الباحث: حسين صالح السبعاوي
اندلعت الثورة في تشرين الأول من عام ٢٠١٩ وتركزت في وسط وجنوب العراق احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد المالي والإداري، إضافة لرفض نظام المحاصصة الطائفية، ورفض التدخل الإيراني في الشأن العراقي، ثم ارتفع سقف مطالب المتظاهرين إلى إسقاط النظام واستقالة حكومة عادل عبد المهدي، وتشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة.
واجهت القوات الأمنية هذه المظاهرات بعنف شديد واستعملت الرصاص الحي والقناصة في مواجهة المتظاهرين، حيث بلغ عدد الضحايا حوالي ٨٠٠ مواطن وأصيب أكثر من ١٧ ألف بجروح خلال المظاهرات، ومن بينهم ٣ آلاف “إعاقة” جسدية، فضلا عن اعتقال العديد منهم، وتعتبر هذه الإنتفاضة هي الأكثر ضراوة في العراق منذ انتهاء الحرب على “داعش” في كانون الأول عام ٢٠١٧ .
كانت بغداد والناصرية والنجف الأكثر ضراوة والأكثر ضحايا من بقية المدن المحتجة الأخرى.
في ٣٠ تشرين الثاني ٢٠١٩ قدمت حكومة عبد المهدي استقالتها بسبب الضغط الذي واجهته من المظاهرات.
بعد إسقاط حكومة عبد المهدي بدأت حدة التظاهرات تضعف وتتراجع شيئا فشيئا، وهنا نقف على الأسباب التي أدت إلى إضعاف جذوة التظاهرات:
1- العنف والقمع الذي استخدمته السلطة ضد المتظاهرين كان يفوق ما يتصوره أي متابع للشأن العراقي بدأ من القناصة، والرصاص الحي، والاغتيالات على يد المليشيات، والقنابل الدخانية التي كانت تطلق على رؤوس المتظاهرين، مما أدى إلى آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، إضافة لخروج بعض الناشطين إلى خارج العراق، أو إلى كردستان خوفا من مطاردة السلطة بالاعتقال أو الاغتيال.
٢- دخول بعض العناصر المندسة بين المتظاهرين وركوب موجة التظاهرات واستغلالها لمنافع شخصية على حساب دماء الأبرياء من المتظاهرين، وقد شاهدنا كيف تشكلت ما يسمى “أحزاب ” و”حركات” تدعي تمثيل ثوار تشرين وفي حقيقتهم كانوا يتبعون أحزاب السلطة التي خرجت ضدها مظاهرات تشرين، فكان لهذا الخرق تأثير كبير على الثوار وانحراف مسيرة تشرين، إضافة للمال الفاسد الذي دخل من خلال هؤلاء المندسين.
٣- غياب القيادة المركزية لانتفاضة تشرين سواء في الداخل أو الخارج، مما جعلها تياراً يسهل اختراقه من قبل المتسلقين.
٤- انحياز المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية للنظام العراقي ضد المتظاهرين والاكتفاء بالتفرج على القمع الذي يواجهه هؤلاء الشباب، سوى بعض البيانات الصحفية الخجولة التي كانت تصدر من ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة “جينين بلاسخارت”.
كل هذه الأسباب وغيرها أدت إلى تراجع الانتفاضة وإخماد جذوتها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل انتهت الانتفاضة، وهل بالإمكان عودتها من جديد؟
هناك بعض النقاط تؤكد على إمكانية عودة تشرين إلى الواجهة واستئناف ثورتها ضد التدخل الإيراني والفساد المستشري في الدولة، وضد نظام المحاصصة الطائفية التي تدار بها الدولة العراقية ومن اهم هذه النقاط:
١- إن الأسباب التي اندلعت منها ثورة تشرين ما زالت باقية مثل الهيمنة الإيرانية، ونظام المحاصصة الطائفية، والفساد المالي والإداري في كافة مؤسسات الدولة.
وهذه أهم نقطة تؤيد عودة التظاهرات من الجديد.
٢- التخلص من العناصر المندسة، والنفعية، والانتهازية التي تسعى لمصالحها الشخصية، وهذا من خلال إعادة التنظيم لقيادة الانتفاضة ووضع شروط جديدة للعناصر القيادية في الإنتفاضة.
٣- تغيير موقف المجتمع الدولي من الحكومة العراقية والانحياز للشعب العراقي، وهذا يأتي من خلال أداء القيادة الجديدة للانتفاضة من خلال توسيع دائرة التواصل والعلاقات العامة مع المنظمات الدولية.
٤- توسيع دائرة المشاركة في التظاهرات على المستوى الجغرافي للعراق، لأنه في تشرين الأول ٢٠١٩ كانت التظاهرات في الوسط والجنوب فقط، بينما لابد من مشاركة مناطق الغربية والمدن المنكوبة لتعم أغلب الشعب العراقي حتى يصعب السيطرة عليها، وعدم وضعها ضمن حسابات المناطقية.
إن انتفاضة تشرين تحمل ركنين أساسيين يؤهلها للعودة إلى الساحة في مواجهة الحكومات الطائفية وأحزابها الفاسدة وهما:
أولا: الفكرة: إن انتفاضة تشرين فكرة وطنية جامعة يتقبلها كافة أبناء المجتمع العراقي وهم متعطشون لهذه الفكرة بعدما فتكت الطائفية بالمجتمع وأزهقت الأرواح، وبددت الأموال العامة، وانتهكت خصوصية الفرد والمجتمع، وهي تسعى للحفاظ على السيادة الوطنية من الانتهاكات الخارجية وخاصة إيران التي عاثت في العراق ظلماً وفساداً.
ثانيا: الموارد البشرية: تعتمد ثورة تشرين على الكوادر الشبابية في أدائها إضافة للدماء الجديدة التي تحتويها وهذا يؤهلها للاستمرارية في المواجهة ولا تعاني من الشيخوخة في كوادرها الفاعلة.
لهذا نلاحظ كلما مر عام على انطلاقتها نجدها تحتفي بميلادها الجديد وتصر على الاستمرار كما لاحظنا في تشرين ٢٠٢٣ كيف ظهرت في بغداد رغم مرور أربع أعوام على انطلاقتها، وهذا يعني أن الفكرة التي انطلقت من خلالها الانتفاضة ما زالت حية وشبابها ما زالوا يمتلكون الإصرار على المواجهة، لكن يحتاج إلى تغيير بعض الأساليب والوسائل في الأداء لتدارك الأخطاء السابقة، وتقليل حجم الخسائر والتضحيات أمام آلة البطش الحكومية، ومن ثم تحقق الثورة أهدافها الرئيسية المتمثلة بإسقاط النظام.
مقال خاص براسام

