يبدو أن إعلان الولايات المتحدة عن سحب أكثر من 2000 من جنودها من العراق خلال سبتمبر/ أيلول، قد شجع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. حيث تعهدت بعض الجماعات بمواصلة قتالها ضد القوات الأمريكية المتبقية في البلاد.

قال قائد القيادة المركزية الأمريكية، جنرال مشاة البحرية فرانك ماكنزي، في 9 سبتمبر/ أيلول: “إن الولايات المتحدة ستخفض عدد قواتها في العراق من نحو 5200 إلى 3000″، وأضاف: “إن القرار تم اتخاذه بالتشاور مع الحكومة العراقية والشركاء المناوئين لتنظيم الدولة (داعش)، وتقديراً للتقدم الكبير الذي حققته القوات المحلية في العراق”.

يقول بعض الخبراء، إن التخفيض الكبير في الوجود العسكري الأمريكي هو تحقيق جزئي، على الرغم من أنه غير مقصود، لهدف طويل الأمد لإيران والميليشيات العراقية المتحالفة معها من ميليشيات “الحشد الشعبي” بطرد الأمريكيين من الدولة الغنية بالنفط.

يقول بعض مراقبي العراق إن القوات المناهضة للولايات المتحدة يمكن أن تصبح الآن واثقة من نفسها بشكل مفرط، حيث ستشن المزيد من الهجمات على أمل إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب الكامل بحلول الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/ تشرين ثاني.

قال دولور علاء الدين، الرئيس المؤسس لمعهد أبحاث الشرق الأوسط ومقره أربيل: “تحاول كتائب حزب الله وميليشيات “الحشد الشعبي” تسويق فكرة أنها من فرض التخفيض العسكري الأمريكي وقد تشجعها أيضًا إيران على استفزاز الولايات المتحدة بشكل أكبر خلال أكتوبر/ تشرين الأول، أي في الفترة التي تسبق الانتخابات”.

في عام 2009، صنفت الولايات المتحدة ميليشيا حزب الله منظمة إرهابية “لتهديد سلام العراق واستقراره” ومهاجمة المصالح الأمريكية في البلاد.

وأضاف علاء الدين: أن إيران، من ناحية أخرى، تبدو أكثر حذرا حتى لا تستفز إدارة ترمب، التي لا يمكن توقع رد فعلها، قبل الانتخابات.

 

تشجيع المتمردين

تم إنشاء ميليشيا “الحشد الشعبي” في البداية بمساعدة إيران لمساعدة الجيش العراقي المحبط في محاربة تنظيم الدولة “داعش” عام 2014. يقول المحللون إنه على الرغم من أن عناصر “الحشد الشعبي” يتقاضون رواتب من حكومة بغداد، إلا أنهم في الممارسة العملية لا يزالون يعتمدون بشكل وثيق على إيران  من دون الاستجابة لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي هو أيضًا القائد العام للقوات المسلحة.

عندما انسحبت القوات الأمريكية من قاعدة التاجي العسكرية بالقرب من العاصمة العراقية بغداد، في شهر اغسطس/ آب الماضي، خرجت الميليشيات الموالية لإيران علنًا لتصوير الخطوة الأمريكية على أنها “مقاومة” تؤتي ثمارها.

قال المتحدث باسم ميليشيا حزب الله “محمد محي” في مقابلة إذاعية محلية: “أعتقد أن عملية الانسحاب جاءت نتيجة استمرار عمليات المقاومة في المنطقة، وأصبح من غير الآمن بقاء هذه القوات”.

في الآونة الأخيرة، بدأ نظام دفاع مضاد للصواريخ، بالقرب من السفارة الأمريكية في بغداد، العمل لاعتراض الصواريخ القادمة، في حين استهدفت قنبلتان على الأقل على جانب الطريق قافلة تنقل معدات عسكرية للتحالف بقيادة الولايات المتحدة.

على الرغم من أن أياً من الهجمات الأخيرة لم تسفر عن أية إصابات أو أضرار مادية كبيرة، إلا أنها تُظهر كيف أن الميليشيات المعادية للولايات المتحدة تستمر في امتلاك القدرة على تهديد الوجود الأمريكي في العراق.

