اسرائيل تشن الحرب وتكسب الضربة الأولى:
إن نجحت اسرائيل بشن الحرب عام 196، واستطاعت أن تباغت القوات العربية على مختلف الجهات بالضربة الأولى، التي أجبرت القوات العسكرية العربية على التحول من صناعة الفعل الى ردة الفعل، وهذا يعني أنها ستكون منقادة الى معركة من تخطيط عدوها، حيث يقول “اللواء الركن محمود شيت خطاب(1)” في كتابه “الأيام الحاسمة قبل معركة المصير” إن عدم مهاجمة العرب لإسرائيل يوم إعلانها النفير العام في23/أيار 1967كان خطأ استراتيجي كبير وفادح، وقعت فيه القيادات العربية السياسية والعسكرية، وحولت المباغتة والمبادأة الى العدو الصهيوني، الذي أقلعت طائراته الحربية بالساعة(0815)يوم5حزيران/يونيو عام1967، والتي يصل عددها التقريبي الى أكثر من(208)طائرة حربية، من قواعدها الجوية الاسرائيلية لتنفذ ضربة جوية شاملة، بطائرات من مختلف الأنواع(ميراج3، فوتور، سوبر، مستير، اوريجان، فوجاماجستر)، متوجهةً نحو أهدافها في العمق المصري بارتفاع منخفض جداً يصل الى(50)متر فوق سطح البحر، مع الإبقاء على(12)طائرة فقط للقيام بواجب الحماية الداخلية، منها أربع طائرات جاثمة على الأرض باستعداد رقم(1)، وثمانية طائرات تحوم في الجو لتنفذ مظلة حماية جوية فوق الكيان الصهيوني، وهذا يجعلنا نقيم الهجوم الجوي الإسرائيلي ونصفه بالمغامرة الجريئة، ولكنها محسوبة بدقة متناهية، حيث كانت أسبقية الهجمات تتركز لتدمير مدارج الطائرات، وعقد تقاطع المدارج الرئيسية على الأرض، ثم مهاجمة الطائرات الجاثمة بقرب المدارج والتي تصنف كحالات استعداد قصوى، ثم مهاجمة وتدمير باقي الطائرات حيث انقسمت الضربة الجوية الاسرائيلية الشاملة الى ثلاث مجاميع هجومية وكما يلي:
• المجموعة الأولى: وهي طائرات الصولة والضربة الأولى، حيث نفذت الطائرات الاسرائيلية بالساعة (0832-0900)ضربة جوية شملت مطارات “سيناء، العريش، السر، بيرتمادا، المليز” ويقدر عدد الطائرات التي نفذت هذه الضربة(174)طائرة.
• المجموعة الثانية: وهي طائرات الضربة الثانية، حيث نفذت الطائرات الاسرائيلية بين الساعة(08:48-09:05)ضربة جوية شملت قواعد ومطارات “القناة، أبو صوير، فايد، كبريت”، ويقدر عدد الطائرات التي نفذت هذه الضربة(161)طائرة.
• المجموعة الثالثة: وهي طائرات الضربة الثالثة، حيث نفذت الطائرات الاسرائيلية بين الساعة(08:55-09:10)ضربة جوية شملت القواعد الجوية في “أنشاص، غرب القاهرة، بني سويف”، ويقدر عدد الطائرات التي نفذت هذه الضربة(157)طائرة.
تفاصيل ونتائج الضربة الجوية الاسرائيلية:
• لقد استغرقت الضربة الجوية الاسرائيلية الشاملة الأولى(75)دقيقة، بحيث كان الفارق الزمني بين الضربة الأولى وقصف “مطار المليز”، وبين الضربة الثالثة وقصف ومهاجمة “قاعدة بني سويف”(9)دقائق، وكانت الضربات على شكل موجات جوية متتالية، ومتواصلة، ومنسقة بشكل دقيق، على شكل رفوف جوية تتكون من ثلاث طائرات تقوم بتنفيذ هجمات تتراوح من(3-4)هجمات، بفاصلات زمنية تتراوح من(20-30)ثانية بين طائرة وأخرى ومن اتجاهات مختلفة، وكانت الاصابات دقيقة بشكل كبير، لوجود معلومات دقيقة عن الأهداف المستهدفة، بحيث لم تهاجم الطائرات الاسرائيلية أي طائرة هيكلية أو وهمية(دمى)كانت في المطارات، كما أنها تبين المستوى الفني، والتدريبي، العالي للطيارين الإسرائيليين، وهنا التوصيف ليس من المدح بقدر ما هو التشخيص الدقيق للقوات الاسرائيلية وعدم الاستهانة بالأعداء.
