بعد سيطرة تنظيم الدولة (داعش) على مدينة الموصل عام 2014، أصدر علي السيستاني فتوى دعا من خلالها كافة الشعب العراقي إلى الانضمام للقوات المسلحة من أجل إيقاف زحف التنظيم. الأمر الذي أدى إلى ظهور ميليشيات الحشد الشعبي، التي تطوع فيها ما يزيد عن 60 ألف مقاتل، كانوا أساس إنشاء ميليشيات ذات هياكل قيادية مختلفة، ومتعددة المصادر المالية والسياسية والاجتماعية والدينية، ما أدى لتقوية شوكة الميليشيات الشيعية المتواجدة في العراق، بما فيها التي تدعمها إيران.
لكن بعد ذلك، تدهورت هذه العلاقة الموحدة بين هذه الميليشيات، بعدما كانت سابقًا متحدة بسبب الحاجة الملحة لمواجهة التنظيم. نتيجة لذلك، باتت الرواية الأساسية التي تصور ميليشيات الحشد الشعبي كقوة بعيدة عن الطائفية وتمثل الشعب العراقي ضد التنظيم آخذة في التضاؤل، بل أصبحت العديد من هذه الفصائل ذات قوة سياسية كبيرة، تغني نفسها بنفسها.
منظمة بدر
إحدى هذه الفصائل، هي منظمة بدر التي تأسست عام 1982، كجماعة شيعية معارضة لنظام صدام حسين. وهي فرع عن الجناح العسكري السابق للمجلس الأعلى الإسلامي في العراق، الذي عاش وتدرب رجاله في إيران.
عادت المنظمة للواجهة مجددًا بعد الاحتلال الأمريكي 2003، من أجل الحصول على نصيبها من اقتصاد الحرب، واكتساب قوة سياسية وتوسيع نشاطها الاقتصادي غير المشروع. يعتبر زعيم التنظيم، هادي العامري، رجلًا ذا وزن سياسي ثقيل، على الرغم من كونه شخصية مثيرة للجدل بسبب تورطه في جرائم قتل ضد المدنيين السنة خلال الصراع الطائفي في العراقي ما بين 2005 و2006.
شغل العامري منصب وزير الداخلية لسنوات عديدة، الأمر الذي أتاح لمنظمة بدر السيطرة على هيئة ميليشيا الحشد وعناصر من قوات الشرطة الاتحادية العراقية وأقسام من قوات الجيش. خلال الانتخابات الأخيرة سنة 2018، شكل تنظيم بدر تحالفًا سياسيًا مع كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق تحت اسم “تحالف فتح” وحصلوا على المركز الثاني في الانتخابات العامة في العراق، ليحصلوا على حقائب وزارية مثل وزارة النقل، وتميز التحالف بثقافة “مساومة النخبة” وأصبحوا منافسين على السلطة والامتيازات والمكاسب المالية.
كتائب حزب الله
تختلف كتائب حزب الله عن حليفتها بدر. حيث تعتبر أقل مؤسسية، وتفضل البقاء بعيدًا عن مناصب الدولة، ما يجعلها أكثر تحررًا من المساءلة. وترتبط الكتائب بفيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني. وتشارك تنظيم بدر في الترويج لمبدأ ولاية الفقيه، وتعترف بالمرشد الأعلى لإيران كوصي على الأمة.
وبدلًا من العمل في أروقة السلطة، تعرف كتائب حزب الله نفسها كـ”مقاومة عسكرية” تتمتع بخبرة قتالية قوية واستراتيجيات إقليمية ذكية، كما تعتبر المسؤولة عن تنفيذ استراتيجيات إيران ضد الولايات المتحدة و”إسرائيل” والمملكة العربية السعودية، ومبادئهم وأهدافهم القائمة على جمع الأموال، تجعلهم أكثر نفورًا من الشارع العراقي، خصوصًا الطائفة السنية.
نلحظ ذلك من خلال تحويل الميليشيا لـ1600 مزرعة إلى منطقة عسكرية في الجانب الجنوبي من “القائم”. مما جعل مزارعي المنطقة عاطلين عن العمل، إضافة لسوء الانضباط وجشعهم المستمر، حيث دأبت الميليشيا على استغلال السكان المحليين، وممارسة شتى أنواع التمييز ضدهم.
عصائب أهل الحق
بقدر شهرتها ببراعتها القتالية، لكن عصائب أهل الحق تعتبر ميليشيا إجرامية بسبب أعمالها الوحشية والطائفية، رغم ذلك فانتهاكاتها المستمرة ضد السكان المحليين ونشاطهم الاقتصادي المفترس لم يمنعانها من تأسيس علاقات قوية مع بعض القبائل، بسبب مصالحهم السياسية المشتركة. تمتلك القبيلة قواتها الخاصة المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي، وعملت على نطاق واسع مشترك مع عصائب أهل الحق.
يعتبر زعيمها، قيس الخزعلي، أحد أكثر الرجال نفوذًا في العراق. كما أن كتلة “الصادقون” التي أسسها، تنافس التيار الصدري في الانتخابات. وانفصلت عصائب أهل الحق عن جيش المهدي الصدري بعد الانتقادات المتكررة من الصدر للتوغل الإيراني في العراق.
سرايا السلام
تختلف ميليشيا سرايا السلام (جيش المهدي سابقًا) التي يقودها مقتدى الصدر، عن بقية الجماعات المذكورة سابقًا. حيث بات الصدريون، الغريم التقليدي لمنظمة بدر، أكثر انتقادًا لإيران. وتاريخ ميليشيا جيش المهدي ودوره في التطهير العرقي الذي طال العراق بين 2005 و2006، يدفع الكثيرين للتعامل معهم بحذر شديد، “إلا أنهم اليوم أظهروا الكثير من الانضباط وتمييزًا طائفيًا أقل”.
وتتمتع سرايا السلام بحضور سياسي قوي، بفضل نظام الرعاية والقدرة على حشد الناخبين. كما أن الأحاسيس القوية المتعلقة بضرورة الحفاظ على إرث عائلة الصدر السابقين يساعد أيضًا على الحفاظ على الدعم من أجل الانتخابات. وقد حصل جناحها السياسي، تحالف سائرون، على 54 مقعدًا خلال انتخابات 2018.
رغم ذلك، فشل الحزب في تشكيل حكومة، ولم ينجح في الوفاء بوعوده بشأن محاربة الفساد والنظام الطائفي. وانضم بدلًا من ذلك لتحالف فتح.
فرقة العباس القتالية
على غرار الصدريين، “تتمتع فرقة العباس القتالية بشرعية اجتماعية ودينية”، لكنها تفتقر للقوتين المالية والسياسية. تم تشكيل الفرق، لحماية المزارات والنجف وكربلاء، بجانب ميليشيا لواء علي الأكبر، وهم موالون للسيستاني.
جايك هوسونا / غلوبال ريسك إنسايتس
ترجمة وتحرير: راسام

