الباحث : حسين صالح السبعاوي

الحضارة في اللغة مأخوذة من الفعل حضر أي التمدن، فالحضارة عكس البداوة التي يعيش فيها الناس حياة قبلية، إلا أن عالم الاجتماع ابن خلدون يقول: “إن جميع الحضارات التي نشأت كانت في بدايتها تعيش حياة البداوة ثم تتوسع شيئاً فشيئا حتى تصبح دولة”.
تعرف الحضارة بأنها نتاج الجهد البشري من فكر وعلم وعمل متواصل خدمة للإنسانية، فالحضارة تتكون من ركنين أساسيين هما :
أولا : الدين والقيم والأخلاق والقوانين والعادات والتقاليد وعلوم التاريخ وبقية العلوم الإنسانية.
ثانيا : المدنية، وهي تشمل التطور المادي في كافة مناحي الحياة مثل الصناعة والتكنولوجية وتطور البناء والأسواق وعلوم الاقتصاد والرياضيات والذرة وبقية العلوم المادية.
لا يمكن للحضارة أن تتشكل بغياب أحد هذين الركنين، فإذا كانت الدولة أو الأمة مهتمة بالدين والعادات والتقاليد والقيم والأخلاق وتتجاهل التطور المدني والعمراني والتقني فهذه الدولة ستكون دولة كهنوتية مثل دولة بابا الفاتيكان الآن، أما إذا تجاهلت الدولة الدين والقيم والأخلاق والعادات والتقاليد ولجأت إلى المدنية والتطور المادي البحت فيسمى هذا النوع من الدول (الدولة المدنية)، ولا يمكن أن يطلق عليها دولة حضارية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الشيوعية عموما لأنها ركزت على المادية وتجاهلت الدين والقيم والأخلاق .
من صفات الحضارة أنها تتغير تدريجا وليس بشكل مفاجئ سواء في مرحلة البناء أو الهدم، والحضارات الإنسانية جاءت مكملة لبعضها البعض خدمة للبشرية جمعاء فالحضارة الغربية هي امتداد للحضارة الرومانية والحضارة الرومانية هي امتداد للحضارة اليونانية .
وتقسم الحضارة إلى قسمين :
١- الحضارة المنعزلة: وهي الحضارة التي تنشأ في أمم محددة ضمن الرقعة الجغرافية التي تعيش فيها تلك الأمم مثل الحضارة الصينية والحضارة اليابانية والحضارة الفارسية قبل الإسلام .
٢- الحضارة المنفتحة: وهي الحضارة التي تنتشر في أغلب بقاع الأرض ويشترك في تكوينها عدة دولة وهذا النوع يطلق عليه بالحضارة العالمية مثل الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية التي انتشرت في أغلب بقاع الأرض – قبل الإسلام – وتقبلها الناس ومساهمتهم في بنائها .
تمر الحضارة في عدة أطوار، تبدأ بمرحلة البناء ثم النضوج ثم مرحلة التقهقر والزوال، اذاً ممكن أن تزول الحضارة وتموت مهما بلغ شأنها مثل الحضارة اليونانية في الغرب والفرعونية في مصر والبابلية والاشورية في العراق إلا الحضارة الإسلامية فإنها تمرض لكنها لا تموت والفضل في هذا – بعد الله – يعود للمسلمين الاوائل الذين أسسوا هذه الحضارة وحافظ عليها أجيال المسلمين من بعدهم جيلاً بعد جيل إلى يومنا هذا .
ومثلما هناك أمم وأجيال استطاعت أن تبني حضارات قدمت نتاجها للعالم كذلك هناك أمم وأجيال ساهمت ولا تزال تساهم في الهدم الحضاري، وإيران واحدة من هذه الدول التي ساهمت ولا تزال في هدم الحضارة الإسلامية في محاولة يائسة منها لإحياء الحضارة الفارسية التي كانت موجودة قبل الإسلام رغم أنها كانت حضارة انعزالية لم تستطيع الإنتشار في العالم كله وكانت تركز على تمجيد الحاكم وتقديسه وتجاهلت الشعب وحقوقه وحريته، فالحضارة الفارسية ساهمت إلى حد ما في نشر العبودية في بلاد فارس آنذاك على خلاف الحضارتين الغربية والإسلامية التي ساهمت كثيرا في بناء الدول وتوسعت كثيرا حتى أصبحتا حضارتين عالميتين .