• لقد شملت الضربة الجوية الشاملة الثانية تدمير المعدات الفنية الموجودة بالقواعد والمطارات الجوية، وقد نجحت اسرائيل في الضربة الجوية الأولى، والثانية، في تدمير معظم الطائرات والقواعد والمطارات المصرية، وطبقاً للبيانات الاسرائيلية فقد تم تدمير(25)مطار، وتدمير ما لا يقل عن85% من الطائرات المصرية، بحيث تم تدمير(209)طائرة، من أصل(340)طائرة، بحيث أخرجت القوة الجوية المصرية من المعركة خلال ساعتين ونصف من بداية الهجوم، كما حسمت الضربة الجوية الشاملة المعركة البرية قبل أن تبدأ لغياب الغطاء الجوي، وقد تم تحويل جزء بسيط من الجهد الجوي الاسرائيلي لتدمير محطات الرادار، وكتائب الصواريخ أرض- جو، ليتم تخصيص الجزء الأكبر لمهاجمة القوات البرية المصرية، وأسناد تقدم القوات البرية الاسرائيلية.
• القوة الجوية الاسرائيلية تقصف الأردن، وسوريا، والعراق، لم تكتفي اسرائيل بالقصف الجوي على الجبهة المصرية بل قصفت مطارات أردنية في “المفرق” و”عمان”، ودمرت (22)طائرة مقاتلة، و(5)طائرة نقل، و(2) طائرة هليكوبتر، كما قصفت مطارات سورية منها “مطار الضمير” و”مطار دمشق”، ودمرت(32) طائرة مقاتلة نوع ميغ، و(2)طائرة يوشن، و(28)طائرة قاذفة، كما هاجمت القواعد الجوية العراقية في H3″” وذكرت مصادر اسرائيلية بأنها دمرت ما يقارب(416)طائرة عربية، بينما خسرت اسرائيل(26)طائرة مقاتلة.
الحرب البرية الاسرائيلية على الجبهات العربية:
لقد اعتمدت إسرائيل في حربها الخاطفة عام1967على قوتها الجوية في تغير موازين القوى، مما جعلها تتحرك بحرية تامة في حربها البرية، رغم النقص الكبير بالقوة البشرية، التي استطاعت تعويضها بالقوات المدرعة، والقوات الألية التي تمتاز بقابلية الحركة، والقوة النارية، بالإضافة الى التفوق الجوي الذي وفرته قواتها الجوية على الجبهات الثلاث وكما يلي:
• الجبهة البرية المصرية: لقد اكتسبت الجبهة المصرية أهمية كبيرة لدى القادة العسكريين الاسرائيليين في حرب حزيران عام1967واعتبرت الجبهة الرئيسية في هذه الحرب بعد العدوان الثلاثي عام1956، حيث بدأت المعركة البرية بعد الهجوم الجوي واستطاعت الجيش الإسرائيلي أن يخرق الجبهة المصرية من ثلاث محاور(الشمالي، الأوسط، والجنوبي)، واستطاع أن يدمر فرقتي المشاة التي كان يرتكز عليه الدفاع المصري، وهي “الفرقة السابعة”، و”الفرقة الثانية”، من النسق الأول، وسقطت “مدينة العريش” بيد الجيش الاسرائيلي، وأنفتح “المحور الشمالي” أمام القوات المدرعة الاسرائيلية التي استطاعت الوصول الى “قناة السويس”، وتمكن من السيطرة على “منطقة المنطار”، حيث دارت المعارك من شارع الى شارع في “قطاع غزة” و”خان يونس” التي كانت تخضع لسيطرة القوات المصرية منذ حرب عام1948.
• لقد تمكنت القوات الاسرائيلية من التقدم من “النقب” حتى وصلت طلائعها على “محور بير حليفان”، وقطعت الطريق بين “العريش” و”جبل لبنى”، لتهاجم الفرقة المشاة المصرية الثانية في منطقة “القسيمة” و” أم قطف” و”أبو عجيلة” الواقعة جنوب شرق مدينة “رفح في سيناء”، وقد تمكنت القوة الجوية الاسرائيلية من تحديد حركة القوات المدرعة المصرية وتثبيتها، مما اضطرت القيادة العسكرية المصرية الى أصدر أمراً بانسحاب قواتها العسكرية الى غرب القناة، مما أثر سلباً على الاداء القتالي ومسار الحرب للجيش المصري، حيث سقطت “سيناء” كلها حتى “شرم الشيخ” باستثناء “رأس العش” شمالاً، حتى “بور فؤاد” شرقاً، حيث صدر قرار مجلس الأمن الرقم(233)الذي ينص على وقف أطلاق النار، والذي كان بمثابة إقرار دولي باحتلال اسرائيل لأراضي مصرية، ثم صدر قرار مجلس الأمن الرقم(235)لتأكيد وقف إطلاق النار، حيث أعلن الرئيس المصري “جمال عبد الناصر” تنحيه عن الحكم، أعقاب هذه الخسارة الفادحة والتي رفضها الشعب المصري.
