أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
صحت بغداد يوم ١٢ آب ١٩٣٧ لتستقبل يوما حارا بهوائه، ساخنا بأخباره، عندما اطلع الناس المنشور الذي طبعته الحكومة / مديرية الدعاية والنشر / ووزعته على نطاق واسع، وقد جاء فيه ما نصه :
“تنعى الحكومة العراقية بمزيد من الأسف كلا من المرحومين الفريق بكر صدقي (رئيس أركان الجيش) والمقدم محمد على جواد (آمر القوة الجوية) في حادث وقع لهما، خلاصته، أنه بينما كانا جالسين قبل الغروب أمس في ميدان الطيران بالموصل، إذ هجم أحد الجنود على الفريق بكر صدقي وأطلق عليه بضع رصاصات أردته قتيلا، ولما حاول السيد محمد علي جواد أن يحول بينهما أطلق عليه الجندي الرصاص أيضا فخر صريعا، وقد قبض على الجندي في الحال والتحقيقات جارية لمعرفة الأسباب”.
ومن المفيد بالإشارة الى انه لم يكن من السهل على كتلة الضباط القوميين تنفيذ أي خطة لاغتيال بكر صدقي في ضوء الإجراءات الأمنية، لذلك قرروا أن تجري محاولات الاغتيال خارج بغداد مستغلة جولاته لتفقد القطعات العسكرية في أنحاء العراق المختلفة، وحانت الفرصة حينما وجهت الحكومة التركية الدعوة للعراق لحضور المناورات العسكرية المقرر إجراؤها في تراقيا في ١٨ آب ١٩٣٧.
أعلنت الحكومة العراقية قبول الدعوة، وضم وفد الحكومة العراقية برئاسة رئيس أركان الجيش (الفريق بكر صدقي) وضم في عضويته كلا من : آمر اللواء حسين فوزي، والرئيس نور الدين محمود، والرئيس رفيق عارف، والملازم جمال جميل.
وفي مساء يوم الثلاثاء الموافق ١٠ آب ١٩٣٧ اكتظت محطة القطار في باب المعظم بجمهور كبير من المودعين وعلى رأسهم رئيس الوزراء والوزراء وكبار الموظفين العسكريين والمدنيين، وبعض رجال السلك الدبلوماسي وعدد كبير من الأعيان والنواب.
ومن الجدير بالذكر ان الفريق بكر صدقي كان في نيته أن يغيب عن العراق شهرين، فاتخذ كل ما يلزم من الحيطة والاستعداد لئلا يقع أثناء غيابه ما يكهرب الجو ويكدر الصفاء في أجواء بغداد.
وأجرى الترتيبات الكاملة لاستمرار السير والعمل في دواوين وزارة الدفاع وفق ما يطلبه ويتوخاه.
يروي (حازم المفتي) عن عملية تنفيذ الاغتيال كونه كان حلقة الوصل بين العقيد فهمي سعيد وبين سائر التنظيم القومي في الجيش.
وأثر هذه الفرصة استدعى صلاح الدين الصباغ (حازم المفتي) وحمله رسالة الى العقيد فهمي سعيد الذي انتهز هذه الفرصة لوضع خطة الاغتيال، كما اتصل ببعض العناصر المعارضة للاتفاق على وضع خطة الاغتيال مع مواجهة الاحتمالات.
وعندما حل (صدقي) ضيفا في مقر استراحة القوة الجوية بالموصل. تم وضع الخطة اللازمة ولكن برزت الحاجة الى ضرورة الحصول على تأييد آمر اللواء (محمد أمين العمري) آمر منطقة الموصل، لأسباب منها لمواجهة ما يترتب على تنفيذ عملية الاغتيال وتعزيز الجانب السياسي من العملية، وقد أبدى (العمري) استعداده الى تقديم المساعدة.
