الكاتب: نظير الكندوري

وثَّق لنا التاريخ كيف أن الحروب القذرة يمكن لها أن تحفر أثرا عميقًا في ذاكرة الشعوب، حتى تكاد لا تُنسى مهما طال عليها الزمن، فهي لا تُظهٍر قذارتها في سفك دماء المتحاربين ودماء الأبرياء فقط، إنما تُظهر قذارتها حتى في أسباب اندلاعها.
ومن تلك الحروب التي سجلها لنا التاريخ، هي الحرب القذرة التي شنتها بريطانيا العظمى في 1840 – 1842 على امبراطورية الصين، لأن الأخيرة منعت شعبها من استيراد واستهلاك “الأفيون” الذي كانت تزرعه بريطانيا في مستعمراتها الهندية وتهربه للصين لتجني أموالًا طائلة. الأمر الذي جعل جميع المؤرخين يصفونها بأنها أقذر حرب عرفها التاريخ. لكن لا أعلم بماذا سيصف المؤرخون الحرب القذرة التي تشنها إيران على العراق منذ سنوات بإدخال المخدرات بأنواعها إلى العراق، حتى استطاعت في ظرف سنوات قليلة، تحويل العراق إلى بلدٍ مستهلك للمخدرات.
كيف كانت حرب الافيون الصينية؟
في بادئ الأمر، عملت بريطانيا على تهريب المخدرات “الأفيون” للسوق الصيني واستطاعت اغراقه بهذه المادة المخدرة، وحينما أدمن الشعب الصيني عليها، ووصل الأمر بالمواطن الصيني حد بيع أرضه ومنزله، وعرض زوجته وأبنائه للبيع في سوق النخاسة من أجل الحصول عليها، وصارت واردات “الأفيون” تُمثل 57% من إجمالي واردات الصين، فأراد إمبراطور الصين تصحيح الأوضاع من خلال إصدار مرسومٍ يقضي بتجريم استيراد “مُخدر الأفيون”، فقامت بريطانيا بشن حربٍ عليه. وفرض اتفاقية مُذله على الصين، فتحت أسواقها على مصراعيها أمام البضائع البريطانية التي كانت الصين لا تستورد منها شيء. ثم قامت بريطانيا بشن حرب ثانية في عامي 1856- 1860، أدت لسقوط الإمبراطورية الصينية، ودخول بريطانيا بالإضافة إلى فرنسا وروسيا والولايات المتحدة إلى هذا البلد، ثم لجأت بريطانيا إلى أقذر أسلحتها، وهو سلاح المخدرات الذي فتك بالشعب الصيني، لتتحول الصين من إمبراطورية مستقلة ذات اكتفاء ذاتي إلى مستعمرة تحكمها الدول الأربعة. حتى وصل عدد المُدمنين في الصين إلى 120 مليون مُدمن بحلول عام 1878.

إيران تكرر في العراق ما فعلته بريطانيا في الصين
وعلى خطى بريطانيا، تحاول إيران تكرار تجربتها القذرة في العراق، فالنظام الإيراني يحاول استغلال الضعف العراقي بعد احتلاله في 2003، واستيلائها على كل مقدرات البلد بمساعدة أمريكية، ليكرر التجربة البريطانية في الصين، هنا في العراق، فالمصادر تقول أنه مع سقوط النظام العراقي السابق، ودخول البلد في فوضى أمنية كبيرة وفتح الحدود مع دول الجوار، قامت إيران بتشجيع تجارة المخدرات مع العراق بكل السبل، سواء عن طريق التجارة الكبيرة أو عن طريق الزوار الإيرانيين، أو من خلال الحدود المفتوحة بين البلدين دون حسيب ولا رقيب.
ومع ذلك ففي السنوات الأولى من احتلال العراق، كانت التجارة غير الشرعية التي تقوم بها إيران عبر العراق، باعتباره بلدِ مرورٍ وعبورٍ للمخدرات إلى الدول المستهلكة لها في الخليج، ولكن مع استفحال أمر المليشيات ومسكها للملف الأمني في العراق، ثم تدهور الحالة الاجتماعية والمعيشية للمواطنين العراقيين، وجدت إيران ضالتها في هذه المليشيات حتى تقوم بترويج هذه المخدرات بين أوساط الشعب العراقي، وتحويل فئات كبيرة من الشباب العراقي إلى مدمنين للمخدرات الإيرانية.
رصد تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، ظاهرة انتشار مخدر “كريستال ميث” على نطاق واسع بين الشباب العراقي، خاصة في العاصمة بغداد ومدينة البصرة. مع أن الأمم المتحدة قد صنفت العراق قبل سبع سنوات فقط، على أن العراق هو بلد عبورٍ للمخدرات بشكل أساسي، وليس مستهلك لها، لكن الأمر تغير اليوم.
وهذا ما أكدته رئيسة البحوث في وكالة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، أنجيلا مي، حينما أكدت أن استخدام وانتشار المخدرات بدأ يظهر في العراق قبل سبع سنوات، فيما تقوم العصابات بإدخال كميات كبيرة من مخدر “كريستال ميث” من إيران، حيث توجد العديد من المختبرات المصنعة لهذا المخدر، وهذا ما أكده كبير قضاة محكمة الاستئناف في البصرة أيضًا حينما قال: “إن تجار المخدرات يأتون بالمخدرات من خلال الحدود العراقية الإيرانية، أو عن طريق نهر شط العرب بمحافظة البصرة”.
وغالبًا ما تفلت المليشيات العراقية من العقاب رغم ضلوعها في عمليات تجارة المخدرات في العراق، في ظل سيطرتها على المشهد الأمني، بل إن كثيرا من عمليات تهريب المخدرات إلى محافظات الوسط والجنوب تتم بحماية سياسية، أو من قبل جماعات مسلحة تخشى القوى الأمنية من التصادم معها كونها تمتلك فرق اغتيال، وقادرة على العبث بأمن المدن.

