إن الحكومة المدنية العراقية في أكثر مراحلها هشاشة منذ عام 2003. إذ يواجه رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي مجموعة مرعبة من التهديدات، حيث تهاجم ميليشيا “الحشد الشعبي” بوقاحة وتهدد الكاظمي وحكومته.

في 6 يوليو/ تموز الماضي قتل مسلحون في بغداد هشام الهاشمي مستشار الكاظمي في الشؤون الأمنية بعد تلقي تهديدات بالقتل من الميليشيات، جاءت وفاة الهاشمي وسط سلسلة من عمليات القتل الأخرى لشخصيات عامة تنتقد الميليشيات وأعمالها تجاه الاحتجاجات المستمرة ضد الفساد الحكومي والخلل الوظيفي.

في غضون ذلك، استولت الميليشيات المعادية علنا ​​لحكومة الكاظمي على المباني الحكومية الرئيسة في قلب بغداد، إن حقيقة كون هذه الميليشيات جزءًا ظاهريًا من القوات المسلحة العراقية يجعل الوضع يبدو وكأنه انقلاب بطيء الحركة، حيث تواجه حكومة الكاظمي احتمال الإطاحة بها. ويزيد الأزمة العنف في شوارع بغداد والمدن الأخرى، ومؤخرا زاد الطين بلة هو الوباء العالمي وتضاؤل ​​الموارد المالية للعراق بسبب انخفاض أسعار النفط.

ليس من الصعب تخيل الأسوأ بالنسبة لحكومة الكاظمي. فقد يتم قتل الكاظمي نفسه أو أسره أو طرده من بغداد على يد الميليشيات المعادية التي تتربص حول مكاتبه. ويمكن لهذه الميليشيات نفسها، التي يرتبط الكثير منها بإيران، أن تعلق أو تحلّ البرلمان بسهولة.

إن الحكم المدني في العراق سينتهي فعليًا، مع تسليم السلطة لمن يمكن أن يظهر كزعيم موحد لمختلف الميليشيات، التي تشتتت بشكل متزايد منذ أن اغتالت الولايات المتحدة الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.  إلا أن وفاة المهندس، قائد ميليشيا “الحشد الشعبي” وزعيم ميليشيا تدعى كتائب حزب الله، قد أدت إلى تفاقم الاقتتال الداخلي بين الميليشيات، وهذا يعني أنه لا يوجد بديل واضح للقيادة المدنية المتفق عليها بين الفصائل التي قد تؤدي إلى إسقاط الكاظمي.

إذا كانت حكومة الكاظمي على وشك الانهيار في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فستواجه واشنطن خيارًا صعبًا – احفظه أو اتركه يسقط -.  إن سياسة دعم الولايات المتحدة الحالية للحكومة المدنية في بغداد، تحت حكم الكاظمي أو أي زعيم عراقي آخر، تشير بشكل أساسي إلى تدخل شبه تلقائي. يبلغ عدد القوات الأمريكية في العراق نحو 5200 جندي، وهو ما يكفي لتأمين المركز الحكومي في بغداد والحفاظ على الوجود المادي للكاظمي وإدارته حتى لو كانت السلطة السياسية الحقيقية تقع في مكان آخر.

من المرجح عودة المزيد من القوات الأمريكية إلى العراق إذا تم استخدام القوات الحالية للحفاظ على الحكومة في مواجهة تهديدات الميليشيات، وهو ماسيؤدي بلا شك إلى سلسلة من المواجهات الدموية التي ستشبه أيام الاحتلال الأمريكي. إذا سُمح لحكومة الكاظمي بالسقوط، فمن المرجح أن يشهد العراق نوع الفوضى التي عصفت بليبيا في السنوات الأخيرة، حيث تقاتل عدة فصائل مسلحة بعضها البعض لفترة من الزمن أثناء فراغ السلطة. إن نهاية هذا السيناريو غير واضحة، ولكن من المحتمل أن تنطوي على قيام إيران بتنسيق تحالف من قوات الميليشيات التي يمكن أن تفرض بعض السيطرة على بغداد وجنوب العراق.

ولا تجذب أي من هذه الاحتمالات أي شخص يريد أن يرى للعراق مستقبلًا أكثر إشراقًا. إن فكرة ترك العراق ينحرف نحو الفوضى من دون جهد أمريكي قوي لوقفه ستعد غير أخلاقية من وجهة نظر الكثيرين. ومع ذلك يجب أن تكون واشنطن مستعدة للامتناع عن المزيد من التدخل في العراق.

إن دعم أي حكومة مدنية في العراق من قبل القوات الأمريكية في هذه المرحلة يعني العودة إلى مستنقع الاحتلال. علاوة على ذلك، لا توجد حكومة مدنية لديها أمل كبير بالبقاء في العراق، بدعم أو بدون دعم أمريكي. إن ديناميكيات السلطة التي تترك الكاظمي في الوقت الحالي ضعيفا جدا تتجاوز قدرة واشنطن على التغيير.

