أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
مدخل:
أولى الوالي العثماني (مدحت باشا) الذي كان قد حكم العراق بين عامي (١٨٦٩ – ١٨٧٢م) اهتماماً كبيراً بإصلاح وتطوير مختلف أوجه الحياة في العراق٬ وقد حظي قطاع النقل والمواصلات البرية منها والمائية بعناية خاصة من الوالي المذكور٬ وكان الترامواي (بغداد – الكاظمية) واحداً من بين العديد من المشاريع والإنجازات للوالي (مدحت باشا) خلال فترة حكمه. في حين لم تدخل مشاريع سكك الحديد حيز التنفيذ إلا في نهاية القرن التاسع عشر٬ ويرقى تاريخ أول محاولة في هذا النهج إلى عام ١٨٣٠م٬ عندما اقترح أحد موظفي السكك الحديد الهندية مشروعاً للسكك الحديد يربط بين البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي٬ لذا شكل العراق نقطة استقطاب لكثير من الدول الاوربية٬ لاسيما بريطانيا التي أولت اهتماماً متميزاً للعراق٬ نظراً للموقع الاستراتيجي الذي يتمتع به بوصفه أقصر الطرق البرية للاتصال بالهند عن طريق الخليج العربي .
نبدأ حلقاتنا بترامواي بغداد – الكاظمية
تعني كلمة (Tramway) في اللغة الإنكليزية٬ كما يعرفه (ستيفن همسلي لونكريك) في مؤلفه (العراق الحديث من سنة ١٩٠٠ إلى سنة ١٩٥٠م) ٬ الجزء الأول٬ ترجمة سليم طه التكريتي٬ تعني القضبان التي تسير عليها حافلات الترام٬ أما كلمة (Tram) فتعني المركبة أو الحافلة٬ وينبغي من البدء أن نذكر أن الترامواي موضوع البحث كان عرف بأسماء عديدة مختلفة كان من أبرزها ترام بغداد – الكاظمية.
أدرك الوالي (مدحت باشا) أنه من الضروري إدخال إصلاحات على مختلف مرافق الحياة في مدينة بغداد٬ وبضمنها إقامة مواصلات حديثة وسريعة بينها وبين ضواحيها لكي تكون جديرة بمكانتها كعاصمة لولاية بغداد٬ خصوصاً وأن وسائط النقل البرية في بغداد كانت بدائية قوامها الحمالون لنقل الأمتعة٬ وكذلك (الحمير والبغال) وأحياناً (الخيل) لنقل الامتعة والأشخاص علاوة على نوع من العربات التي تجرها الخيول كانت تستخدم بين بغداد وضواحيها.
وبدعم مباشر من الوالي (مدحت باشا) تشكلت شركة أهلية مساهمة لتنفيذ مشروع بغداد ـ الكاظمية وبرأس مال قدره (١٥) ألف قرش٬ ومن الجدير بالذكر أن القرش كان يعادل (٩,٨) فلساً في حينه.
بعد صدور الفرمان (المرسوم) السلطاني باشرت الشركة أعمالها وكانت باكورتها أن طرحت الشركة أسهمها البالغ عددها ستة آلاف سهم للبيع وبقيمة قرشين ونصف القرش للسهم الواحد٬ وسمح للمساهمين باقتناء ما يشاؤون من الأسهم٬ وحث الوالي (مدحت باشا) الموسرين على اقتناء ما يشاؤون من الأسهم٬ ومهما يكن من أمر فقد حدث بعض الاقبال على اقتناء الأسهم٬ وقيل ان شركة الترامواي وهبت (مدحت باشا) ربع المجموع الكلي للأسهم تقديراً منها لجهوده في دعم الشركة٬ وقد تبرع (مدحت باشا) بدوره بتلك الأسهم إلى مدرسة الصناعة (الصنائع) في بغداد٬ ومن جهة أخرى عمل (مدحت باشا) كل ما في وسعه لتوفير احتياجات المشروع من حافلات ومعدات أخرى عن طريق استيرادها من لندن٬ فقد قامت الباخرة (نينوى) وهي إحدى البواخر التابعة لشركة (العمان العثماني) العثمانية والتي أسسها (مدحت باشا) في العراق التي تولت شحن معدات المشروع من لندن إلى البصرة.
استغرق انجاز المشروع قرابة سنة واحدة وبلغت كلفته الكلية (٢٤) ألف ليرة تركية دفع منها (١٨) ألف ليرة من رأس مال الشركة٬ أما المبلغ المتبقي فقد تم تسديده من أرباح الشركة.
