أي شخص كان يبلغ سن الوعي في تلك الفترة يعرف القصة جيدًا. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي لحظة من “الأصولية المسيحية” التي انتابته، استغل الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش – الأب – غضب الرأي العام الأمريكي بشأن الهجمات الإرهابية، ليتمكن من الحصول على تفويض قانوني من الكونغرس لاستخدام القوة العسكرية ضد العراق عام 2002.
وعلى الرغم من أن العراق لم يكن يملك يدًا في هجوم 11 سبتمبر الذي قتل فيه الآلاف من الأمريكيين، لكن بالنظر للمسيحية المتطرفة التي كان يعتنقها بوش، بدأ الرئيس الأمريكي باجتياح العراق في أوائل عام 2003. وبسبب افتراءات وأكاذيب، أزهقت أرواح الملايين من العراقيين، ولا تزال مستمرة.
وبدلًا من استغلال سلطته لتمرير قانون يحاسب بوش وشركاءه بسبب الحرب العدوانية التي شنها وجرائم الحرب التي ارتكبها، اكتفى الكونغرس بإلغاء مشروع القانون الذي بدأ به كل شيء.

جرائم الحرب الأمريكية تبقى دائمًا دون إجابة
من المثالية أن نأمل بأن تحاسب الولايات المتحدة الأمريكية قادتها السياسيين بسبب جرائم الحرب، وهي التي نصبت نفسها كحارسة للديموقراطية. هذا ليس نداءً للمثالية، لكن محاولة لتسليط الضوء على بؤرة النفاق المتفشية في أمريكا.
وبشتى المعايير الموضوعية، فلا يمكننا أن نشك في أن ما ارتكبته إدارة بوش في العراق هو عدوان صارخ، وجريمة دولية معترف بها، خاصة بموجب نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية ICC.
البيت الأبيض كان كاذبًا في عهد بوش بشأن أسلحة الدمار الشامل في العراق. كما كذبوا بشأن علاقة صدام حسين بالقاعدة وجماعات متطرفة أخرى. كما أن حلفاءهم البريطانيين – الذين يعتبرون حجر أساس العالم الديموقراطي – ساعدوا وحرضوا على هذا الخداع عبر ما أصبح معروفًا باسم “الملف المراوغ”. قبل أن يقوموا بالاشتراك مع حلفاء آخرين في الناتو من أجل شن غزو مدمر لدولة ذات سيادة.
خلال احتلال العراق، ارتكبت الولايات المتحدة جرائم مروعة ضد الإنسانية. فمن ذا الذي سينسى المشاهد المروعة التي تسربت من (سجن أبو غريب) حيث تعرض العراقيون للاغتصاب ثم التبول عليهم؟ أو وحشية الكلاب، والصعق بالكهرباء؟
ومن يستطيع أن يمحو من ذاكرته وحشية القوات البريطانية التي اعتقلت آلاف الأبرياء في البصرة قبل أن تضربهم حتى الموت؟ وبفضل ويكيليكس، أصبح لدينا الآن سجل دائم لأحداث “الإعدام الجماعي” التي أدت لمقتل أكثر من عشرة عراقيين وصحفيين من رويترز.
ورغم كل هذه الحقائق، ورغم كل الهراء الذي نسمعه ليل نهار بشأن احترام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لحقوق الإنسان، وتمسكهما بالقانون الدولي، إلا أنه لا أحد واجه أي اتهامات تذكر، أو مثولوا أمام محكمة تحاسبهم عن دورهم في تدمير بلد كامل، وأجيال كاملة، بمن فيهم أطفال العراق الذين يعيش الكثير منهم باستمرار مخاوف الحرب وعنف الميليشيات والتدخل العنيف المستمر من قبل كل من الولايات المتحدة وإيران.
أما على الصعيد الدولي، فلم يحرك أحد ساكنًا، لأن – بكل بساطة – المحرضين الرئيسيين هم أعضاء دائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ويمكنهم استعمال حق الفيتو في أي قرار لا يخدم مصالحهم. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من كون بريطانيا أحد الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، وإقرار المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب بريطانيا لجرائم حرب في العراق، إلا أن ذات المحكمة رفضت مقاضاة أو اتخاذ إجراء في حقها.
أما الولايات المتحدة، فقد استغنت عن الإجراءات الشكلية وانسحبت من نظام روما الأساسي، كما أنها تمتلك الحصانة من إحالتها لأي تحقيق أو محاكمة، مستفيدة من حق الفيتو الذي تتمتع به.

السياسة والمحاكم الداخلية الأمريكية: الملاذ الوحيد
وعلى أساس ما سبق، فمن الواضح أن الأنظمة القانونية الدولية ليست صالحة لهذه المحاسبة، أو ليست قادرة على ذلك أمام الدول القوية، وإذا أردنا تصديق الخطب المثالية للسياسيين الأمريكيين والبريطانيين حول الديموقراطية ومزاياها واحترامهم لمبادئها الأساسية، فالواجب عليهم أن يحاسبوا نخبهم أيضا.
صحيح أن المحكمة الجنائية الدولية لا يمكنها التدخل في القانون الدستوري لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا، لكن يتمتع مواطنو هذين البلدين، عبر ممثليهم المنتخبين، بصلاحية التشريع على النحو الذي يرونه مناسبًا، إذ يمكنهم بسهولة تمرير قوانين من شأنها أن تحاسب السياسيين بشأن المأساة التي حصلت في العراق، وتجبرهم على المثول أمام محكمة قانونية لمحاسبتهم على جرائمهم.
تخيلوا النموذج العالمي الذي يمكنه أن يحدد من وراء هذا الأمر، تخيلوا مدى حذر أكثر الرؤساء تشددًا في مسيحيته إذا اعتقد أنه سيحاسب يومًا ما بسبب العدوان وجرائم الحرب التي ارتكبها.
لكن بدل ذلك، وعبر تقاعسهم عن العمل، أصبحت الهيئات التشريعية والنخب المتواجدة في هذه الدول القوية تعزز المثل القديم الذي يقول: “القوة تصنع الحق”، لذا لن يتغير أي شيء في ظل غياب دولة قوية ما فيها الكفاية، لتحاسب هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الجرائم، وسيستمرون في نفاقهم والدفاع عن القانون الدولي، أو حتى صياغته على النحو الذي يناسبهم، ثم ممارسة حق الفيتو لنقض ذات القانون عندما يصبح غير صالح لأغراضهم.
وعلى هذا الأساس، فإن إلغاء مشروع قانون عام 2002 لإجازة استخدام القوة العسكرية يصبح غير ذا قيمة، بل حتى البيت الأبيض نفسه يعترف بأن هذا الإلغاء لن يغير شيئًا بشأن التواجد العسكري الأمريكي في العراق.
إلغاء هذا القانون لن يحقق العدالة لأولئك الذين عُذبوا، ولن يعيد القتلى جراء التحالف العسكري المتعطش للدماء من طرف القوى الغربية “المتحضرة”. بل هي مجرد خطوة رمزية للإعلان عن نهاية فصل خاسر في تاريخ إمبراطورية، في وقت يظل الضحايا مجرد حاشية في قصة الإمبريالية الأمريكية.

طلحة عبد الرزاق / تي آر تي وورلد
ترجمة وتحرير: راسام