لقد قامت إيران ووكلاءها من الميليشيات بتفريغ الدولة العراقية بشكل فعال بعد أن أصبحت قوة المعركة الرئيسة في الصراع الوجودي ضد تنظيم الدولة الإسلامية. لقد كانت عدم كفاءة الحكومة العراقية في التعامل مع تهديد التنظيم واضحة تمامًا عندما خسرت مساحات شاسعة من الأراضي، واستعادتها لاحقا إلى حد كبير بسبب القتال البري الذي قامت به ميليشيا الحشد الشعبي بدعم إيراني علني. دفعت هذه القضية الحكومة العراقية إلى محاولة حشد الشرعية أمام الشعب العراقي، الذي لا يمكن أن تكون مشاعره أكثر وضوحا. تعكس الاحتجاجات المستمرة في الشوارع خيبة أمل عميقة من النظام السياسي العراقي والذي يحاول المسؤولون الحفاظ عليه.

لقد أظهر الاقتراع الأخير الذي قامت به شبكة WVS احباطا واضحاً لوجهات نظر العراقيين تجاه النظام السياسي على مدى السنوات الثلاث الماضية. فالثقة في الحكومة، التي لم تكن عالية أبدًا، تتدهور، حيث يقول أكثر من نصف العراقيين أنهم لا يثقون في الحكومة على الإطلاق. ونسبة 84% من العراقيين يقولون إنهم لا يثقون في البرلمان. وما يقرب من 80 بالمائة من العراقيين لا يثقون في الانتخابات. وفي علامة واضحة للغاية، ارتفع الدعم لوجود زعيم قوي غير معين عن طريق الانتخابات أو البرلمان إلى 66 في المائة. إن هذه ليست سوى بعض المؤشرات من المسح الذي يعكس طبيعة وجهات النظر العراقية التي عبر عنها المتظاهرون بقوة في الشوارع. وببساطة، يشعر معظم العراقيين بأن حكومتهم سيئة للغاية ولايمكن إصلاحها، بسبب الفساد وعدم الكفاءة والخضوع لواشنطن وطهران.

الحقيقة المحزنة هي أنه لن تكون لأي حكومة مدنية، سواء كانت حكومة الكاظمي أو أي حكومة أخرى، شرعية أو قدرة كبيرة على تحمل التحديات السياسية من مراكز القوة التي يسيطر عليها رجال الدين والميليشيات والعناصر الإيرانية. ولن يغير من ذلك التدخل الأمريكي.

بالطبع، قد تستمر حكومة الكاظمي، وتتغلب على الصعوبات القاتمة التي تواجهها. وعلى الجميع أن يأمل ذلك. من الناحية النظرية يمكن للحكومة المدنية أن تستمر، وتعمل على تخفيف التوترات مع الميليشيات المعادية وحتى إيجاد طرق لدمجها في ائتلاف حكومي رسمي. وبهذه الطريقة يمكن للحكومة المدنية كبح تهديداتها السياسية واستعادة بعض شرعيتها. وهذا هو حقا أفضل احتمال للحكم المدني في العراق في هذه المرحلة، تقاسم السلطة مع الميليشيات الخاضعة لسيطرة إيران.

هذه الفكرة تثير غضب الكثيرين في واشنطن، ولكن بصراحة أي شخص في واشنطن يعتقد أن لديه القدرة على تحقيق نتيجة أفضل من حيث معاملة بغداد بشكل أوثق مع الولايات المتحدة هو واهم.

إذا حدث الأسوأ، فسوف يتوقف رد الولايات المتحدة على توقيت ونتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة. ومن غير المحتمل أن يطبق أحد في إدارة ترمب عملية صنع قرار تدرس على مستويات عالية إذا ظهرت مثل هذه الأزمة من الآن حتى يناير/ كانون الثاني. إن آلية التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط ستدير نفسها بشكل فعال، بعد اتباع روتين مألوف من الضربات الجوية، ونشر القوات وما شابه ذلك لإنقاذ النظام الفاشل الذي عملت بجد على إنشائه.

إذا انهارت حكومة الكاظمي و ترمب خارج منصبه، فإن إدارة بايدن ستكون لديها قدرة أفضل على مشاورات صعبة بشأن الرد الأمريكي. لكن الأمر سيستغرق عملا غير عادي من الإرادة السياسية من جانب الرئيس وفريق الأمن القومي لتحمل الضغوط للتدخل في مثل هذا السيناريو.  إلا أن هذا ليس مستحيلاً. فلقد سبق وتمكن الرئيس أوباما من كبح الاندفاعات الأمريكية للتدخل في سوريا لسنوات على الرغم من الضغوط الهائلة الداعية لمشاركة الولايات المتحدة.. لكن لا شيء أقل من هذا الالتزام بعدم التدخل في العراق سيمنع الولايات المتحدة من جولة أخرى من القتال العقيم في قلب الشرق الأوسط.

 

ريسبونسبل ستيت كرافت / مارك كوكيس

ترجمة وتحرير