• الجبهة الأردنية: لقد بدأت القوات الأردنية الحرب عام1967بقصف مدفعي وجوي شمل المطارات الاسرائيلية، والمدن، والمستوطنات، والمستعمرات الاسرائيلية، التي تسيطر عليها القوات الصهيونية في “تل أبيب” و”القدس”، كما احتلت سرية من القوات الأردنية المنطقة المحرمة بين الطرفين في منطقة “أرمون هنتسيف”، ولكن القوات الاسرائيلية أمطرتها بالمدفعية والدبابات وأجبرتها على الخروج منها، ومن مناطق أخرى في “جبل المكبر”، كما أحتلت “تل الفول” الذي يمثل المنطقة الاستراتيجية بين “القدس” و”رام الله”، بالإضافة الى سيطرتها على مواقع استراتيجية حول القدس، كما هاجمت دبابات اسرائيلية ممر “باب الواد الضيق” و”مركز شرطة اللطرون المحصن”، حيث ردة الفعل الاسرائيلية على الأردن قوية بعد تنفيذ الضربة الجوية على الجبهة المصرية، حيث قامت بقصف المطارات الأردنية وتدمير طائراتها، بينما قامت القوات البرية الاسرائيلية بالهجوم على “الضفة الغربية واشتبكت مع اللواء الأردني (25)على ثلاث محاور هي: محور “مجدو- جنين”، ومحور “عين السهلة- يعبد” و”محور زرعين- جنين”، بحيث عزلت مدينة “القدس” عن “الضفة الغربية” بعد أن وصلت قواتها الى مدينة “جنين “حيث توالت سقوط المدن فسقطت مدينة “نابلس” كما اندفعت القوات الاسرائيلية باتجاه “نهر الأردن”، واشتد القتال حول “القدس الشرقية” حيث تم السيطرة عليها بشكل كامل، حيث صدر قرار مجلس الأمن الرقم(234)لتأكيد وقف إطلاق النار وأعلن الملك حسين موافقته عليه.
• الجبهة السورية: لقد تبادلت القوات السورية والاسرائيلية القصف المدفعي والجوي منذ اندلاع الحرب في5حزيران/يونيو/1967، وحصلت محاولات سورية لاختراق الحدود فأحبطها الجيش الاسرائيلي، الذي شن هجوم جوي استطاع من خلاله تدمير القوة الجوية السورية ومطاراتها، كما أستطاع الجيش الاسرائيلي بهجومه البري أن يخرق الدفاعات السورية شمال “هضبة الجولان” واستطاع احتلالها، حتى وصلت الى “مدينة القنيطرة” حيث توقفت الحرب يوم10حزيران عام1967، بعد أن صدر قرار مجلس الأمن الرقم (236)الذي يدين أي تحرك للقوات بعد هذا التاريخ.
القوة الجوية العرقية تشارك في حرب حزيران (يونيو)1967م.
لقد كان موقف القوة الجوية العراقية متميزاً ومشرفاً في حرب حزيران 1967، رغم الاشكاليات التي كانت تعاني منها القوة الجوية العراقية آنذاك، والتي تضاف الى عدم وجود خطة عمليات مركزية تشترك فيها القوات الجوية العربية، ومع هذا فقد استطاع نسور الجو أن ينفذوا العديد من الواجبات في العمق الاسرائيلي منطلقين من “قاعدة الوليد الجوية” و”قاعدة الحبانية”، لتضرب وتدك العدو الصهيوني في “تل أبيب” و”كفر سركين” و”نتانيا” وغيرها، حيث كان النشاط الجوي العربي يقتصر على القوة الجوية العراقية والأردنية والتي خرجت من المعركة بعد ذلك، مما جعل المعركة الجوية تحتدم بين القوتين، لتشهد السماء اشتباكات جوية عنيفة، استطاعت فيها القوة الجوية العراقية من أسقاط “خمسة طائرات اسرائيلية” من طراز “فوتور” و”ميراج3″، وتم أسر عدد من طياريهم الذين أشادوا بالشجاعة الفائقة التي أبدها الطيارين العراقيين في معارك الاشتباك الجوي، كما تعرضت “قاعدة الوليد” الى خسائر في المباني، والاشخاص، والطائرات، علماً بأن القوة الجوية العراقية كانت منشغلة آنذاك بمشاكل الامن الداخلي، وكان اجمالي طائرات القتال المتيسرة في القوة الجوية العراقية في5حزيران 1967هو :
•المتصديات(26)طائره ميج 21 .
•المقاتلات القاذفة(48)طائرة ( هوكر هنتر ، ميج 17 ).
•القاصفات(20)طائرة تي- يو 16 ، اليوشن (28)طائرة.
•اجمالي الطيارين(128)طيار مقاتل .
المراجع:
(1) كتاب: الأيام الحاسمة قبل معركة المصير، اللواء الركن محمود شيت خطاب، وزارة الثقافة والارشاد بغداد 1967، طبع بمطابع دار الجمهورية.
.

