لقد أطلت علينا السلطات الحكومية في العراق بتقديم قانون خدمة العلم أو التجنيد الإلزامي لغرض إقراره في البرلمان الحكومي الذي أجل قراءته الأولى للجلسة المقبلة، وسط خلافات سياسية كبيرة بين الكتل والاحزاب السياسية والتي تراوحت بين مؤيد ورافض لتمرير هذا القانون وسط غضب شعبي عارم لدى الشباب العاطل والمنتفض على الطبقة السياسية الحاكمة وخاصةً حراك تشرين الذي أعتبره بأنه استهداف مباشر لهم، حيث يقول “الحزب الديمقراطي الكردستاني” بأن “البلاد ليست بحاجة الى الخدمة الالزامية لوجود اعداد هائلة من القوات المسلحة والاجهزة الامنية”، وهذا يعني بأن الترويج لهذا القانون في هذا الوقت يثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب حول أولويات حكومة السوداني والبرلمان العراقي في التعامل مع الملفات الساخنة، حيث يقول النائب “كريم أبو سودة” بأن هناك شبه إجماع بين الكتل السياسية على قانون الخدمة الإلزامية وهو مهم جدا في الوقت الحالي”، علماً بأن هذا القانون تم أستبدله بعد عام 2003، بقانون الخدمة الطوعية ونظام العقود، حيث رفعت الطبقة السياسية الحاكمة شعارات عن الديمقراطية وعن الحريات، كما أنتقدت أداء الدولة السابقة وأتهمتها بعسكرة المجتمع العراقي وسلب الحريات بسبب المدة الطويلة التي يقضيها الجندي في خدمة العلم، حيث حظت هذه الشعارات بشعبية كبيرة، واليوم يبدو بأنهم قد انقلبوا على هذه الشعارات التي روجوها في السابق وتراجعوا عنها بحج واهية وغير مقنعة للشارع العراقي.

قبل الخوض في أهمية هذا القانون من عدمه نقول هل البرلمان والحكومة الحاليين يمثلون الشعب العراقي؟، الجواب لا، لأن نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات السابقة التي جرت عام2021، كانت لافتة بشكل كبير، فقد كان هناك عزوف شعبي كبير عن المشاركة في هذه الانتخابات، بحيث يمكن أن نقول بأن نسبة المشاركة لم تصل في أحسن حالاتها الى أكثر من 22 بالمائة، مما يعني بأن هناك أشكال حقيقي في شريعة البرلمان والحكومة، ثم جاء انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان والتي تعتبر الكتلة الأكبر ورفضها المشاركة في هذه الحكومة لتكتمل الصورة بأن هذا البرلمان وهذه الحكومة فاقد تماماً للشريعة القانونية والدستورية والشعبية، لذا ينبغي على الطبقة السياسية عدم الترويج لمثل هذه القوانين الجدلية التي تحتاج مناقشتها الى أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية مستقرة ليكون هناك توافق وطني وشعبي على تمريرها قبل طرحها في البرلمان، كما إن الدافع الحقيقي لطرح هذا القانون يجب أن يكون مصالح العراق العليا وليس مصالح شخصية أو حزبية، علماً بأن الطبقة السياسية أثبت فشلها في الدفاع عن مصالح العراق العليا.

إن من يراقب أداء الطبقة السياسية الحاكمة يتوصل الى أنها تحاول التهرب من مسؤوليتها القانونية والدستورية تجاه الشباب العطل والمنتفض عليها، بعد أن فشلت في حمايته من القتل والاعتقال في المظاهرات التي خرجت للمطالبة بحقوقها في أيجاد فرص عمل وتوفير الخدمات، لذا فأن الترويج لهذا القانون هو تسفيه لحقيقة الوضع السياسي العراقي الذي تحكمه المحاصصة الطائفية، وتسفيه للحقوق والاستحقاقات الشعبية، ولكن يبدو بأن النظام الحاكم يحاول حماية نفسه من خلال إعادة أنتاج نفسه مرة أخرى في المشهد السياسي ولو كان ذلك على حساب المؤسسة العسكرية والشباب العاطل الذي فقد الثقة بهذه الحكومات، لذا فهم يحاولون دفعه وتسويقه لخدمة العلم مقابل رواتب مجزية، ولا أعرف لماذا لم تكتشف الطبقة السياسية الفاسدة بأن خدمة العلم هي مهمة وضرورية ألا بعد عشرين سنة، وألا بعد أن خرج الشباب منتفضين عليهم وعلى حكمهم الفاسد؟، لذا فترويج هذا القانون جاء لدواعي سياسية وأمنية تتعلق ببقاء الطبقة السياسية الحاكمة، لأن عدم أيجاد حلول سريعة ومقنعة لهذه الاعداد الكبيرة من الشباب ستكون لها تداعيات سياسية وأمنية خطيرة تهدد مستقبل الطبقة السياسية الحاكمة، كما إن هذا القانون أصبح جزء من المناكفات السياسية بين الاحزاب والكتل السياسية من جهة وبين الشباب الغاضب على أدائها من جهة أخرى، لأن إقرار قانون التجنيد الالزامي في ظل عملية سياسية فاشلة وفاسدة سيجعل من هذه التجربة فاشلة وفاسدة بسبب سوء الادارة.

