لقد تناقلت وسائل الأعلام العالمية تحذير مفوض السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي “جوزيف بوريل” من إن مأسات أفغانستان يجب أن تدفع الأوروبيين الى تجهيز أنفسهم بقدرة تدخل عسكري لمواجهة الأزمات المقبلة، وأضاف بأنه يشعر بأسف كبير للطريقة التي سارت من خلالها الأمور في أفغانستان، فلم يسأل أحد الأوروبيين عن رأيهم”، مشيراً الى إن بعض الدول ستطرح تساؤلات على الحليف الأمريكي الذي لم يعد كما قال الرئيس الأمريكي “جو بايدن” يريد خوض حروب الآخرين، وأشار الى إنه ” ليس هناك بديل للأوروبيين، ويجب أن ننظم أنفسنا لمواجهة العالم كما هو وليس كما نحلم به” وأقترح تزويد الاتحاد بقوة تدخل قوامها(50)ألف جندي قادرة على العمل في ظروف مشابهة لمى يجري في أفغانستان، وهناك مناقشات بين وزراء الدفاع حول ذلك، وتابع بوريل قائلاً: “سأزور العراق وتونس وليبيا في سبتمبر/أيلول المقبل مشيراً الى إن الأزمات المقبلة ستكون في العراق ومنطقة الساحل الأفريقي.
التحليل:
لا شك بأن هذه الدعوة من قبل بعض دول الاتحاد الأوروبي هي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، بسبب السياسات التي تتبعها واشنطن في التعامل مع دول الاتحاد، فتوقيت الدعوة يثير الكثير من التساؤلات حول العلاقات الأوربية-الأمريكية التي أصابها الكثير من العطب في الفترة الماضية، وخاصة في فترة أدارة الرئيس الأمريكي “ترامب”، الذي تفرد في أتخاذ العديد من القرارات دون أن يستشير أحد من دول الاتحاد الأوروبي، علماً بأنه لم يستشير حتى المؤسسات الأمريكية المعنية بهذه القرارات، ومنها الانسحاب من الاتفاق النووي (5+1)مع ايران، وكذلك الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا، والذي استقال على أثره وزير الدفاع الأمريكي “جيمس ماتيس”، لذا فقد كانت دول الاتحاد الأوروبي تأمل أن تكون هناك سياسية خارجية أمريكية جديدة في التعامل مع دول الاتحاد التي تعتبر الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها تفاجأت بالقرار الأمريكي بالانسحاب من أفغانستان دون التنسيق أو التشاور معها في تهميش وتجاوز واضح ومقصود مما يجعل العلاقات الأمريكية- الأوروبية تميل الى التوتر مرة أخرى.
إن الأمر الذي أثار حفيظة دول الاتحاد الأوروبي زاد الطين بلة هو إن دوائر صنع القرار الأمريكي وخاصة الاستخبارية والمخابراتية أخطات وأخفقت في تقدير القوة الحقيقة لحركة طالبان، بعد أن قدرة المدة التي تحتاجها حركة طالبان للسيطرة على البلاد بضمنها العاصمة “كابل” من شهر الى ثلاثة أشهر، ولكنها صدمت بواقع عسكري وأمني وسياسي جديد عندما استطاعت الحركة أن تسيطر على كابل في غضون(20)يوماً فقط، الأمر الذي حول البلاد الى فوضى عارمة، بعد أن تلاشت احتمالات الحرب الأهلية التي كانت تلوح بها واشنطن والكثير من الدول الأخرى، خصوصاً بعد هروب الرئيس الأفغاني الى خارج البلاد واستسلام الكثير من المدن والبلدات الأفغانية بدون قتال بما فيها القوات العسكرية والأمنية، الأمر الذي جعل الكثير من دول الاتحاد الأوروبي تعاني من مشكلة حقيقة في كيفية أجلاء رعاياها وقواتها العاملة في أفغانستان، وما يجري في مطار كابل ومحيطه خير دليل على هذا الارباك والفوضى التي تعم البعثات الدبلوماسية المتواجدة في “كابل”، حيث أصبحت دول الاتحاد في حرج كبير وهي تقوم بأخلاء قواتها وموظفيها الى خارج أفغانستان ضمن المدة المقررة والتي تنتهي في31أب/أغسطس الجاري، وقد طالبت بريطانيا من الرئيس الأمريكي على لسان رئيس وزرائها “بوريس جونسن” تمديد فترة الانسحاب ولكن حركة طالبان رفضت التمديد، الأمر الذي جعل دول الاتحاد تفقد الثقة بحليفها الاستراتيجي الذي أصبح يتخذ القرارات حسب ما تقتضيه المصالح الأمريكية بغض النظر عن مصالح الحلفاء، وهذا ما جرى في ملفات كثيرة ومنها قصف شركة “أرامكو” في المملكة العربية السعودية.