يروي الأستاذ طالب مشتاق في كتابه (أيام النكبة) إنه : “كان يسمع كثيرا في تلك الأيام في أندية بغداد إشاعات عن سفر الفريق بكر صدقي وما كان يصدقها .. ولا يعرف في مغزاها الحقيقي …” .. فقد كان يقول بعض الناس “إن بكر صدقي مسافر ولكنه غير عائد الى العراق …”، ويضيف طالب مشتاق: “سمعت هذه الاشاعة عدة مرات فلم ألتفت الى مغزاها … ولم أعرها أي اهتمام كان، الى أن وقعت الحادثة … فتنبهت الى حقيقتها وصرت افكر فيها وبعلاقتها بقضية الاغتيال … قبل الاغتيال فأن بعض رجال الجيش وشركاء لهم من خارج الجيش كانوا قد نظموا خمس مؤامرات لاغتيال الفريق بكر صدقي، الأولى في كركوك والثانية في الموصل والثالثة في كوجك والرابعة في حلب والخامسة في إسطنبول.
وكان لابد من نجاح واحدة من هذه المحاولات على أن أقوى واحدة منها كانت مدبرة في الموصل … فنجحت فعلا ..
كان من المقرر أن يتم تنفيذ الاغتيال في بناية النادي العسكري حيث تقام مأدبة على شرف الفريق في مساء ١١ آب يوم وصوله الى الموصل، وقد اتخذت فعلا الإجراءات اللازمة لذلك، ولكن بعد أن وصل (بكر صدقي) الى الموصل ظهر يوم الأربعاء الموافق ١١ آب، قدم اليها أيضا المقدم محمد علي جواد (آمر القوة الجوية) لتوديع الفريق عند مغادرته الموصل متوجها الى تركيا.
فلما تواجها في بناية النادي العسكري اتفقا على أن ينتقلا فورا الى المطار العسكري ليستريحا هناك، حيث المكان أبرد وأسباب الراحة أوفر، فذهبا سوية الى المطار وبقيا في غرفتهما حتى الساعة الخامسة عصرا، وبعد ذلك خرجا الى الحديقة وجلسا جنبا الى جنب وشربا الشاي.
أما مرافقو الفريق فقد استأذنوا وانصرفوا من المطار لقضاء بعض أشغالهم في الموصل، وهكذا بقي الفريق بكر صدقي ومحمد علي جواد معزولين في قسم من المطار، وفي القسم الآخر بضعة طيارين جلهم من خصوم حركة الانقلاب.
فلما رأى القائمون بتنظيم الاغتيال انعزال الفريق بهذا الشكل في المطار العسكري رأوا الفرصة سانحة هناك، فيجب أن لا يدعوها تفلت من أيديهم وقتل الفريق بكر صدقي في المطار أسهل منه بكثير في أي مكان آخر.
وفي الساعة السادسة مساءا توقفت سيارة في باب المطار كانت تقل ضابطا ومعه العريف محمد عبد الله التلعفري، وفي الباب همس الضابط في أذن الجندي ببضع كلمات، بينما كان (بكر صدقي) منغمسا في الحديث مع صديقه محمد علي جواد، ولم يشعر أحدهما بوصول السيارة ولم ينتبها الى ما دار بين الضابط والجندي من حديث، وكانا غافلين، ولم يدر في خلدهما أن الساعة آتية عما قريب، وأنهما سيصبحان جثتين هامدتين بعد دقائق معدودات.
دخل الجندي يتمشى الهوينا، واضعا يده وراء ظهره، وأخذ يسير نحو مقعد الفريق بكر صدقي فلما كان على مقربة منه إرتاب المقدم (محمد علي جواد) من سيره المتباطئ، ومن تقدمه نحو الفريق، فصاح به من أنت ؟ ماذا تريد … ؟! وقبل أن ينتهي محمد علي جواد من كلماته هذه، أطلق الجندي رصاصتين من مسدس كان بيده على رأس الفريق أراده قتيلا على كرسيه فلم يتحرك ولم ينبس ببنت شفة.
أما المقدم محمد علي جواد فقد نهض فورا، وحاول القبض على القاتل، فهدده هذا بالمسدس ولكن لم يفد التهديد مع محمد علي واستمر بمطاردة القاتل حتى أمسك به في داخل حديقة المطار واشتبك معه، ولما يئس الجندي من الخلاص من يد محمد علي جواد أطلق عليه رصاصتين أصابتا منه مقتلا فخر صريعا مضرجا بدمائه.
ولعل ما كتبه المؤرخ العميد عبد الرحمن التكريتي بعنوان “فصل من كتابه : انقلاب بكر صدقي العسكري”، (المنشور في مجلة آفاق عربية (بغداد) بعددها (٢) تشرين الأول ١٩٧٧)، عن اغتيال الفريق بكر صدقي في الموصل يلقي الضوء الساطع على مجريات ذلك الحدث.