لقد أثار وروج بعض السياسيين بأن الجيش الحكومي يعاني من مشكلة التوازن ولا أعرف حقيقةً ما هو الربط بين تسويق قانون الخدمة الإلزامي وبين إعادة التوازن!، كيف يريد هذا السياسي أعادة التوازن الى الجيش الحكومي ومؤسسات الدولة الأخرى عن طريق تمرير قانون الخدمة الإلزامي؟!، خصوصاً وإن العملية السياسية قائمة أصلاً على المحاصصة وتقاسم الوزارات بين الأحزاب والكتل السياسية، فمثلاً وزارة الدفاع كانت وما زالت من حصة المكون السني منذ بداية الاحتلال والى يومنا هذا، كما إن وزارة الداخلية كانت من حصة المكون الشيعي، فكيف نريد أن يكون هناك جيش وطني، وهناك توازن بين المكونات والمحاصصة الطائفية هي التي تحكم الأمور والأوضاع في مؤسسات الدولة، علماً بأن السيد رئيس مجلس النواب السابق “أسامة النجيفي” زعيم “الجهة الوطنية للإنقاذ والتنمية” طالب بأعادة التوازن الوطني في مؤسسات الدولة، وطالب بضرورة المشاركة الحقيقة في صنع القرار، وفي إدارة المؤسسات الحساسة وخاصة المناصب الأمنية، ولكن دون جدوى حيث عانى المكون السني من التهميش والاقصاء وخاصةً في القرار الأمني من خلال عدم أسناد أيً من المناصب الأمنية العليا في وزارتي الداخلية والدفاع لشخصيات من المحافظات الشمالية والغربية، وقد ضرب مثلاً إن هناك أكثر من (128) قائداً للشرطة في منصب مدير عام فما فوق منهم (7) فقط من المكون السني، وما الحراك الشعبي الذي خرج عام 2013 الّأ للمطالبة بأنهاء التهميش والاقصاء والظلم وإعادة التوازن المفقود في مؤسسات الدولة والشراكة في القرار، فإذا كان رئيس مجلس النواب ومن معه من نواب فشلوا في أعادة التوازن في المؤسسات فكيف سيقوم الجندي المكلف بأداء خدمة العلم وإعادة التوازن!؟، هذا تفكير غريب.

اليوم نسمع بأن هناك من يقول بأن الحشد الشعبي أو الإطار التنسيقي يرفض إقرار هذا القانون لأنه يتعارض مع أجندته، ويؤثر على نفوذه في مؤسسات الدولة، وهنا نسأل ما هي أجندة الإطار التنسيقي والحشد الشعبي والذي تعتبره هذه القوى أهم مما تقره الحكومة في سياستها الداخلية والخارجية؟، والسؤال الى متى تبقى هذه القوى تتحكم بمؤسسات الدولة وقراراتها؟، و هل ستقبل هذه الميليشيات بزج عناصرها داخل المؤسسة العسكرية وكيف؟، وما هي العقبات لديهم والتي تتنافى مع تمرير هذا القانون؟، ولكي لا أخوض كثيراً في التفسيرات أقول بأن إيران هي من ترفض تمرير هذا القانون وليس التابعين لها في العراق، لأن إيران لا تريد إن يكون هناك عراق قوي وقادر على الدفاع عن نفسه من خلال بناء مؤسساته الأمنية والعسكرية بدون تدخل خارجي، لأن ذلك سيكون على حساب النفوذ الإيراني والتابعين له، بالأضافة الى إن واشنطن والكيان الصهيوني لا يريدون للعراق أن ينهض مرة أخرى، علماً بأن فشل الطبقة السياسية الفاسدة في قيادة وإدارة الدولة طوال الفترة الماضية وتبعيتها للخارج يجعلها غير قادرة على أنجاح مثل هذه القوانين حتى لو أردت ذلك، علماً بأن النوايا قد تكون سليمة ولكن الأداء سيء لذا هناك فقدان للثقة بهذا الطبقة السياسية الحاكمة وميليشياتها المسلحة، علماً بأن من يحكم الحكومة اليوم هو الإطار التنسيقي التابع لإيران.

لا شك بأن طرح هذا القانون يحتاج الى إصدار تشريعات قانونية، كما يحتاج الى قدرات مالية ولوجستية تشمل بناء البنى التحتية لتنفيذ هذا القانون، والتي تشمل بناء واستحداث دوائر للتجنيد، ومراكز تدريب، ومدارس قتال، ومعسكرات للإيواء، بالإضافة الى كوادر تدريبية وفنية، وأدوات ومعدات ومستلزمات حديثة للتدريب، لكي تفي بالغرض الذي أنشأت من أجله هذه المؤسسات، ناهيك عن تهيئة الملابس، والتجهيزات، والأرزاق، والعجلات، وتخصيص الرواتب، وهذا كله يتطلب تخصيصات مالية كبيرة، بالوقت الذي لا يعاني فيه الجيش من نقص في القدرات العسكرية البشرية، وإنما تعاني القوات المسلحة من إشكاليات تنظيمية، تسليحية كبيرة أثرت على بناء وتنمية قدراتها العسكرية والأمنية، كما أنها تعاني من الطائفية، والاهواء السياسية والشخصية، والولاءات الخارجية، وتفتقر الى بناء قوات بحرية متطورة، والى منظومات دفاع جوي قادرة على مراقبة الأجواء العراقية والدفاع عنها، ناهيك عن القوة الجوية التي تحتاج الى تطوير وتحديث وزيادة أعداد الطائرات بأنواعها المختلفة، وتنوع مصادر استيرادها على ما هو موجود حالياً، لذا فبدل صرف هذه الأموال لتنفيذ قانون الخدمة الإلزامي يمكن صرفها على تحديث وبناء الجيش العراقي.