يبدو بأن إطلاق مثل هذه الدعوة لتشكيل هذه القوات قد جاءت كردة فعل على التفرد الأمريكي باتخاذ قرار الانسحاب من أفغانستان دون التنسيق والتشاور مع دول الاتحاد الأوروبي، وهي دعوة للاستهلاك الإعلامي والمحلي، وهي برغاندا إعلامية لن يترتب عليه شيء على أرض الواقع، كما إن هذه الدعوة الأوروبية تأتي بعد فقدت دول الاتحاد الثقة بحليفها الأمريكي تماماً بعد أن تجاوزها في قضايا كثيرة في الفترة الماضية، لذا كان لا بد من البحث عن بديل عن الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت تتخلى عن الجميع، وكأنها تمر في اللحظة السوفيتية قبل الانهيار والتقسيم، وهذا يعود لأسباب كثيرة منها داخلية وخاصة الاشكالات التي تهدد بحرب أهلية داخلية، بالإضافة الى الاستنزاف المالي، والعسكري، والاقتصادي، نتيجة الحروب التي خاضتها في المنطقة، والتي أدت الى تراجع مكانتها الدولية بشكل مريب، لذا فهذه الدعوة تأتي في ظروف صعبة ومعقدة وقراءة حقيقة لما يمكن أن تمر به المنطقة وخاصة العراق، والساحل الافريقي الملتهب، بالإضافة الى دول الخليج العربي التي ستكون مهددة باجتياح ايراني محلي وخارجي، ولكن سيبقى السؤال المهم هل سيتم تنفيذ هذه الدعوة وتشكيل القوة؟، أنا أشك في ذلك.
إن هذه الدعوة تعبر حاجة ماسة لدول الاتحاد الأوروبي للاعتماد على دولها عسكريا، ولكنها قد تكون هذه الدعوة غير قابلة للتنفيذ في هذه الظروف التي تمر بها دول الاتحاد، وهذا ما أرجحه لوجود تحديات كبيرة تواجه دول الاتحاد ومنها: التحديات المتمثلة بالتمدد الصيني، وكذلك الروسي ،بالإضافة الى إن الخلافات الداخلية بين دول الاتحاد الأوروبي كبيرة جداً، خصوصاً فيما يخص الانفاق العسكري، لوجود تباين كبير في الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه دول الاتحاد الاوروبي والذي يختلف ويتباين من دول الى أخرى، وخاصة فيما يخص التخصيصات المالية، وميزانية الدفاع، وقد سبق للولايات المتحدة أن طلبت زيادة الانفاق الدفاعي من دول الاتحاد ولكنها رفضت ذلك، وبررته بأنه سيكون على حساب التنمية في الاتحاد الأوروبي، لذا أنا أرى بأن ليس هناك بديل لدول الاتحاد غير التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية رغم جميع الاشكالات بينهما، لعدم وجود القدرات المالية والعسكرية اللازمة للاستغناء عن واشنطن، وما يجرى الأن في أفغانستان خير دليل على ذلك، فمجرد الانسحاب الأمريكي من هناك دفع جميع الدول للانسحاب من هناك رغم معارضتها لهذا الانسحاب.
إن الدعوة لتشكيل هذه القوة من قبل مفوض السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي “جوزيف بوريل” قد لا يكون لها حضور عسكري قوي ومثمر بدون أن تشارك فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وإن شكلت هذه القوة وهو ما أستبعده في ظل التحديات الحالية فأن مهمة نجاحها ستكون صعبة ومعقدة، وما يجري من فوضى في أفغانستان هو السبب الرئيسي الذي دفع دول الاتحاد الأوروبي للتفكير في إيجاد بديل لمواجهة التحديات المحدقة بدول الاتحاد الأوروبي بعيداً عن واشنطن، خصوصاً وإن الولايات المتحدة الأمريكية قد تكرر هذا الفعل وتنسحب من الكثير من البلدان مثل العراق، ودول الخليج العربي، ودول الساحل الافريقي، وهذا يعني أنهم يمكن أن يتعرضوا الى نفس الموقف الذي تواجهه قواتهم وبعثاتهم الدبلوماسية في افغانستان، ومن هنا كان لا بد من الدعوة لتشكيل هذه القوة، لتقوم بتنفيذ واجبات محددة مثل: تأمين الحماية للبعثات الدبلوماسية الاوروبية، والقيام بأعمال الأخلاء والأجلاء والانسحاب، على إن لا يكون لها أي دور أو مهمة قتالية في هذه البلدان، وإن لا تخوض أي مواجهة مسلحة ألا في حالة الدفاع عن النفس، خصوصاً وإن الكثير من دول الاتحاد الأوروبي لديها علاقات متينة مع ايران وأدواتها في المنطقة، ورأينا كيف ألتقى الرئيس الفرنسي “ماكرون” في زيارته الى لبنان مع وفد من حزب الله اللبناني، ووفد من الحشد الشعبي الولائي العراقي، بالإضافة الى علاقة فرنسا مع ايران، لذا فأن هذه القوات إن تم تشكيلها فأنها ستتطلع للعمل في ظروف مشابهة لمى يجري في افغانستان، وهذا المشهد يمكن له أن يتكرر في المستقبل القريب في كثير من البلدان الغير مستقرة والتي يمكن أن تنسحب منها واشنطن.
