الباحث: حسين صالح السبعاوي
بدأت بعض القوى السياسية تنادي بحل مجلس النواب الذي لم ير النور أصلا، والذي عجز عن تشكيل حكومة رغم مرور ثمانية أشهر على إعلان نتائج الانتخابات، ورغم إصدار أكثر من عشر مبادرات من قبل القوى السياسية سواء من التيار الصدري أو من قوى الإطار التنسيقي لكن جميع هذه المبادرات لم تغير شيئا من الواقع السياسي المتأزم، كذلك تجاوز المجلس المدد القانونية في اختيار رئيس للجمهورية واختيار الكتلة الأكبر لتكليفها بتشكيل الحكومة، فظهرت دعوات حل البرلمان والذهاب لانتخابات أخرى مبكرة لعلها تكون حلا للإنسداد السياسي الحاصل في العراق، وقد نسي أصحاب هذه الدعوات بأنه لا علاج للمشكلة العراقية طالما هذه الأحزاب تتصدر المشهد السياسي، وهي التي أوصلت العراق إلى حافة الهاوية سواء سياسيا أو أمنيا أو اقتصاديا، فكل شيء في العراق مهدد بالإنهيار بسبب سوء الإدارة والأداء، وما دعوات حل المجلس إلا هروب من أصل المشكلة التي أصبحت مزمنة ولا يمكن معالجتها .
بعض التساؤلات تطرح نفسها على من يطالب بحل البرلمان :
١- أليست الانتخابات التي جرت في تشرين ٢٠٢١ كانت انتخابات مبكرة بسبب الأزمة السياسية وضغط انتفاضة تشرين على الحكومة مما اضطرها بتعجيل موعد الانتخابات؟
٢- ألن تفرز أي انتخابات مبكرة دخول نفس الأحزاب إلى البرلمان؟ وبناء على إقرار المحكمة الاتحادية ما يسمى بالثلث المعطل أفلا يكون الخاسر الجديد ممارسا للثلث المعطل؟ ما يعني استمرار الانسداد السياسي .
٣- هل تستطيع المفوضية العليا للانتخابات منع المليشيات من المشاركة؟ أو تحظر كافة الأحزاب ذات الأذرع المسلحة من المشاركة؟ علما أن الدستور العراقي وقانون الانتخابات ينصان على هكذا حظر.
٤- ألم يكن المال السياسي الفاسد وشراء الذمم وتهديد الناخبين حاضرا في جميع الانتخابات التي مضت، فهل سيغيب عن القادمة؟
٥- إذا كانت الأغلبية الساحقة من الشعب قد قاطعت الانتخابات الماضية، ماذا لو امتنع الجميع – ما عدا أعضاء الأحزاب وذويهم – هذه المرة؟
٦- أليس قرار الذهاب للانتخابات المبكرة يحتاج إلى تصويت الأغلبية عليه، بعدما يقدم ثلث أعضاء المجلس طلبا بإعادة الإنتخابات أو طلبا لحل المجلس؟
إن الدعوة لانتخابات مبكرة هي دعوة ميتة قبل أن تولد، ولن تكون هي الحل لمشاكل العراق طالما هذه الأحزاب نفسها هي التي تتحكم بالشأن السياسي، فالعراق بحاجة إلى تغيير شامل وليس لانتخابات مبكرة، سيما أن الشق أصبح كبيرا ومتهرئا، بل باتت العملية السياسية تعيش حالة موت سريري، وأعتقد أن المجتمع الدولي قد أدرك بأن العراق بحاجة إلى تغيير سياسي، لذا فإنه يتم في مكان ما طبخ عملية التغيير، بغض النظر عن نوع هذا التغيير، لكن أي تحرك دولي من هذا النوع سوف لن يلقى ترحيبا من قبل أغلبية الشعب ما لم يتضمن تطلعاته في تأمين حياة كريمة في ظل وطن ذي سيادة لا يقصي أحدا من أبنائه.
الجدير بالذكر أن النظام البرلماني في جميع دول العالم يعتمد على ركيزتين أساسيتين هما أغلبية سياسية حاكمة، وأقلية سياسية معارضة. والبرلمان يتفقد هاتين الركيزتين، لأن الجميع يريد أن يحكم سواء الأغلبية الفائزة أو الأقلية البرلمانية الخاسرة، وهذا الأمر لا يستقيم أبدا، لأن الركيزة الثانية من النظام البرلماني قد غاب وهي المعارضة، فما قيمة حل البرلمان والذهاب لانتخابات أخرى مبكرة والجميع يرفض ممارسة دور المعارضة؟
أهم العوامل التي أدت إلى الإنسداد السياسي في العراق وعدم تشكيل حكومة رغم مرور ثمانية أشهر على إجراء الانتخابات:
العامل الخارجي: ويتمثل برفض الدور الإيراني من قبل الشعب العراقي مما أدى إلى خسارة حلفائها التقليديين في العراق مما أثار حفيظة إيران فصارت عائقا أمام أي تشكيل حكومة بدون مشاركة حلفائها.
العامل الداخلي: وهي انتفاضة تشرين عام ٢٠١٩ التي جاءت بمشروع وطني يرفض الطائفية والمحاصصة الحزبية مما أدى إلى إسقاط حكومة عادل عبد المهدي والذهاب لانتخابات مبكرة لعلها تخفف من الضغط الشعبي الرافض للعملية السياسية في العراق.
مآلات حل البرلمان الحالي :
إذا ما قررت القوى السياسية حل البرلمان والذهاب لانتخابات أخرى مبكرة، فإنها – حسب اعتقادي – ستواجه مقاطعة أكبر من مقاطعة الانتخابات التي سبقتها، لأن الشعب قد أدرك بأن اي إنتخابات في ظل هذه الأحزاب لن تكون هي الحل، لأنه قد جربت عدة إنتخابات وبقي الوضع العراقي يسير من سيء إلى أسوء، ولاسيما أن المجرب لا يجرب.
من المرجح عودة انتفاضة تشرين إلى الساحات والميادين وبأسلوب أقوى وأشد من السابق وبآليات عمل جديدة مختلفة عن السابق، سيما أن ما يسمى بالمستقلين قد نكثوا بعهودهم وانحازوا إلى القوى السياسية التقليدية الحاكمة. كما أنه من المرجح حدوث صدام مسلح بين القوى السياسية من التي تمتلك أذرع عسكرية مثل جماعة الإطار التنسيقي والتيار الصدري، عنده سوف تعم الفوضى في البلاد وسوف تذهب الأمور نحو مجهول لا يمكن حسمه إلا بتدخل دولي مباشر.
علاج الأزمة العراقية :
العراق يحتاج إلى تغيير سياسي يضمن حق الشعب العراقي في العيش بكرامة، وقد أصبح هذا التغيير ضرورة وطنية دون الحاجة لإعادة الانتخابات التي سوف يتصدرها نفس القوى السياسية التي كانت وما زالت جزءا من المشكلة ولن تكون يوما ما جزءا من الحل.
أي تغيير قادم لابد أن يعيد الهوية الوطنية التي غيبتها الأحزاب السياسية الحاكمة واعتمدت على الطائفية في إدارتها للدولة العراقية، ولا يمكن إعادة الهوية الوطنية من خلال الشعارات بل لابد من مشروع وطني تتفق عليه القوى السياسية مع إسناد شعبي كبير، وليس أمام المجتمع الدولي إلا قبول هكذا تغيير.
مقال خاص براسام

