نظير الكندوري

من كان يصدق إن الشعب العراقي وبعد كل الجرائم التي ارتكبت  في حقه، من قتل ودمار ونشر لطائفية مقيته بين صفوفه، يبدأ باسترجاع مكانته كواحد من الشعوب الحية التي تعطي الامثلة لغيرها من الشعوب، في التحرر من سلطان الطواغيت. ومن كان يصدق إن الشعب العراقي الذي فرضوا عليه الذل طيلة سنوات الاحتلال الستة عشر الماضية، ينتفض ويأبى الذل والضيم المسلط عليه، ويثبت للجميع بإن العراقيين وإن طال صبرهم على الظالمين، إلا إنه في النهاية ينتصر لكرامته ولحريته، ويثبت للجميع بأن العراق بلد الثوار.

لم تمر سوى أيام على انتفاضتهم التي انطلقت في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، حتى لحق به الشعب اللبناني وخرج متظاهرًا، لأسباب شديدة الشبه بالأسباب التي خرج لأجلها العراقيون. ومن يدري من سيلحق بالشعب العراقي واللبناني من الشعوب المقهورة.. من سيلحق بركب مسيرات التحرر من الطغيان وعودتها لامتلاك زمام أمورها وإرادتها السياسية السليبة، وتأكيد رفضها للتبعية. الأول من تشرين الأول يوم سيكتبه التاريخ بأحرف من ذهب، كونه سيؤرخ لبدء شعوب المنطقة عملية إزالة الركام الذي على كاهلها، ويوم تحرير شعوبها من الهيمنة الإيرانية، وانطلاقها في طريق حريتها ورفعتها.

إن أوجه الشبه بين الانتفاضة العراقية ومثيلتها اللبنانية عديدة وكثيرة. فقد تشابهت أسباب الظلم، فتشابهت مطالب المتظاهرين، فهما بلدان عربيان يرزحان تحت نظام طائفي متشابه، تقوده حفنة من السياسيين الذين لا يخفون ولائهم المطلق لإيران ولا تخطئه أعين الشعوب.

خرج الشباب في العراق ولبنان للشوارع رفضًا لهذه الأنظمة، ورفضًا لهيمنة إيران، التي يعتبروها الان هي أصل كل المشاكل لبلدانهم. جموع شبابية كبيرة تردد شعارات وطنية لا طائفية، يرجون من تظاهراتهم، الخلاص من هذه الأنظمة التي مزقت شعوبهم بطائفية مقيتة، والتخلص من هيمنة إيرانية جعلت بلدانهم في أسفل القوائم العالمية في كل شيء. فلم تشهد المظاهرات العراقية ولا اللبنانية أية شعارات طائفية، ولم تتبع لأي حزب أو طائفة. إن الشباب المتظاهر تواقة للعيش في بلدانهم وهم يشعرون فيه بالمواطنة. ولائهم للوطن لا للطائفة أو للقومية، رافضين فيه نظامًا سياسيًا قائمًا على المحاصصة الطائفية والقومية. هم شبابٌ خرجوا لوضع حدٍ للفساد الذي ينخر بالبلدين، وأغرق الشعبين بفقرٍ مدقع، رغم الثروات التي حباها الله لكلا الشعبين.

والاهم من كل ذلك، هي الصحوة العظيمة التي وصل إليها الشعبان، بأن المسؤول عن كل هذه المصائب التي يعانون منها هو واحد، يعلمه الجميع وهي إيران التي تريد تصدير الخراب لدول المنطقة، وصولًا لحلمها بإنشاء الدولة الفارسية الكبرى.