بلغ طول سكة الترامواي سبع كيلومترات ابتداءً من محطتها الرئيسية الواقعة قرب جامع حبيب العجمي في جانب الكرخ حتى الكاظمية٬ وكان الخط ينقسم إلى عدة مراحل٬ ففي المرحلة الأولى التي تبدأ من المحطة المذكورة آنفاً حتى باب الكاظم٬ ثم إلى أحد أبواب السور الذي يحيط الجانب الغربي لبغداد من جهة الشمال – كان خط السكة منفرداً٬ أما في المرحلة الثانية فيتحول الخط عندها ليصبح خطاً مزدوجاً حتى يبلغ عند قصر الإبل (يقع حالياً بالقرب من تمثال عبد المحسن الكاظمي) حيث يعود ثانية ليصبح خطاً منفرداً ويبقى على هذا الحال حتى يصل إلى الكاظمية.
ومن اللافت للنظر امتداد سكة الترامواي بصورة مائلة٬ إذ تبدأ من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي٬ وأوضحت إحدى الروايات سبب ذلك٬ إذ تروي مدام ديولافوا في رحلتها إلى – كندة – العراق سنة ١٨٨١م نقلها إلى العربية (علي البصري ٬بغداد٬ ١٩٥٨م، ص ٩١) حيث تقول: ” إن المهندس الذي استعان به مدحت باشا لوضع مخطط للمشروع كان قد اقترح على مدحت باشا في حالة رغبته في شق طريق مستقيم يصل بين بغداد والكاظمية يتطلب إقامة جسر على نهر دجلة، فوافق مدحت باشا في البداية على الاقتراح لكنه عدل عن موقفه فيما بعد خوفاً من كثرت تكاليف الجسر٬ وفضّل أن يكون الطريق معوجاً وملتوياً”.
ومن المفيد بالإشارة أن اسم الشخص الذي كان وراء انشاء الترامواي هو (مسعود بك) الذي كان الوالي (مدحت باشا) قد عينه مديراً لمعمل الحدادة (الدميرخانه) وكان (مسعود بك) هذا قد تولى من قبل الاشراف على تركيب الباخرتين (بغداد) و (البصرة).
لقد كان ترامواي بغداد – الكاظمية واحداً من بين العديد من المشاريع والانجازات المهمة التي قام بها (مدحت باشا) الذي حكم العراق بين عامي (١٨٦٩ – ١٨٧٢م) وكان أول مشروع من نوعه في العراق بل في الولايات العراقية٬ ويذكر (سليمان البستاني) في مؤلفه (عبرة وذكرى: الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده)٬ أن ترامواي بغداد – الكاظمية كان الأول على نطاق الدولة العثمانية باستثناء مدينة إسطنبول.
ومن مظاهر النجاح التي حققها ترامواي بغداد – الكاظمية أنه ظل طيلة مدة عمله (البالغة سبعون عاماً) بعيداً عن متناول أي من الجهات الأجنبية٬ علاوة على أن إنشاءه كان قد تم على أيدي شركة محلية وبقيت ملكيته بيد شركة وطنية مساهمة٬ بل كان أول مشروع من نوعه يتأسس في بغداد برؤوس أموال مشتركة٬ كما أنه قدم خدمات كبيرة لقطاعات مختلفة من الناس.
المصادر المعتمدة:
أولاً: ستيفن همسلي لونكريك٬ العراق الحديث من سنة ١٩٠٠ إلى سنة ١٩٥٠م٬ الجزء الأول ترجمة سليم طه التكريتي٬ (بغداد٬ ١٩٨٨).
ثانياً: عبد العزيز سليمان نوار٬ تاريخ العراق الحديث (القاهرة٬ ١٩٦٨م).
ثالثاً: أمين المميز٬ بغداد كما عرفتها٬ (بغداد٬ ١٩٨٥م).
رابعاً: علي ظريف الاعظمي٬ مختصر تاريخ بغداد٬ (بغداد٬ ١٩٢٦م).
خامساً: محمد عصفور سلمان٬ العراق في عهد مدحت باشا٬ رسالة ماجستير٬ (جامعة بغداد٬ ١٩٨٩م).
سادساً: نمير طه ياسين٬ التحديث في العراق٬ ١٨٦٩ – ١٩١٧م٬ رسالة ماجستير (الجامعة المستنصرية٬ ١٩٨٤).
سابعاً: ريجارد كوك٬ بغداد٬ مدينة السلام٬ نقلة إلى العربية٬ مصطفى جواد وفؤاد جميل٬ جزءان٬ (بغداد٬ ١٩٦٧م).
ثامناً: فخري الزبيدي٬ (اعداد وتحقيق)٬ بغداد من ١٩٠٠ حتى سنة ١٩٣٤م٬ (بغداد٬ ١٩٩٠م).
تاسعاً: فلاديمير لوتسكي٬ تاريخ الأقطار العربية الحديث٬ ترجمة عفيفة البستاني٬ (بيروت٬ ١٩٧٢م).
عاشراً: عبد الرزاق الحسني٬ العراق قديماً وحديثاً٬ (بيروت٬ ١٩٧١م).
مقال خاص براسام

