نظير الكندوري

كان أمرًا مستغربًا أن يصدر قرارًا من مجلس الأمن الدولي يخص الشأن العراقي، ومع ذلك يمر من دون أن يحظى بتغطية إعلامية كبيرة من قبل الوسائل الإعلامية العراقية، ومن دون أن يتم اشباعه نقاشًا وتحليلًا لأبعاده وتداعياته على الوضع العراقي، بل أن معظم السياسيين العراقيين أحجموا عن ذكر أي تعليقٍ أو تصريحٍ يحددون فيه موقفهم منه.
هذا القرار الأممي الذي صدر عن مجلس الأمن تحت الرقم 2576 في تاريخ 27 أيار/ مايو عام 2021، والذي ورد فيه الكثير من الفقرات المتعلقة بالشأن العراقي، كان من أهمها هي الفقرات المتعلقة بالانتخابات النيابية القادمة، والتي ستعقد في العاشر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر من هذه السنة.
هذا القرار الذي صدر بناءً على طلب الحكومة العراقية، كان لافتًا أن يصدر من مجلس الأمن وليس من مؤسسات أو وكالات أممية أخرى، فمجلس الأمن وكما يعرف الجميع، هي مؤسسة معنية بالسلم والأمن العالمي، ولديها وسائلها الخاصة لأنفاذ قراراتها، وغالبًا تمس العراق بسيادته واستقلاله وجعله ضمن صلاحيات الدول الكبرى، وبموافقة عراقية.
مجلس الأمن الذي تناول لأول مرة موضوع مراقبة الانتخابات العراقية بدرجة عالية من الأهمية، قرَّر تشكيل فريق من المراقبين الأمميين يكون عدد أفراده كافيًا لتغطية جميع المراكز الانتخابية جغرافيًا، حيث ورد في نص القرار ” توفير فريق تابع للأمم المتحدة مُعزز بموظفين إضافيين، وقوي ومعلن عنه بوضوح قبل الانتخابات العراقية المقبلة، لمراقبة يوم الانتخابات في العراق بأوسع تغطية جغرافية ممكنة بهدف مواصلة المساعدة في الانتخابات بطريقة تحترم سيادة العراقي وتقديم تقرير إلى الأمن العام عن العملية الانتخابية.”
وورد في فقرة أخرى من فقرات القرار ما نصه: “يُطلب من الأمين العام أن يقدم تقريرًا موجزًا ومفصلا إلى مجلس الأمن عن العملية الانتخابية في العراق والمساعدة التي تقدمها البعثة لتلك العملية في موعد لا يتجاوز 30 يومًا بعد انتهاء الانتخابات المقبلة في العراق”. وأشار نص القرار، إلى ضرورة إشراك المراقبين الدوليين والإقليميين من الذين دعتهم حكومة العراق، وتشجيعهم للقيام (حسب الاقتضاء) بتقديم الدعم اللوجستي و”الأمني” لهم. ولم ينس القرار أن يذكر – كما في كل مرة – إن القرار صدر بناءً على طلب حكومة العراق للمشاركة في مراقبة الانتخابات العراقية.
ومن هذا يُفهم، بأن مجلس الأمن الذي غالبًا ما تكون قراراته ملزمة لأعضائه ولديه الصلاحية لاستخدام القوة بأنواعها لفرض قرارته، يولي الانتخابات العراقية أهمية بالغة، ويريد أن يطمئن بأنها ستجرى بنزاهة وشفافية عالية، أو لنقل إنه يريد أن يكون الشاهد على ما سيُرتكب في هذه الانتخابات من خروقات جسيمة يُتوقع حدوثها من قبل الأحزاب المتنفذة على العملية السياسية كما هو الحال في كل الانتخابات السابقة، حتى تصل إلى السلطة.

