أستراتيجية الصين للسيطرة على الموانئ (سلسلة اللآليء الصينية):
لقد أتبعت الصين السياسة الناعمة في تمددها لدول المنطقة واستطاعت أن تستحوذ على الكثير من الموانئ والمنشآت عن طريق اتباع سياسية الأاتصاد، والاستثمار، وتقديم القروض المادية للدول الفقيرة وأغرقها بالديون، بحيث لا تستطيع أعادتها أو تسديدها حتى ولو كان ذلك على شكل دفعات، وهذا يعني بأن الصين ستحاول الحصول على أموالها بطرق وأشكال مختلفة، بل أنها ستفرض شروطها ومطالبها على الدول المدانة والمتعثرة عن سداد ديونها بما يخدم المصالح الصينية العسكرية والاقتصادية على المدى البعيد وهذا ما حصل فعلاً مع الكثير من الدول التي تم مقايضتها بتأجير موانئها أو أراضيها لسنوات طويلة كي يتم أستخدامها لأغراض أقتصادية وعسكرية تخدم المصالح الصينية التوسعية في المنطقة، بما في ذلك أستخدامها لتقديم كافة أنواع الدعم اللوجستي والاستخباري اللازم لقواتها الجوية والبحرية العاملة في المنطقة، ومن هذه الموانئ على سبيل المثال: مرفأ “هامبانتونتا” الاستراتيجي في “سريلانكا” بعقد لمدة(99)سنة، وكذلك ميناء “مومباسا” في “كينيا”، وميناء “جوادر الباكستاني”، و”جزر المالديف” حيث استأجرت أحدى الجزر لمدة خمسين عاماً، ومرفأ “شيتاغونع” في “بنغلاديش”، كما قدمت بكين “للسودان”(90)مليون دولار كمنح وقروض لدعم مشاريع تنموية، بينما قدمت “للجزائر” أستثمارات بمليار ومئتان مليون دولار، ووقعت مع “مصر” صفقات بقيمة(18)مليار دولار ضمن مبادرة الحزام والطريق، علماً إن “جيبوتي” مدانة بـ(88%)من ناتجها المحلي للصين مما دفعها الى منحها أحد الموانئ على البحر الأحمر لعدم قدرتها على سداد ديونها، وكذلك فعلت مع “كمبوديا”.

إن جميع هذه الموانئ التي تم ذكرها أعلاه تأتي ضمن “سلسلة اللآليء” التي تتبناها بكين من أجل بناء تحالفات عسكرية لمصالح اقتصادية ترتبط بمشروع الحزام والطريق الذي يقتضي استحواذ الصين على الكثير من الأراضي والموانئ في العديد من دول العالم الأمر الذي يمنحها قدرة كبيرة على أستخدام هذه الأراضي وتحويلها الى قواعد عسكرية واقتصادية صينية متقدمة، كما تمكنها من حماية طرقها التجارية للعالم، وكذلك التأثير على القرارات السياسية والاقتصادية لهذه البلدان التي سترتبط أقتصادياً وعسكرياً وسياسياً بالرؤية الصينية، ومن أكثر البلدان التي أثقلت بالديون هي: “منغوليا”، و”لاوس”، و”جزر المالديف”، و”مونتينيغرو”، و”طاجكستان “، و”باكستان”، و”جيبوتي”، و”قرغيزستان”، كما إن هناك اتفاقية أبرمت بين ايران والصين لمدة (25) عام، ستمكن بكين من انشاء موانئ وقواعد عسكرية وأمنية في ايران مقابل تسليحها، وتجديد بناها التحتية، بما فيها أعادة بناء القوات العسكرية البرية والجوية، والبحرية، ومنظمات الدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وهذا يعني أنها ستكون بوابة الصين للوصول الى المنطقة العربية والشرق الأوسط، مما يعني ضرورة وجود قواعد عسكرية صينية للإشراف على خط النقل البري والبحري من الصين لآسيا الوسطى، والى شواطئ البحر المتوسط، ومن هناك وصولاً الى أوروبا.