يقول العميد عبد الرحمن التكريتي : “حمل انقلاب بكر صدقي الذي حدث يوم الخميس ٢٩ تشرين الأول ١٩٣٦، أسباب سقوطه وانهياره في يومه الأول لأنه بدأ بداية إجرامية بقتل وزير الدفاع الفريق جعفر العسكري، وهو الشخصية المحبوبة من قبل جميع منتسبي الجيش العراقي ضباطا ومراتب، لأنه المؤسس الحقيقي للجيش العراقي، والعامل على تنميته ورعايته وتوسعته وتقويته، ولما عرف عنه من عفة نفس ونظافة يد ونقاء سريرة ورقة قلب وعلو همتة وخفة دمه وكرم أخلاقه وأريحية متناهية وحبه للخير … كما بدأ بحادث مهم أيضا، هو اسناد منصب وزاري الى رئيس جماعة (الأهالي) كامل الجادرجي حيث كان العراقيون لا يميلون اليه لأن اتجاهه غير قومي …
وبمساعيه أدخل بعض أتباعه نوابا في البرلمان العراقي .. كما أسند الى البعض الآخر الوظائف المرموقة في الدولة، وبذلك كثر أتباعه وازداد نشاطهم.
وأيد بعض الوزراء (كامل الجادرجي) في آرائه وتصرفاته وعلى رأسهم رئيس الوزراء (حكمت سليمان) ونتيجة لذلك اتجهت اتجاها إقليميا وابتعدت عن الاتجاه العربي، وفي اليوم الثاني من الانقلاب (شرد) بكر صدقي أقطاب وزارة ياسين الهاشمي، وأجبرهم على مغادرة العراق بحيث ان (الزعيم العربي الكبير ياسين الهاشمي) مات كمدا خارج العراق حتى منعوا جثمانه من دخول بغداد لدفنه فيها، فاحتضنته دمشق ودفن بجوار (البطل العظيم السلطان صلاح الدين الأيوبي) وبذلك نال شرف مجاورته .. ومما زاد الطين بلة أن جماعة بكر صدقي من الضباط عاثوا فسادا في بغداد …”.
ويتحدث اللواء المتقاعد نوري الخيري (كان وقتها مقدم اللواء السادس) قائلا : “ذهبت عصر يوم ١١ آب الى النادي العسكري وفي الطريق كنت افكر إذا حصل تصادم في النادي العسكري فستكون كارثة، غير اني قبل أن أصل الى النادي صادفني المقدم عبد العزيز الملكي وقال لي : باللغة التركية ما ترجمته : (قتلوه) فسألته من الذي قتل؟ ! فأجابني اما تعرف (هذا المجرم) حصل اغتياله في المطار، فلا أعلم بتفاصيل الحادث، ثم ان بعض ضباط القوة الجوية المحسوبين على بكر صدقي شاهدتهم قرب النادي العسكري يبكون على بكر، فرجوتهم بالكف. وكان الرئيس (الرائد) حسون حاضرا، فقال لهم بلهجة شعبية وباستهزاء “يولوا عظامه، ما جان تحافظون على شيخكم …؟!”.
ثم حضر العقيد قاسم مقصود (آمر اللواء السادس) وكان مرتديا الملابس المدنية فسألني ما العمل ؟ أجبته : يجب أن نذهب الى معسكر الغزلاني حالا، ونضع اللواء بالإنذار، فذهبنا الى المعسكر وبقينا في مقر اللواء حتى الصباح، ثم أصدر آمر منطقة الموصل أمير اللواء (محمد أمير العمري) أمرا انذاريا الى جميع القطعات العسكرية المرابطة في مدينة الموصل بلزوم مكوثهم في الثكنات وعدم مغادرتهم ..”.
