بأية بطولات معروفة واستبعاد ضباط آخرين يتمتعون بالكفاءة أمر محزن حقا ولا ينم عن دراية”. وحول المطالبة بإلغاء الرتب التي منحها الأميركيون لبعض الضباط، قال المطلك: إن ” الأصول تقتضي أن يتم طرد هؤلاء ولا أن يكتفى بتجريدهم من هذه الرتب، فهؤلاء أعوان المحتل ويفترض أن لا يكون لهم مكان في الجيش العراقي”.
وبناء على ما تقدم يمكن اقتراح جملة من الحلول التي قد تساهم في علاج الطائفية في الجيش العراقي والمجتمع عموما، ومنها:
1.إحياء مفهوم الانتماء للأمة والوطن والعمل على توحيد الصفوف بعيدا عن الهويات الفرعية.
2. العمل من أجل بناء دولة قوية تؤسس لقيم العدل والمساواة بين المواطنين.
3.إعطاء دور أكبر للعلماء والخطباء لإيقاف موجة الطائفية المقيتة.
4.الوقوف بوجه النعرات الطائفية والمذهبية.
5. تنقية وسائل الإعلام من الأفكار الطائفية التدميرية.

مقال خاص براسام