أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

أوضاع العراق الاقتصادية في فترة حكومة الدفاع الوطني ومواجهة الحصار الاقتصادي
(١٠ نيسان١٩٤١ – ٢٩ أيار١٩٤١م):

ازدادت أزمة الغلاء وشحة المواد التموينية مع تزايد نشاط المضاربين والمحتكرين بسبب تطورات الحرب وتوسع امتدادها في جبهة البلقان، وزاد من تأزم الوضع الاقتصادي في العراق تأزم العلاقات بين الحكومة البريطانية وحكومة الدفاع الوطني ولجوء الحكومة البريطانية إلى فرض حصار اقتصادي ومالي على حكومة الدفاع الوطني حيث فرضت حصاراً شديداً على استيرادات العراق من المواد التموينية الضرورية، وفرضت قيود المنع على تصدير منتجاته الزراعية من التمور والحبوب والقطن والجلود، فمنعت تصدير آلاف الأطنان من التمور المكدسة في ميناء البصرة بحجة انها مشحونة لصالح دول المحور، كما امتنعت عن تزويد العراق بالعملة الصعبة التي كانت تمكنه من استيراد حاجاته الضرورية
من الأسواق العالمية، وقامت بإخراج الدينار العراقي من حضيرة الأرصدة الإسترلينية فأصبحت العملة الورقية عملة ورقية بدون رصيد، وتفاقم الوضع المالي بتوقف المصارف وبيوت المال عن دفع الأمانات والودائع التي كانت مودعة أو مؤمنة لديها، ومما زاد في جهود حركة الأسواق وفتور التبادل التجاري الذي أدى بدوره إلى ركود المعاملات الكمركية وتكدس السلع والأموال في المخازن الكمركية ومستودعاتها، كما منعت بريطانيا وصول بضائع يابانية من الأقمشة والمنسوجات القطنية مما أدى إلى تفاقم الأزمة.

واجهت حكومة الدفاع الوطني الحصار الاقتصادي بسن عدد من القرارات والتشريعات الحازمة، منها إصدار قرار في (٤/ ٥/ ١٩٤١م) بخصوص استحداث لجنة تموين مركزية مكونة من سبعة أعضاء برئاسة وزير الاقتصاد، وقامت هذه اللجنة باتخاذ عدد من التدابير اللازمة بخزن وتوزيع المواد التموينية الضرورية (كالسكر، الشاي، الحبوب) وحصر استهلاكها وتحديد بيعها بالأسعار المقررة، كما قررت تحديد استهلاك بنزين السيارات والنفط الأسود والزيت، ولمواجهة استفحال الغلاء، ولمواجهة الحصار المالي قررت حكومة الدفاع الوطني السيطرة على المصارف البريطانية في بغداد مثل المصرف الشرقي، والمصرف الشاهي، والمصرف العثماني، ومصادرة ما لديها من نقود.

وعلى الرغم من قصر المدة لبقاء حكومة الدفاع الوطني، لكنها استطاعت أن تحقق نوعا من التوازن وتوفير المواد المتيسرة من المواد التموينية الضرورية رغم الحصار الاقتصادي المفروض عليها.

شهدت أواخر العام (١٩٤١م) ارتفاع الكثير من أسعار المواد الغذائية والحاجات الضرورية وساهمت عوامل عدة في تفاقم مشكلة التموين في العراق، منها تعرض العراق إلى الكوارث والأزمات المدمرة، فقد اجتاحت العراق الفيضانات العارمة والموجات القاسية من البرد والجفاف، وتفشت الآفات الزراعية من الجراد والحشرات التي أدت إلى هبوط مخزونه من المواد الغذائية وشحتها في الأسواق، ولا سيما الحبوب، ففي عام ١٩٣٩ و١٩٤٠م تعرض العراق إلى الكوارث والآفات الطبيعية والزراعية التي أتلفت محاصيل نحو (٧٠٠) قرية في شمال العراق، كما أدت موجات البرد والفيضانات إلى تلف مخازن أعلاف الأغنام والمواشي التي أدت بدورها إلى خسارة أعداد كبيرة من المواشي والأغنام، فهبط الناتج السنوي من الحنطة إلى نصف ما كان عليه قبل نشوب الحرب، وسعت الحرب لتعويض ذلك باستيراد الحنطة من الهند سدا لحاجة المستهلكين.

ومن المفيد بالإشارة إلى أن التهريب زاد من مشاكل التموين، حيث شهدت سنوات الحرب نشاطاً ملحوظاً في تهريب المواد الغذائية والضرورية من العراق إلى الدول المجاورة وأصبح التهريب خلال الحرب العالمية الثانية ممارسة شبه علنية يمارسها كبار التجار وكبار موظفي الدولة وأعوانهم من صغار الموظفين الذين أخذوا يمارسون التهريب دون خوف أو وجل، وبلغت الجرأة بهم إلى استخدام بعضهم وسائط النقل والمواصلات الحكومية في تهريب المواد التجارية والتموينية، وكانت أغلب المواد تهرب إلى ايران وسوريا، وقد ساعدت عدة عوامل في استمرار عمليات التهريب وانتعاشها خلال سنوات الحرب منها أن أسعار المواد الموجودة في العراق كانت أرخص من مثيلاتها في باقي الدول المجاورة، والعامل الثاني تمثل في ضعف السيطرة المركزية نتيجة تورط معظم كبار المسؤولين المتنفذين في إدارة الحكومة في عملية التهريب، وإهمال الحكومة مراقبة الحدود وتعزيزها بعناصر كفؤة، لذلك تشجع المهربون وازداد نشاطهم لاسيما في الفترة الأخيرة من عام (١٩٤٥م)، وكانوا سبباً في استمرار مشاكل التموين – كما سنرى في الحلقة القادمة –

مقال خاص براسام