أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
مدخل:
احتلت القضية الفلسطينية منذ فترة مبكرة من نشوئها حيزاً كبيراً من اهتمام الشعب العراقي الذي كان موقفه بمختلف أحزابه السياسية ونواديه وصحفه – لا بل وجماهيره – موقف المؤيد والمساند لها من حيث إسهامه في جميع التبرعات وتنظيم التظاهرات والتجمعات وحتى اعلان التطوع للدفاع عنها، كما تألفت لجان للدفاع عن فلسطين ليس في مدن العراق فحسب وإنما في الأقطار العربية أيضاً.
ونظراً لسعة الموضوع وتنوعه ارتأينا أخذ أنموذجاً من إحدى مدن العراق ألا وهي (الموصل) التي كان للقضية الفلسطينية مكانة خاصة عندهم، وبما يمتلكون من مواقف إزاء النشاطات الصهيونية التي سبقت قيام الكيان الصهيوني العنصري على أرض فلسطين وتشرد أغلب سكانها العرب الشرعيين واتخاذه قاعدة عسكرية تهدد طموحات الأمة المشروعة في الوحدة والتحرر.
وعلى هذا الأساس كانت للموصل مواقف وفعاليات شعبية وبعضها رسمية خلال العهد الملكي – كما سنرى-
وعد بلفور:
تمثل قضية فلسطين إحدى مآسي التاريخ الكبرى وقع ظلمها على الأمة العربية عامة وعلى الشعب العربي في فلسطين خاصة، ففي الثاني من تشرين الثاني ١٩١٧م، أصدرت بريطانيا وعد بلفور لإنشاء “وطن قومي” لليهود في فلسطين، وقد أصبحت (فلسطين) بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة تحت الانتداب البريطاني وأدخل وعد بلفور في صك الانتداب، فاتحة صراعا جديدا بين العرب الساعين للاستقلال والوحدة، وكل من الاستعمار وحليفته الصهيونية العالمية، فقد أثار هذا الوعد سخطاً عربياً في عموم الوطن العربي وخصوصاً العراق.
استمرت مقاومة العرب لوعد بلفور والهجرة الصهيونية إلى فلسطين وبيع الأراضي، وحدثت انتفاضات عربية متكررة بدءاً من عام ١٩٢٠م.
كان المثقفون الموصليون من أوائل الذين أحسوا بالخطر الصهيوني، فقد طالب (الشيخ محمد حبيب العبيدي) منذ عام ١٩١٤م الحكومة العثمانية بالتصدي للأطماع الصهيونية في فلسطين، وكانت المظاهرات تخرج منذ وقت مبكر في الموصل لتستنكر وعد بلفور، حيث وصف أحد المعاصرين لها وهو (الشيخ محمد الصواف) هذه المظاهرات بقوله: (مازلت أذكر غضبة الموصل وخروج شيوخنا وعلمائنا وشبابنا وكنت أخرج معهم وأسير وأنا أسمع يرددون فلسطين … فلسطين.. نفوس العرب تفديك.. أدنو منك صهيون.. وجيش العرب يحميك؟.
لعب الشباب الموصلي دوراً مهماً من خلال ما كتبوه في الصحافة أو تقدم الاحتجاجات، فضلاً عن إقامة مهرجانات وتنظيم مظاهرات، وقد تجاوز هؤلاء الشباب ساحتهم (الموصل) وغادروا إلى بغداد يتقدمهم الشاب (محمد يونس السبعاوي)، ففي بغداد دعا (السبعاوي) إلى عقد اجتماع جماهيري في ميدان باب المعظم احتجاجا على معاهدة ٣٠ حزيران ١٩٣٠ وقعتها الحكومة العراقية مع بريطانيا، وحرر هؤلاء الشباب منشوراً يشير إلى المعاناة الوطنية للشعب العراقي في ظل الاستعمار البريطاني ومعاناة الشعب الفلسطيني من ظلم الإنكليز والصهاينة، ومن الجدير بالذكر أن الشرطة فشلت في تفريقهم.
وشكل المتظاهرون وفدا ضم كل من: سعيد الحاج ثابت ومولود مخلص وثابت عبد النور لمقابلة كلاً من الملك فيصل الأول ونوري السعيد (رئيس الوزراء) مطالبين التوسط لدى الحكومة البريطانية لرفع الحيف عن الشعب الفلسطيني.
في ١٨ حزيران ١٩٣٠ أاستشهد ثلاثة من الفلسطينيين في مدينة القدس، بعد أن أقدمت إحدى العصابات الصهيونية على إعدامهم، وكان لهذا الحادث أثر كبير في نفسية الشاعر الموصلي الدكتور عبد الجبار الجومرد فكتب قصيدته الموسومة (ذكرى و دموع) التي تضم (٣٠) بيتاً صوّر فيها واقع العرب إزاء المخاطر التي تهدد عروبة فلسطين والكيان العربي، فصارت مشاعر “البكاء” هي الطاغية مع مر الأيام:
كــل يــوم نـيــاحــة وعـــزاء *** ما لحزن القلب منها انتهاء
طالمـا حـلت المصـائب فينــا *** وأطـالـت ثواءهـا الأرزاء
فالليـالي متاعـب ورزايـا الــ *** دهـر شـتى وكـلـن عـنـــاء
خلق الغرب كي يعيش أميراً *** وكـأنــا بـزعـمه اسـراء
مـا بنـا غيـر مقـعـد يتـمطـى *** وعليـه مـن التــوانـي رداء
ويبث الشاعر (الجومرد) في ثنايا قصيدته الهموم السياسية للأمة وما صنع الغرب الاستعماري بها، في حين تكون فلسطين أيضاً محوراً لقصيدته بعد أن غدا أبناؤها يسترخصون الروح ويقدمون أنفسهم قرابين على طريق الحرية والاستقلال، حيث كتب:
أي ذنب جنت فلسطين*** سيق منها إلى الردى أبرياء
كاد قلبي يذوب غيظاً وحزناً*** وحين زفت لشنقها الشهداء
ربُ طفلٍ ينعى أخاه شهيداً*** وعيال يندبنه ونساء
واستهلت من كل عين دموع*** وتعالى من كل قطر نداء
في بلاد العراق شكوى حزين*** ومن الشام ضجةٌ وبكاءُ
وبنجد ومصر عم احتجاج*** ورجاء ولا يفيد الرجاءُ
كما شاركت شخصيات موصلية في المؤتمر الإسلامي العام الذي انعقد في ٧ كانون الأول ١٩٣١م في القدس ضمن الوفد العراقي الذي ضم كلاً من السادة: سعيد الحاج ثابت، محمد حبيب العبيدي، محمد بهجت الأثري، الحاج نعمان الاعظمي، محمد الحسين آل كاشف الغطاء، إبراهيم الواعظ – كما سنرى في الحلقة القادمة-
مقال خاص براسام

