ضمن نشاطات مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام) المستمرة ، نظّم المركز اليوم (السبت 18 سبتمبر/ أيلول 2021م) محاضرة بعنوان (التغيير الديموغرافي في العراق.. عائلات نازحة وميليشيات مسيطرة)، في قاعة المركز الكائنة في مدينة إسطنبول.
ألقى المحاضرة الباحث “حسين صالح السبعاوي”، تحت عنوان (التغيير الديموغرافي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي سنة 2003)، بينما أدار المحاضرة وقدم لها الباحث في المركز أحمد عيد.
ذكر السبعاوي في محاضرته أن العراق واجه جرائم تغيير ديموغرافي منذ دخول الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003م، منوها على أن أمريكا وإيران شريكتان في تغطية جرائم التغيير الديموغرافي.
من المسؤول؟
وفي محاضرته، أكد السبعاوي على أن الميليشيات وبدعم إيراني مباشر، مارست أبشع الجرائم لغرض تغيير تركيبة السكان، من خلال التضييق الأمني والتهجير القسري والملاحقة وكيل التهم الكيدية والخطف والاغتيال وغيرها.
وبيّن ” أن إيران عملت على دعم الميليشيات المقربة منها، بغية تنفيذ جرائمها لغرض التغيير الديموغرافي، لاسيما في البصرة وديالى وصلاح الدين وحزام بغداد”.
وأشار السبعاوي إلى أن مشروع الاحتلال الأمريكي للعراق يستهدف أصلا تغيير تركيبة السكان وإحداث نزاع طائفي بغية تفتت أواصر المجتمع العراقي وإفشاء الطائفية والنزاع فيها.
البصرة أولا
ذكر الباحث حسين السبعاوي أن البصرة من أوائل المدن التي عانت من جرائم مختلفة بغية إحداث تغيير ديموغرافي، كما حصل في أبي الخصيب والجزائر والزبير وباقي المناطق التي يقطنها العرب السنة، حيث سعت القوات الأمنية والميليشيات الولائية إلى التضييق والملاحقة واغتيال رموز الدين والكفاءات والزعماء القبليين، بغية إحداث تغيير في تركيبة سكان هذه المناطق.
وعن دور الاحتلال في جرائم التهجير والتغيير الديموغرافي، أكد السبعاوي على أن القوات البريطانية هي التي كانت تحتل مدينة البصرة وكان لها الدور اللوجستي البارز في دعم المليشيات التي تمارس التهجير ضد السكان وفي أفضل أحوالها تغض الطرف عن ممارستهم أو تكتفي بالتفرج عليهم.
حزام بغداد أنموذجا
عرج السبعاوي في محاضرته على مناطق حزام بغداد التي عانت ولا تزال تعاني من ويلات جرائم التهجير لغرض التغيير الديموغرافي، حيث أكد المحاضر على أن سكان المدينة تعرضوا للتضييق الأمني والابتزاز والملاحقة والاعتقالات والعمليات العسكرية، لغرض إجبارهم على ترك مناطقهم.
وبيّن السبعاوي أن سكان مناطق حزام بغداد خليط من عشائر عربية سنية من جهة جنوب بغداد وأهم هذه العشائر هي عشيرة الجنابيين وعشائر الجبور والدليم وبني تميم وخزاعة وبني خالد وبني سعد وعشائر أخرى، وتتوزع هذه العشائر في قضاء المحمودية والمدن والقرى التابعة لها مثل ناحية اللطيفية واليوسفية وناحية الرشيد.
وأشار إلى أن منطقة حزام بغداد شمالا وجنوبا عانت من عملية اضطهاد وتهجير ممنهجة بدأت بعد الاحتلال الأمريكي ووصول القوى والأحزاب الطائفية إلى سدة الحكم، وقد استخدمت كافة الوسائل لتهجير السكان فيها سواء بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة مثل الاعتقال والضغط الأمني والتهم الكيدية والابتزاز.
ونقل السبعاوي في محاضرته عن النائب مظهر الجنابي قوله: “إنه في شهر أيلول/ سبتمبر فقط من سنة ٢٠١٣ هجرت مائة عائلة من ناحية اللطيفية لوحدها بسبب التمييز الطائفي، أما منطقة جرف الصخر فقد هجر السكان فيها على بكرة أبيهم وبطريقة مباشرة من قبل الميليشيات، وهو ما يعكس مدى الوحشية التي تعرض لها السكان لغرض تغيير تركيبهم”.
في صلاح الدين
أما محافظة صلاح الدين، فيؤكد السبعاوي على أن مناطق عديدة في هذه المحافظة هي الأخرى قد عان سكانها من جرائم الميليشيات المسيطرة عليها، لغرض إجبار السكان على الهجرة وترك مناطقهم.
وأضاف أن الجرائم التي لها تبعات على تركيبة السكان، بدأت مع الاحتلال الأمريكي حينما كانت المحافظة مستهدفة بحجة أنها مسقط رأس النظام السابق وحاضنته، بالإضافة إلى ما بعد تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري “رضي الله عنهما” في شباط ٢٠٠٦ في مدينة سامراء.
ومن بين أساليب التهجير المتعمدة لغرض التغيير الديموغرافي أكد الباحث حسين السبعاوي في محاضرته على أن القوات الأمنية والمليشيات اعتمدت على اسلوب التهجير الناعم، بمعنى التهجير داخل المحافظة بين الأقضية والنواحي التابعة لها، حيث أن أكثر من ١٠٠٠ عائلة مهجرة داخل المحافظة وأطرافها تسكن في الهياكل والأبنية غير المكتملة، فالأهالي ينزحون من الإسحاقي مثلا إلى قضاء الدور أو من قضاء بلد إلى مدينة سامراء.
وأشار إلى أن من أساليب تغيير تركيبة السكان في المحافظة، جلب العائلات من المحافظات الجنوبية وخاصة من “مربي الجاموس” في محافظة ميسان إلى أطراف مدينة سامراء بحجة جفاف الأهوار والحاجة إلى مناطق مائية لتعيش جواميسهم، بالإضافة إلى منع نشر أي خبر على مواقع التواصل عن سوء المعاملة التي يواجهها السكان من قبل المليشيات ومنع دخول القنوات الفضائية إلى المدينة إلا القنوات الطائفية المؤيدة لمشروع التغيير الديموغرافي القائم، وغلق كافة المحال التجارية القريبة من الضريحين في المدينة القديمة ومحاربتهم في أرزاقهم ليضطروا إلى ترك محلاتهم أو بيعها بثمن بخس لهم.
إختتم الباحث حسين السبعاوي محاضرته قائلا: ” لم تستطع الحكومات المتعاقبة في وضع حد لجريمة التغيير الديموغرافي التي يتعرض لها سكان البلاد، في ظل نفوذ الميليشيات المتزايد والرغبة الإيرانية في التلاعب بأصول الشعب وممتلكاته وتركيباته الديموغرافية”.
300 منطقة بلا سكان
وفي المداخلات التي أعقبت المحاضرة تطرق أحد الحاضرين أن هناك محاولات في التلاعب بالمستندات والمعاملات التي من المفترض أن تضمن حقوق وممتلكات سكان تلك المناطق الأصليين، محذرا من ازدياد تعقيد ملف التغيير الديموغرافي من خلال التلاعب بهذه المستندات.
وأشار آخرون في مداخلاتهم، إلى أن العديد من سكان مناطق حزام بغداد والمحافظات القريبة منها يمنع أهلها النازحون من العودة إليها وتصل عددها إلى حوالي 300 قرية.