لماذا تقوم إيران باستخدام المخدرات؟
إن لجوء إيران لتسهيل عمل تجارة المخدرات، أو غض الطرف عنها وخاصة في الفترة الأخيرة، يعود في أحد أسبابه إلى الصعوبات التي تعاني منها اقتصاديًا بسبب العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليها الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فإن هذه التجارة لا تحتاج منها إلى بنية تحتية صناعية كبيرة، وتوفر لها هذه التجارة تمويلا مستداما وسهلًا لاقتصادها واقتصاد ميليشياتها العاملة في العراق وغير العراق، كما أن دخول المليشيات العراقية على خط هذه التجارة، تعود أسبابه إلى دخول الاقتصاد العراقي إلى ركود قاس نتيجة انخفاض أسعار النفط، وبالتالي فإن استيلاء تلك المليشيات على العقود الحكومية، لم يعد يجدي لها نفعًا ماديًا كبيرًا، وبالتالي فإنها فضلت الدخول على خط تجارة المخدرات لتسلب المواطن العراقي قوته وقوت عياله بعد جعله يدمن على المخدرات القادمة من إيران، ونجحت المليشيات في جمع ملايين الدولارات من العراقيين، وأسهمت في معالجة عجزها التمويلي، وتحول العراق من ممر رئيسي للمخدرات، إلى سوق رائجة لمختلف أنواع المخدرات، في ظل سيطرة شبه كاملة على المعابر الحدودية من قبل تلك المليشيات. وفي وقاحة قلَّ نظيرها، قام السفير الإيراني بالرد على مسؤولية بلاده عن تهريب المخدرات إلى العراق، قائلًا:” إن المخدرات تُهرَّب من بلاده إلى العراق من خلال شبكة تجار خارجين عن القانون، لكن بالمقابل، يقوم العراق بتهريب الخمور إلى إيران”.
ومن خلال متابعة الخطوط التي تستعملها عمليات تهريب المخدرات في المنطقة، نلاحظ ازدهارها في المناطق التي تسيطر عليها إيران أو يسيطر عليها من يواليها من الميليشيات، فهي تجارة رائجة في المناطق الأفغانية التي لإيران نفوذ فيها، والحال نفسه في لبنان الذي ينشط فيها حزب الله ويمتهن تلك التجارة، بالإضافة إلى المليشيات والأحزاب السياسية المقربة لإيران في العراق. وتعتبر هذه التجارة القذرة مصدرًا مهمًا للمال السهل الذي تجنيه على حساب فقراء الدول التي تنشط فيها.

هل تُسهم المخدرات في احتلال إيران للعراق كما احتلت بريطانيا الصين؟
من خلال قراءتنا للتاريخ وماذا فعلته بريطانيا وباقي الدول الغربية في القرن التاسع عشر مع الإمبراطورية الصينية، نجد أن إيران تمضي على ذات الخطى التي فعلتها بريطانيا في الصين، فهي قد نجحت في خلق شريحة كبيرة من المدمنين في المجتمع العراقي، وبدأت تستنزف المواطن العراقي ماليًا، وقطعت شوطًا طويلا في اخضاع الحكومة والدولة العراقية لها، ولم يتبق شيئا حتى يكون احتلالًا رسميًا للعراقي سوى الإعلان عنه. وهذا ما ستكون عليها المرحلة القادمة من تطورات التوغل الإيراني في العراق، فمن غير المستبعد إذا بقيت الأمور تمضي وفق النهج الحالي، أن يتم ضم العراق لإيران عبر اجراء استفتاء شعبي مزور، تكون نتيجته هي رغبة الشعب العراق بالإنظام للجمهورية “الإسلامية” الإيرانية. وبذلك لن يكون حال العراق بأفضل من حال الأحواز التي تعرضت للاحتلال قبل ما يقارب الـ 100 سنة خلت.

مقال خاص براسام