ما الدافع الذي جعل الكاظمي يطلب من مجلس الأمن اصدار هذا القرار؟
إن تعمُّد الكاظمي وحكومته على الطلب من مجلس الأمن إصدار مثل هذا القرار، تعود أسبابه في غالبها، إلى رغبته في تقليل فرص المليشيات والأحزاب الموالية لإيران في الانتخابات القادمة، وذلك من خلال قطع سبل التزوير الواسع النطاق التي تريد تلك الأحزاب والمليشيات استخدامها، فالكاظمي لم يجد أفضل من مجلس الأمن وسلطته الواسعة، حتى تراقب الانتخابات وتكون هي صاحبة القرار في تبيان نزاهتها من عدِمها. أما من جانب الولايات المتحدة، والتي دفعت بقوة لإصدار هذا القرار، فقد كانت تريد أن تغلق الطريق على الموالين لإيران من الاستحواذ على السلطة بالكامل من خلال الانتخابات وتزويرها، لأن الولايات المتحدة من خلال هذه المراقبة على الانتخابات، ستكون لها الوسيلة الفاعلة للطعن بصحة نتائجها إذا ما قامت تلك الأطراف بتزويرها بشكل بالغ.
وهذا يعني أن واشنطن والمجتمع الغربي بشكل عام، يريد محاربة تلك الأطراف على مستوى جديد، هو تمثيلها الشرعي وسحبه منها، وهذا الأمر بالغ الخطورة لاسيما إذا ما علمنا أن النظام السياسي الحالي في العراق، لا يعتمد في حقيقة وجودة على رأس السلطة في العراق على الانتخابات ونتائجها، إنما يعتمد على الشرعية التي تمنحها تلك الدول لهذا النظام السياسي، هذا ما صرح به أحد أعضاء فريق الكاظمي المقربين لموقع “ميدل ايست آي” والذي رفض الكشف عن اسمه حينما قال: ” النظام السياسي في العراق لم ولن يحصل على شرعيته من خلال الانتخابات، إنما يستمد شرعيته من المجتمع الدولي الذي منحها إياه”، مضيفًا إن”شرعية النظام ستكون مهددة، إذا ما وصلت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الى استنتاج أن العراق أصبح قضية خاسرة، ولا فائدة من الاستمرار في دعمه، حينها سينهار النظام ويتحول العراق إلى دولة طوائف”.
وبالتالي فنحن اليوم أمام واقع جديد تريد الولايات المتحدة ومعها باقي الدول الغربية، إرسال رسالة تحذير واضحة إلى إيران وأتباعها في العراق، بأن استيلاءكم على العراق بشكل كامل لن يمر دون دفع ثمنٍ باهض، وعلى رأس هذه الأثمان، هو سحب الشرعية عن النظام العراقي وتركه لمصيره أمام الجماهير العراقية الغاضبة والتي تتجه بدورها لإسقاطه.

ما المطلوب من النخب العراقية الان؟
أن المطلوب حاليًا من الجماهير العراقية ونُخبها الواعية، هو الاستمرار في التثقيف الجماهيري على مقاطعة الانتخابات وعدم المشاركة فيها، وتفعيل آليات العصيان المدني ضد النظام الميليشياوي الحالي، وصولًا إلى مرحلة اصابة النظام بحالة الشلل ومن ثم إسقاطه، ثم العمل على تسريع الإجراءات والخطوات التي بدأت بها مسبقًا، من توحيدٍ لصفوفها، وتشكيلٍ لمؤسساتها البديلة، والتي ستكون بديلًا عن مؤسسات النظام، مثل المجلس الثوري الشعبي الذي سيكون مشابهًا للبرلمان في تمثيله لغالبية الشعب العراقي، تنبثق منه هيئة سياسية بما يشبه الحكومة المؤقتة، لإدارة الصراع مع النظام، والتفاوض مع المجتمع الدولي لاستلام السلطة، والتي بدورها ستقوم بعد ذلك في العمل على تهيئة الأجواء لتأسيس نظام سياسي وطني في العراق.
وعلى هذا، فإن حالة الطعن بشرعية النظام الحالي، إذا ما جاءت من الدول الغربية من خلال كشف زيف الانتخابات وعدم نزاهتها، ستمهد الطريق للاعتراف بالبديل الجاهز الذي ستقدمه الجماهير العراقية، من مؤسسات ديمقراطية بديلة تمثل كامل الشعب العراقي.

مقال خاص براسام