لا شك إن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة بشكل عام وعلى العراق بشكل خاص، كون هذا الانسحاب والذي يمكن أن نسميه هزيمة بكل المقاييس العسكرية يمثل منعطف خطير وحاسم في التاريخ المعاصر، خصوصاً وإن القوات الأمريكية تعيد التموضع والانسحاب من الكثير من البلدان في دول المنطقة التي تراجعت أهميتها في سلم الأولويات الأمريكية، التي توجهت اهتماماتها العسكرية نحو أسيا الوسطى التي تعتبر ضرورة مهمة للأمن القومي الأمريكي لمواجهة التمدد الصيني والروسي هناك، وهنا يمكن أن نقول بأن تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من العراق قد يتكرر مرة أخرى، خصوصاً إذا تم التفاهم والاتفاق مع ايران حول الملف النووي الإيراني، الأمر الذي ستكون له تداعيات كبيرة على المنطقة وعلى العراق الذي يرزح بين المطرقة الايرانية والسندان الأمريكي.
إن الانسحاب الأمريكي من العراق هو هدف أيراني بأمتياز، وهناك ضغوطات إيرانية تمارس على القوات الأمريكية المتواجدة في العراق عن طريق ميليشياتها المسلحة لإجبارها على الانسحاب من هناك على غرار انسحابها من أفغانستان، وهذا يعني بأن واشنطن قد ترتكب نفس الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته ادارة أوباما عام2011عندما انسحبت بشكل غير مسؤول وسلمت البلد لإيران التي ملئت الفراغ النتاج عن هذا الانسحاب، واليوم يبدو بأنها تريد تسليمه لميليشيات مسلحة تابعة لإيران، وهذا سيطلق العنان مرة أخرى للمشروع الايراني للتمدد ليس في العراق وإنما في دول الخليج العربي التي ستكون الهدف الاستراتيجي القادم لإيران، مما يعني استمرار عدم استقرار المنطقة، وهنا نسأل ما عساها أن تفعل القوة الأوروبية في العراق والمنطقة وسط هذه التحديات الكبيرة والخطيرة؟، والتي يمكن أن تؤدي الى استنزاف عسكري واقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي هي في غنى عنه؟، ومع هذا سيبقى السؤال: هل ستصمد هذه القوة في هذه المنطقة بعد أن تنسحب منها الولايات المتحدة الأمريكية؟، أشك في ذلك!، وهل ستدخل في صراع مسلح مع الميليشيات وايران؟، ولماذا تفعل ذلك!، لذا أعتقد جازماً إن تم تشكيل هذه القوة هو ليس للتدخل العسكري، ولكن لتأمين مصالحها دون الخوض في نزاعات عسكرية في المنطقة.
في الختام نقول: إن الوضع العراقي الداخلي معقد بشكل كبير جداً مما سيجعلنا أمام سيناريوهات متعددة وخطيرة، فلا يمكن لنا أن نتحدث عن وجود دولة وسيادة في العراق بالوقت الذي يقرر فيه مصير تشكيل الحكومة توافقات إيرانية – أمريكية، كما لا يمكن لنا أن نتكلم عن أمن واستقرار بوجود قوات أجنبية أمريكية وايرانية ومنظمات ارهابية(PKK)تعمل على الأراضي العراقية لخدمة مصالحها، كما لا يمكن لنا أن نتكلم قانون، ونظام، وقضاء، وهناك ميليشيات مسلحة تعمل خارج نطاق الدولة والقوات المسلحة وتنفذ أجندة خارجية، كما لا يمكن لنا إن نتكلم عن دولة وطنية وهي تقوم أساساً على المحاصصة الطائفية، كما لا يمكن لنا أن نتكلم عن وجود حكومة في العراق مع وجود العديد من مراكز القوى التي تتقاطع فيما بينها وتفرض أرادتها السياسية والعسكرية على حكومة بغداد بقوة السلاح، الأمر الذي يجعلنا أمام خيارات مفتوحة في حالة الانسحاب الأمريكي ومنها: الحرب الأهلية، خصوصاً مع وجود ميليشيات مسلحة تأتمر وتتحرك بأوامر من مرجعيات دينية مثل “الصدر”، و”الخامنئي”، و”السيستاني”، وهي من تسيطر وتهيمن على الوضع الأمني، والسياسي، والعسكري، والاقتصادي، وكلنا راقب كيف فرضت هذه الميليشيات اجندتها في الحوار الاستراتيجي مع واشنطن، كما سيبقى خيار الفوضى ماثلاً وقائماً، والخيار الأخر أن يستمر الوضع الحالي على ما هو عليه، خصوصاً وإن الانتخابات النيابية المبكرة يمكن أن تؤجل الى وقت أخر، وإن جرت فلن تغير من الواقع المؤلم شيئاً، لذا فحديث السيد “بوريل” عن زيارته للعراق لن تغير من الوضع العراقي شيء، ولكنها تعطي إشارة واضحة على العراق من الدول المرشحة لتكرار سيناريو أفغانستان خلال الفترة المقبلة.

