الباحث: حسين صالح السبعاوي
منذ أن تولى رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني في ٢٧ تشرين الأول من العام الحالي أجرى مجموعة تغييرات واسعة في المناصب الحكومية وخاصة في المناصب الأمنية منها، إضافة لتغيير أصحاب الدرجات الخاصة ورؤساء الهيئات، ومن أبرز التغييرات التي قام بها السوداني إلغاء كافة القرارات التي صدرت عن سلفه مصطفى الكاظمي المتخذة بعد الانتخابات الأخيرة التي جرت في ١٠ تشرين الأول ٢٠٢١ على اعتبارها حكومة تصريف أعمال ولا يحق لها إصدار مثل تلك القرارات، وهذا يعني عمليا إجراء سلسلة كبيرة من الإعفاءات لمسؤولين حكوميين وقادة أمنيين، إضافة إلى مسؤولين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ومن الممكن أن يقوم بإجراء تغييرات أخرى بعد الانتهاء من هذه الوجبة، وهذا يعزز دور عودة “الدولة العميقة” التي أنشأها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي عندما تولى رئاسة الوزراء خلال دورتين انتخابيتين من فترة ٢٠٠٦ إلى ٢٠١٤، ونعني بالدولة العميقة جميع المسؤولين من وكلاء الوزراء، ورؤساء الدوائر، والقادة الأمنيين، والمدراء العامين وبقية الدرجات الخاصة. سيما أن جميع المسؤولين الذي جاء بهم الكاظمي الآن ومن تولى المسؤولية خلال الثلاث سنوات الماضية هم قريبين من التيار الصدري أو قريبين من الكاظمي المقرّب من الولايات المتحدة.
ومن أبرز الشخصيات التي أقيلت بقرارات السوداني:
رئيس جهاز الأمن الوطني مهند نعيم
رئيس جهاز المخابرات رائد جوحي
قائد الفرقة الخاصة المكلفة بحماية المنطقة الخضراء الفريق حامد الزهيري
أمين العاصمة عمار موسى
رئيسة هيئة الاستثمار التي طلب منها تقديم استقالتها بدل الإقالة
كما أقال أغلب المسؤولين في مكتبه، ومن أبرزهم مشرق عباس المستشار السياسي لرئاسة الوزراء، والمستشار العسكري محمد البياتي الذي عيّن محله عبد الكريم السوداني.
وقد بلغ عدد الشخصيات المشمولة بالتغيير ١٦٩ مسؤولا من بينهم محافظين ومستشارين ورؤساء أجهزة أمنية وقادة عسكريين.
كل هذه التغييرات ممكن حدوثها في حال هناك حزبين أو ثلاثة يتنافسون على السلطة في ظل نظام ديمقراطي يكون الفائز في الإنتخابات هو من يشكل الحكومة والخاسر يكون في المعارضة، لكن في العراق الأمر مختلف تماما للأسباب التالية:
١- لا يوجد في العراق حزبين يتنافسون على السلطة، بل هناك أكثر من مائة حزب وجماعة قد شاركوا في الإنتخابات الأخيرة، ولا يوجد أي حزب حصل على المقاعد التي تؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده.
٢- لم يكن الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء هو الفائز في الإنتخابات، بل العكس. ” تيار الفراتين” الذي يرأسه السوداني كان من الأحزاب الخاسرة ولم يحصل سوى على مقعد واحد فقط وبعد انسحاب الصدر من البرلمان ارتفع عدد نواب حزبه إلى ٣ نواب، ولو لا انسحاب التيار الصدري الفائز في الإنتخابات والحاصل على ٧٣ مقعدا لما إستطاع السوداني أن يتولى السلطة.
٣- جميع من عينهم رئيس الوزراء هم من حزب الدعوة أو من المقربين إلى نوري المالكي، وهذا يثبت أن الهدف من هذه التغييرات هو إبعاد من جاء بهم الكاظمي وكثير منهم مقربون من التيار الصدري.
٤- النظام في العراق مبني على المحاصصة أو ما يسمى بـ”التوافقية” وهذا الذي كان ينادي به جماعة الإطار التنسيقي عندما حاول التيار الصدري وحلفائه تشكيل حكومة أغلبية.
٥- هناك ازدواجية في إلغاء القرارات الصادرة من الحكومة السابقة بعد تشرين ٢٠٢١، فمثلا الاتفاق مع كردستان حول موضوع النفط والذي أبطلته المحكمة الإتحادية، لم يتطرق إليه السوداني.
أعتقد أن ما قام به السوداني هو محاولة للسيطرة على جميع مؤسسات الدولة وعودة ما يعرف “بالدولة العميقة” وإقصاء الآخرين، سيما إذا عرفنا أن السوداني قد تعهد بإجراء انتخابات مبكرة، فأراد من خلال هذه التغييرات السريعة توجيه ضربة استباقية من أجل تأمين هيمنة حزب الدعوة على مؤسسات الدولة لتمكنه من الفوز في الإنتخابات القادمة كما حصل في إنتخابات عام ٢٠١٠ وانتخابات ٢٠١٤ الذي فاز بها المالكي في عدد كبير من المقاعد النيابية.
إن التغييرات التي حدثت لم تتوقف على رئيس الوزراء، بل امتد هذا النهج لأغلب الوزراء التابعين للإطار التنسيقي وحزب الدعوة، حيث لاحظنا كيف بدأ هؤلاء الوزراء حملة تغييرات واسعة داخل وزاراتهم، شملت وكلاء الوزراء ومدراء عامين وكبار الموظفين داخل الوزارة، كذلك ما قام به محسن المندلاوي نائب رئيس مجلس النواب من تشكيل ٤ لجان برلمانية تشمل كل من المالية والقانونية والنزاهة والإستثمار لغرض مراجعة القرارات التي صدرت عن حكومة الكاظمي بعد ١٠ تشرين ٢٠٢١.
أيضا هناك تخوف من أن تمتد هذه الإجراءات لتشمل شخصيات دينية وشيوخ عشائر من غير الموالين لحزب الدعوة من خلال إثارة ملفات سابقة وتهم كيدية من أجل اعتقالهم، وقد ذهب بعض المقربين من التيار الصدري أبعد من ذلك وذكر بأن الإطار التنسيقي ينوي محاسبة الكاظمي وحكومته بحجة الفساد، وأيضا استهداف زعيم التيار الصدري من خلال عملية أمنية كالتي نفذها المالكي عام ٢٠٠٨ في مدينة البصرة التي سميت “صولة الفرسان” استهدف فيها جميع أتباع الصدر.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن من استهدفتهم قرارات السوداني لا يعني بالضرورة أنهم غير متهمين بالفساد، فالفساد سمة واضحة عمّت جميع مؤسسات الدولة، لكن الغاية من الاستهداف هو الإقصاء والهيمنة على كامل مؤسسات الدولة.
ومن أساليب حزب الدعوة استخدام الدستور والقوانين لإستهداف الخصوم، بينما هو وحلفاؤه أكثر من انتهك الدستور والقوانين خصوصا فترة حكم نوري المالكي.
مقال خاص براسام