في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية، تحدث كمال الحسناوي، نائب زعيم حركة الابدال المدعومة من إيران، والتي هي أيضًا جزء من ميليشيا “الحشد الشعبي”، بعبارات أكثر تهديدًا بعد نشر أنباء عن مغادرة أكثر من 2000 جندي أمريكي العراق.

وتوعد بأن “العمليات العسكرية ضد الوجود الأمريكي بكل أسمائه ستستمر، حتى تغادر جميع تلك القوات في أسرع وقت ممكن وفقا لقرار مجلس النواب العراقي”.

في أوائل كانون الثاني (يناير)، بعد مقتل زعيم ميليشيا حزب الله أبو مهدي المهندس وقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، أقر البرلمان قرارًا غير ملزم يطالب بسحب القوات الأمريكية والقوات الأجنبية الأخرى. ثم هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بفرض عقوبات شديدة على العراق في المقابل.

 

هجمات متصاعدة

قال ماكنزي، في مقابلة مع شبكة إن بي سي في شهر سبتمبر/ أيلول الحالي، إنه لاحظ زيادة في الهجمات على قواته في العراق في الأشهر الأخيرة. وأضاف :”إن قرار سحب القوات لم يكن بسبب تزايد تلك الهجمات” وقال: “لقد تعرضنا لنيران غير مباشرة حول قواعدنا وضدها في النصف الأول من هذا العام أكثر مما شهدناه من هجمات في النصف الأول من العام الماضي”. وأضاف: “لم تكن هجمات قاتلة بشكل خاص وهذا شيء جيد، إلا أنها لم تتوقف”.

ووفقًا للبنتاغون، فإن قرار خفض عدد قواته إلى 3000 يأتي بعد تدريب قتالي، على مدى سنوات، أُعدت فيه بعض عناصر قوات الأمن المحلية في العراق لمواجهة فلول تنظيم الدولة “داعش” بمفردها. كما تعهد ترمب بإعادة 1000 جندي أمريكي إضافي إلى الوطن بحلول نهاية العام.

في العراق، تباينت الآراء حول جاهزية القوات المحلية لمحاربة تنظيم الدولة “داعش”. فقد حذرت القيادة الكردية، التي تفضل وجودًا أمريكيًا، مؤخرًا من زيادة نشاط التنظيم مقابل عجز القوات المحلية في كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل.

ورفض مسؤولون أكراد طلب إذاعة صوت أمريكا للتعليق بسبب حساسية موضوع الانسحاب الأمريكي من العراق.

يقول سياسيون عراقيون آخرون، لا سيما في الأوساط الشيعية، إن تدريب الجيش العراقي وتجهيزه كافي لمنع عودة تنظيم الدولة “داعش”.

قال ثامر ذيبان، عضو مجلس نواب العراق عن تحالف فتح، الجناح السياسي لميليشيا “الحشد الشعبي”، لـ موقع صوت أمريكا( VOA ) : إن قوات الأمن المحلية في العراق قادرة على الحفاظ على أمن العراق”.

وأضاف أن الوجود العسكري الأمريكي في بلاده سيعطي “شرعية” لعناصر “الحشد الشعبي” مثل حزب الله لمهاجمة القواعد الأمريكية.  وإن “وجود القوات الأمريكية يسبب البلبلة ويجذب المقاتلين الأجانب وتدخل دول المنطقة”.

على الرغم من ذلك، يشك بعض المحللين في أن خفض مستويات القوات الأمريكية هو النهج الصحيح لما يعتبرونه تهديدًا جهاديًا متجددًا.

قال مايكل بريجينت، الزميل البارز في معهد هدسون، الذي عمل سابقًا كضابط استخبارات عسكرية أمريكية في العراق: “لا يكفي وجود ألفين جندي داخل العراق للتركيز على تنظيم الدولة “داعش””.

وأضاف بريجينت، “في حين أن رحيل القوات الأمريكية يعد بلا شك دعاية لميليشيا “الحشد الشعبي”، إلا أنه يمكن أن يمنح واشنطن حرية أكبر للرد على هجمات الميليشيات”.

وقال: “قد يسمح ذلك بالفعل للولايات المتحدة باستهداف الميليشيات من دون القلق بشأن تعريض الأمريكيين في العراق لهجمات انتقامية لأنه يتم نقلهم إلى قواعد يمكن الدفاع عنها”.

 

صوت أمريكا/ نامو عبد الله

ترجمة وتحرير: راسام