بعض ملامح الأستراتيجية العسكرية الصينية:
إن الاستراتيجية العسكرية الصينة تعتمد على تفعيل أستراتيجية الردع النووي لمعالجة الخلل الكبير في موازين القوى مع واشنطن، كون الميزان العسكري فيه أختلال كبير وغير متكافئ ويميل بشكل كبير لصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة، رغم الأنفاق العسكري الصيني الكبير الذي وصل لـ(252)مليار دولار حسب “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”(سيبري)، لذا فكين تعمل على بناء قدرات عسكرية شاملة تشمل برامج لتكثيف وتطوير وتحسين الصواريخ الباليستية، والصواريخ المجنحة المضادة للسفن، بما فيها تطوير أسلحة الضرب السريعة، التي تزيد وترفع من قدرات الجيش الصيني الضاربة في المياه الزرقاء العميقة بعيداً عن قواعده اللوجستية، وهي تعمل على ترقية أسطولها البحري، وغواصاتها النووية، والتقليدية، وتحويلها لقوات بحرية عظمى ذات قدرة قتالية عالية، وكذلك تطوير وبناء قواتها الجوية بما فيها زيادة أعداد حاملات الطائرات ،ومدمرات الصواريخ الموجهة، وفرقاطات الدفاع الصاروخي، والمدافع الكهرومغناطيسية، بما يمكنها من تدمير الطائرات الامريكية على الارض، بأمطار القواعد الجوية الأمريكية في كوريا الجنوبية، واليابان، وتايوان، وجزيرة غوام الأمريكية، والمحيط الهندي، والهادي، وفرض السيادة الجوية الصينية على سماء المعركة، وقد نجحت في خلق وبناء قدرات تسليحية عالية وضاربة وقادرة على منع وصول القوات العسكرية المعادية وخاصة الأمريكية الى حدود البر الصيني، من خلال خلق خطوط دفاعية تشمل مناطق محرمة، وخطوط حمراء، ومناطق محصنة، تمنع وصول أي قوات الى البر الصيني بسهولة.

تحالف الغواصات: صراع تحت قاع المحيط:
لقد أطلق على هذا التحالف الثلاثي(أوكوس)بين واشنطن، ولندن، وكانبيرا، تسمية تحالف الغواصات، لأن طبيعة المنطقة الجغرافية المستهدفة ألقت بظلالها على طبيعة هذا التحالف الأمني من ناحية: التسليح ،وطبيعة المنطقة الجغرافية المستهدفة، والأهداف الأستراتيجية المتوخاة من هذا التحالف، والتي ركزت على بناء القدرات العسكرية البحرية لأستراليا من خلال تزويدها بأسطول بحري حربي من الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية ولكنها بأسلحة تقليدية مع أمكانية تحولها عند الضرورة الى الأسلحة النووية في حال تصاعدت حدة التوتر والمواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة وبين الصين وحلفائها من جهة أخرى، خصوصاً وإن هذه المنطقة المستهدفة تكتسب أهمية أستراتيجية كبيرة، كونها المسرح المحتمل للحرب العالمية الثالثة، أو حتى العمليات العسكرية المحدودة التي يمكن أن تحصل بين دول المنطقة، علماً إن طبيعة هذا التحالف تشير بأن الحرب القادمة قد تكون نووية بحرية بأمتياز، لعدم وجود حدود برية تربط الدول المتصارعة فيما بينها، والتي يمكن أن تتطور في مراحل لاحقة لتكون حرباً برية على أراضي دول أخرى غير الدول الكبرى المتصارعة، لذا فالحرب الجوية، والبحريةً(حرب الغواصات)هي الراجحة وهي الأحتمال الأقوى لأي حرب قادمة، علماً بأن هناك الكثير من الدول التي ستنضم لهذا التحالف العسكري في الفترة القادمة، خصوصاً الدول المستهدفة من النفوذ الصيني والتي ترى بأن هناك تهديد حقيقي لأمنها القومي خصوصاً كوريا الجنوبية، واليابان، وكندا، وتايوان، هونغ كونغ، والهند وغيرها من الدول الأخرى.