أهم المحاولات التي قامت بها إيران في هدم الحضارة الإسلامية:
منذ زوال الحضارة الفارسية على يد المسلمين سنة ١٦ هجرية في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بعد معركة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص ما فتئت إيران ولا يوما واحدا عن تقبّل الوضع العالمي الجديد، فهي تحاول جاهدة مرة تلو الأخرى لاستعادة حضارتها الفارسية بتدمير الحضارة الإسلامية من الداخل، فقامت عبر التاريخ بتشكيل الفرق الباطنية مثل الإسماعيلية والقرامطة والخرمية والمزدكية لعودة الزرادشتية التي كانوا يدينون بها قبل الإسلام من خلال هذه الفرق الضالة، لكنها فشلت ثم تحاول عبثاً نصرة آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) – وهي من أشد أعداء آل البيت – لغرض شق صف المسلمين، بعدها أسست جماعات مسلحة واستغلت ضعف الدولة وفعاثت في الأرض فساداً بواسطة البويهيين وأذلوا الخلفاء العباسيين ثم جاؤوا بهولاكوا الذي أحرق الأخضر واليابس وقبله بجنكيز خان وبعده بتيمورلنك وتحالفوا مع الشرق والغرب كل هذا من أجل إنهاء الحضارة الإسلامية وتدميرها، وأخيرا جاءوا بالخمينية الطائفية العنصرية صنيعة الغرب لينفثوا سمومهم ويمزقوا العالم العربي والإسلامي ويشعلوا فيه الحرائق، ورغم الإيذاء الذي حصل للمسلمين بسببهم وتقهقر حضارتهم إلا أنهم لم يفلحوا ولن يفلحوا في إنهاء المسلمين لأنهم اعتمدوا على الهدم، فستبقى هذه الحضارة شامخة يشع نورها في الشرق والغرب وسيدخلها الناس افواجاً افواجا ليستظلوا بظلها وينهلوا من معارفها، كيف لا وأصل هذه الحضارة في السماء وتمتد جذورها إلى أعماق الأرض؟! فلا هم استطاعوا إنهاء الحضارة الإسلامية ولا هم استطاعوا أن ينشئوا حضارة جديدة تستطيع أن تقدم نتاجها للعالم أو حتى لشعوبهم التي تعاني من التخلف والتراجع الحضاري.
ورب قائل يقول بأن هناك من علماء الفرس قد ساهموا في بناء الحضارة الإسلامية مثل البخاري ومسلم وأبي داود وأبي حنيفة النعمان (رحمهم الله جميعا)، فنقول نعم – ورغم التشكيك في نسب هؤلاء العلماء بنسبهم الفارسي – إلا أن هؤلاء وأمثالهم لم ينطلقوا من منطلق فارسي قومي بل دخلوا في الإسلام ونهلوا من تعاليمه وحسن إسلامهم وأخصلوا العمل في سبيل الله، إن النظرة الفارسية تجاه الحضارة الإسلامية مبنية على الهدم، ومن تربى على الهدم لا يصلح للبناء ولا مجال لهم ولغيرهم سوى تقبّل هذه الحضارة العظيمة والمساهمة في بنائها – إن كانوا فعلا ينتمون إليها كما يدعون – وإلا فجميع محاولاتهم سوف تبوء بالفشل وستبقى الحضارة الإسلامية شامخة لا يضرها من خالفها.
( كلما اوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله )

مقال خاص براسام