الباحث/ أحمد عيد
أثار مشروع قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي الجدل بعد تصويت مجلس النواب في العراق على فقرات وبنود هذا المشروع الذي يسمح للحكومة بتحويل أموال الدولة العراقية من فائض إيرادات النفط بحجة الدعم العاجل للأمن الغذائي، على الرغم من قرار المحكمة الاتحادية في وقت سابق بعدم دستورية هذا القانون، إلا أن التصويت عليه جاء بإرادة سياسية خالصة بعيدا عن الطريقة القانونية والدستورية التي كان من المفترض اتباعها والعمل بموجبها.
عند دراسة فقرات هذا القانون، يتبين أنها تفتح المجال لتبويب منافذ جديدة من أبواب وشبهات فساد، كما تُعد حلاً لصراعات سياسية وحزبية أكثر مما هي حل اقتصادي ينتشل العراق من فوضى وتراكمات وأخطاء السياسة الاقتصادية التي يعاني منها البلد منذ سنوات طويلة. ففي إحدى فقرات بنود الصرف في هذا القانون لوحظ تخصيص مبلغ 25 تريليون دينار عراقي (17.14 مليار دولار) لشراء القمح والأرز والغاز والطاقة ودفع الرواتب!! في حين أن هذا المبلغ لا يغطي نفقات شراء وسداد ديون الغاز الإيراني المترتبة على العراق، وشراء المواد الغذائية وتوفير فرص العمل وتسديد مبالغ انتاج النفط، بالإضافة إلى عدم إتاحة فرص التنمية التي يحتاج إليها البلد خلال عام واحد.
برر مجلس النواب تصويته على مشروع هذا القانون بأنه جاء بعد انتهاء نفاذ قانون الموازنة، وخلق فرص العمل وتعظيم استفادة العراقيين من موارد الدولة ودفع عجلة التنمية واستئناف العمل بالمشاريع المتوقفة والمتلكئة بسبب عدم التمويل والسير بالمشاريع الجديدة ذات الأهمية.
في حين يتساءل المواطن العراقي، أين هي التنمية وتوفير فرص العمل، هل قرار التعاقد مع 1000 خريج عاطل عن العمل في كل محافظة من بين عشرات الآلاف وبراتب شهري بقيمة 200 دولار لكل موظف متعاقد معه هو حل لمشكلة البطالة وخلق فرص التنمية والعمل؟!
فالتصويت على صرف مبلغ 300 مليار دينار بحجة إعادة المفصولين الذي جاء (هدية) للإطار التنسيقي الذي كان يعارض تماماً تشريع هذا القانون بهدف الترضية والتسوية السياسية بعيداً عن واقع الحال الذي يعيشه العراق، وما يشهده من فقر وبطالة حقيقية واخرى مقنعة، بالإضافة إلى الترهل الوظيفي الذي تعيشه جميع مؤسسات الدولة.
عدا ذلك فإن هذا القانون يتحدث عن الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية، إلا أن تفاصيله تشير إلى مجالات مختلفة تماماً، في الوقت الذي كان يجب أن تركز فيه على الأمن الغذائي وتوفير الخزين الاستراتيجي من المواد الأساسية والحبوب، مثل الحنطة، الشعير، الرز والعدس وبناء “صوامع” خزن جديدة تتيح المجال لخزن أكبر كمية ممكنة من الحبوب لسنة كاملة على أقل تقدير.
وما يثير الشك هو أن هذا القانون جاء مقتضبا خاليا من التفاصيل القانونية التي تتناسب مع اسمه مما يتيح المجال للاجتهاد في تبويب صرف أكثر من 17 مليار دولار، فضلاً عن عدم تضمنه أي شيء يتعلق بفرض الرقابة المالية على المخصصات المالية وهو ما قد يشكل إخلالا بالأسس التشريعية للقوانين، حسبما أكده مختصون في القانون.
وفي إحدى اللقاءات الصحفية كشف أحد أعضاء اللجنة المالية في البرلمان العراقي أنهم كذبوا على الشعب من خلال التصويت على هذا القانون، وفضح قيام هيئة رئاسة البرلمان بإلغاء فقرة تثبيت المحاضرين بالمجان الذين يعملون ضمن كوادر وزارة التربية منذ سنوات. وهذا يؤكد أن هذا القانون يعزز مبدأ الفساد ويؤطر مفاهيم الاختلاس بطرق مُشرعنة ضمن قوانين وتشريعات يتحكم بها أشخاص بدوافع سياسية وتراضي حزبي بعيداً عن المصلحة الوطنية.
ومن هنا نجد أن ما تم تخصيصه في هذا القانون لا ينسجم مع مضمونه وعنوانه، وأن أهداف القانون الرئيسية وما خصص للغذاء ضمن بنوده وفقراته “الركيكة” لا يتعدى الـ 25 بالمائة من المبلغ الكلي الإجمالي.
ويبقى السؤال الأهم، لماذا يصوت البرلمان العراقي بكامل أعضاء الإطار التنسيقي والتحالف الثلاثي الذي يقوده مقتدى الصدر على قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية، لكنهم يختلفون على تشكيل الحكومة وإقرار موازنة الدولة التي تعد أكثر أهمية من قانون الدعم الطارئ؟ والجواب هو أن اتفاق الإطار التنسيقي مع التيار الصدري على قانون الدعم الطارئ كان متوقعا، فالخلاف بين الطرفين أو اتفاقهم يأتي ضمن المجالات التي تخرج بفوائد المالية، لأن جميع الأحزاب لديها شركات ومكاتب اقتصادية، استطاعت من خلال هذا القانون ضمان مكتسبات مالية وعقود صرف آنية لشركات استثمارية تعمل لصالحها، كما يمكن تبويب الأموال بالشكل الذي يتناسب معهم، فيرضي كلا الطرفين، وما ننتظره هو تقاسم كعكة الحكومة الجديدة من خلال توزيع المناصب والوزارات والمناصب السيادية بنفس آلية المحاصصة التي أعتاد عليها العراق منذ سنة 2003.