واشنطن والمصالح الاستراتيجية من تشكيل التحالفات:
يعتبر هذا التحالف الاستراتيجي “أوكوس” من أهم التحالفات العسكرية التي قامت منذ الحرب العالمية الثانية، كونه يشكل أهمية كبيرة لنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المنطقة التي يتزايد فيها النفوذ الصيني بشكل غير مسبوق، لذا فأن تشكيل مثل هذه التحالفات ترمي لمحاصرة وتطويق الصين جيوسياسيا بتحالفات عسكرية وأقتصادية لأحتواء تحركاتها، وعزلها عن محيطها الدولي، وتضييق حركتها براً وبحراً، ولجم طموحتها السياسية والأقتصادية والعسكرية، وجعل منطقة المحيطين الهادئ والهندي منطقة حرة، وهذا لا يتم ألا بالحد من الهيمنة الصينة على هذه المنطقة، التي يمر منها ثلث أقتصاد العالم، علماً بأن “جو بايدن” أستضاف في يوم25أيلول/سبتمبر الماضي قمة للتحالف الأمني الرباعي الذي يطلق عليه تسمية “كواد”، والذي يضم الولايات المتحدة الأمريكية، والهند، وأستراليا، واليابان، التي حذرت من الهيمنة الصينية بوقت مبكر على هذه المنطقة، حيث دعت هذه القمة الى تفعيل التفاهمات والاتفاقات السابقة فيما يخص النفوذ الصيني وكيفية مواجهته، وتطويقه، والحد من تطوره، كما إن تفعيل واشنطن للتحالف الاستخباري الذي يطلق عليه “العيون الخمسة” والذي يضم كل من أمريكا، وبريطانيا، وأستراليا، وكندا، ونيوزيلندا، يأتي ضمن استراتيجية أدارة “جو بايدن” لبناء شراكات معادية للصين في مناطق مختلفة، لتكون بمثابة الحصون القوية والقادرة على أن تقف بوجه التمدد الصيني المزعزع لإستقرار المنطقة.

تشكيل هذا التحالف من ناحية التوقيت:
إن الإعلان عن هذا التحالف ليس وليد هذه الأحداث والظروف وإنما جرى التخطيط والتهيئة له من قبل الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة “ترامب”، التي رأت بأن القدرات الصينية العسكرية المتزايدة في المنطقة تستوجب طرح رؤية جديدة تقوم على تعزيز ثقلها العسكري في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، لجعلها منطقة حرة، تتميز بتدفقات تجارية مفتوحة، وضمان حرية في الملاحة فيها، وأحترام سيادة القانون، والسيادة الوطنية، والحدود القائمة، وكانت المحادثات تجري بين الدول الثلاث بسرية تامة لتحقيق هذه الأهداف، بعد أن تم التوافق على جميع الترتيبات اللازمة لذلك، وهو يكتسب أهمية كبيرة من ناحية التوقيت، الذي يأتي بالتزامن مع أعادة تموضع القوات العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد أن تراجعت أهميته لدى واشنطن، وهذا كان يتطلب الخروج من الحروب العبثية التي تورطت بها واشنطن، في أفغانستان والعراق لتقليل النفقات العسكرية، وأيقاف الاستنزاف العسكري والاقتصادي للقوات الأمريكية، ليتسنى لها نقل وتركيز جهدها العسكري وفق الرؤية التي رسمتها الإدارة لمواجهة التمدد الصيني كقوة قائدة ومؤثرة تعطي ثقلاً أستراتيجياً لسياسية الحفاظ على المنطقة، كما إن أعلان هذا التحالف الأمني الثلاثي جاء متزامناً مع نية الاتحاد الأوروبي الإعلان عن أستراتيجيته الجديدة فيما يخص منطقة المحيطين الهادئ والهندي بدون أشراك واشنطن ولندن في هذه الاستراتيجية لأختلاف الرؤى بينهما، وهذا يعني بأن واشنطن كانت لديها معلومات عن التوجهات الأوروبية، لذا جاء الإعلان عن التحالف الأمني “أوكوس” متجاوزاً الدول الأوروبية، مما حال دون أعلان الأتحاد الأوروبي عن أستراتيجيته.