وسرعان ما انتشر خبر اغتيال بكر صدقي ومحمد علي جواد بين أهالي الموصل وبعد أن بلغ مسامع وكيل متصرف لواء الموصل (جلال خالد) مقتل الفريق بكر صدقي والمقدم محمد علي جواد أبرق الى وزارة الداخلية يعلمها بالحادث. كما ان قائد الفرقة الأولى وعضوا الوفد العراقي لحضور المناورات العسكرية التركية أمير اللواء حسين فوزي والذي كان موجودا في الموصل أرسل برقية الى وزارة الدفاع يعلمهم بالحادث وأنه تم القاء القبض على القاتل والتحقيقات مستمرة معه”.
وكانت الشرطة قد ألقت القبض على القاتل وعلى محمود هندي الطيار الذي كان له دور كبير في تنفيذ عملية الاغتيال، كما حاولت الشرطة القبض على عدد من الضباط فمنعهم أمير اللواء (محمد أمين العمري) آمر منطقة الموصل من القيام بذلك.
أعدت آمرية منطقة الموصل طائرة خاصة لنقل جثمان القتيلين من الموصل الى بغداد وقد رافقهم في الطائرة الضباط (محمد علي سعيد وإسماعيل توحلة) فوصلت (مطار الهنيدي) معسكر الرشيد فيما بعد.
وجرى صباح يوم الخميس ١٢ آب ١٩٣٧ تشييع عسكري كبير لهما، حيث اصطف أفراد الجيش والشرطة من مدخل وزارة الدفاع الى مقبرة الباب معظم. وفي الساعة التاسعة والدقيقة العشرين وضع الجثمانان على عربتي مدفع ملفوفين بالعلم العراقي تتقدمها موسيقى الجيش. واشتمل موكب التشييع على جمع كبير يتقدمهم ممثل (الملك غازي) ورئيس الوزراء ورئيس مجلس الأعيان والوزراء الحاليون والسابقون وكبار رجال الجيش وأعضاء الهيئات الدبلوماسية من ممثلي الدول الأجنبية في العاصمة وعددا من الأعيان والنواب ووجهاء بغداد.
كما حضر موكب التشييع القائد الجوي (تي مالوري) ممثلا للقوة الجوية البريطانية ومعه ضابطان من ضباط الطيران البريطاني، كما حضر ضابط البعثة العسكرية البريطانية الكولونيل (لامب).
سار الموكب بنظام الجنود منكسي البنادق وأمامهم كوكبة من الفرسان الى مقبرة الشهداء في الباب المعظم ودفنوا فيها وأطلقت المدفعية (١٩) طلقة مدفع تحية لهم.
استقالت وزارة الانقلاب (حكومة حكمت سليمان)، وكلف جميل المدفعي بتشكيل وزارته الرابعة فاستصدرت قانونا بالعفو عن الأشخاص الذين قاموا بعملية الاغتيال وكذلك المساهمين في انتفاضة الموصل التي أعقبتها. وبذلك اسدل الستار على هذه الحقبة من تاريخ العراق المعاصر التي لعب فيها ضباط الجيش دورا مهما.
المصادر المعتمدة :
١ – حازم المفتي، العراق بين ياسين الهاشمي وبكر صدقي (بغداد، ١٩٩٠).
٢ – لمى عبد العزيز مصطفى، حازم المفتي نشاطه الثقافي والسياسي حتى العام ١٩٥٩، رسالة ماجستير، مقدمة قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة الموصل، ١٩٩٢.
٣ – فؤاد حسن الوكيل، جماعة الأهالي في العراق، (بغداد، ١٩٨٦).
٤ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج٤، ط٧، (بغداد، ١٩٩٨).
٥ – صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة في العراق، (دمشق، ١٩٥٦).
٦ – سامي عبد الحافظ القيسي، ياسين الهاشمي ودوره في السياسة العراقية بين عامي ١٩٣٢ – ١٩٣٦ ،جزئين، (البصرة، ١٩٧٥).
٧ – ناجي شوكت، سيرة وذكريات ثمانين عاما ١٨٩٤ – ١٩٧٤، (بغداد، ١٩٧٤).
٨ – أحمد فوزي، أشهر الاغتيالات السياسية في العراق، (بغداد، ١٩٨٨)
٩ – خيري العمري، شخصيات عراقية، (بغداد، ١٩٨٩).
١٠ – طالب مشتاق، أوراق أيامي، (بغداد).
١١ – توفيق السويدي، مذكراتي في نصف قرن من تاريخ القضية العربية (بيروت ١٩٦٩).