وكما يريد أن يفعل مقتدى الصدر بنزول اتباعه للتظاهر يوم 25/10 لحرف مسار المتظاهرين عن أهدافهم، بحجة دعم المتظاهرين ضد حكومة عبد المهدي الفاسدة

الشعب العراقي اليوم، هو الآخر وجد ما يصدره لشعوب المنطقة، لكن مختلف عن صادرات إيران من دمار وخراب، إنما يصدر لهم مفاهيم الحرية والتخلص من الهيمنة الإيرانية والحلم بمستقبل بلد حرٍ مستقل، غير تابعٍ لأحدٍ سوى انتمائه لشعبه، لا مكان فيه للطغاة الذي باعوا قيمهم رخيصة لإيران.

تشابهت الجرائم بحق الشعبين العراقي واللبناني، لأن فاعلها واحد. فالطائفية السياسية اللبنانية التي كانت موجودة أصلًا، تعززت مع زيادة النفوذ الإيراني، والعراق الذي لم يعرف الطائفية من قبل، دخلت عليه بقوة مع تنامي النفوذ الإيراني. فرئيس الجمهورية من طائفة ورئيس الوزراء من طائفة أخرى ورئيس البرلمان من ثالثة، ينطبق هذا أيضًا على نوابهم ثم وزرائهم وصولًا إلى كادر الوزارات جميعها، بطريقة تثير الاشمئزاز والقرف من هذا التقسيم الطائفي والقومي، وتنحية الكفاءات والمفكرين والسياسيين الشرفاء عن إدارة السلطة في بلدانهم، كونهم غير مدعومين من طوائفهم، أو إنهم لا يؤمنون بالتقسيم الطائفي في العملية السياسية.

وتتشابه أساليب النظامين العراقي واللبناني، وكل بلد تابع لإيران، باتهام المتظاهرين بالعمالة لأمريكا والسعودية، وإنهم يقفون ضد محور المقاومة المزعومة. فالصحف الإيرانية اليوم، تصف الاحتجاجات التي يشهدها لبنان هذه الأيام، بإنها “امتداد للمؤامرة التي شهدها العراق”، و”مؤامرة خارجية لإضعاف تحالف 8 آذار” الموالي لإيران في لبنان. وكما يريد أن يفعل مقتدى الصدر بنزول اتباعه للتظاهر يوم 25/10 لحرف مسار المتظاهرين عن أهدافهم، بحجة دعم المتظاهرين ضد حكومة عبد المهدي الفاسدة، والجميع يعلم أنه أحد أهم الذين جاءوا بهذه الحكومة. وفي لبنان يهدد حسن نصر الله بشيء فيه اكثر جرأة وأكثر تحدي للشعب اللبناني، ملوّحاً بإنزال مناصريه، إلى الشوارع لدعم النظام السياسي في البلاد والذي يُعد حزبه جزءاً منه.

لم يقتصر التشابه الطائفي  على الحالتين العراقية واللبنانية، إنما أوجه الشبه واضحة في كل البلدان التي تدخل فيها النظام الإيراني، حال العراق ولبنان هو نفس حال سوريا ونفس حال اليمن، ولا ندري أي البلدان سوف تلحق بالتي تعاني من تبعات ايران خصوصا إذا لم تهب الشعوب جميعا رفضا لهذه الهيمنة الإيرانية.

إن مخرجات المنظومة الطائفية التي صدرتها لنا إيران، تشكل سلسلة طويلة من المساوئ التي خربت البلدان، من فساد عظيم أكل الأخضر واليابس من مقدرات تلك الشعوب، إلى حروب طائفية لا تنتهي، ثم اقتصاد متهاو مع عظم الموارد الطبيعية والبشرية لدى تلك البلدان وشعوبها.

واليوم ومع استمرار الشباب العراقي واللبناني على الإصرار في الخروج بالمظاهرات حتى نيل مطالبهم، سوف يؤسسون لربيع عربي من نوع جديد، وبألقٍ جديد، يرفضون به الهيمنة الإيرانية وغيرها من أنواع الهيمنة، ويبنون بلدانهم على أساس المواطنة والولاء للوطن. ذلك ما يرجوه كل مواطن عربي شريف، وإن غدا لناظره قريب.

 

 

مقال خاص براسام