الباحث: حسين صالح السبعاوي

دعت قيادة انتفاضة تشرين جماهيرها في كافة المحافظات إلى التظاهر في بغداد يوم ٢٥ أيار للمطالبة عن كشف قتلة المتظاهرين ومحاكمتهم، وكان آخر من قتل من قيادة التظاهرات هو الناشط إيهاب الوزني الذي اغتالته المليشيات في مدينة كربلاء.
لقد كانت استجابة جماهير انتفاضة تشرين جيدة ولبت الدعوة على أفضل وجه، حيث كان ميدان التحرير في العاصمة بغداد يعج بالمتظاهرين منذ بداية يوم ٢٥ أيار وكذلك في ساحة النسور وسط بغداد، وكالعادة استخدمت القوات الأمنية القوة المفرطة والرصاص الحي ضد المتظاهرين راح ضحيته عشرات الجرحى والشهداء، ورغم استخدام القوة إلا أن المتظاهرين كانوا صامدين ومصرين على تحقيق كافة مطالبهم، لا وأنهم قدّموا من قبل مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين ولم ينل هذا الإجرام شيئا من عزيمتهم وقدرتهم على الصمود .
لماذا دعت قيادة التظاهرات إلى التظاهر في هذا الوقت وفي العاصمة بغداد تحديدا يا ترى؟
إن هذه الدعوة لم تأت من فراغ بل كانت تحمل عدة أهداف ومجموعة رسائل للحكومة العراقية وأحزابها السياسية من أهمها :
١- جاءت هذه الدعوة وفي هذا التوقيت للمطالبة بالكشف عن قتلة المتظاهرين وقيادتهم وتقديمهم للعدالة سيما أن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي قد وعد عدة مرات بأنه سوف يقوم بالقبض على القتلة وتقديمهم للقضاء لينالوا جزائهم، لكن الكاظمي لم يف بوعده منذ مقتل الباحث هاشم الهاشمي والناشطة ريهام يعقوب وعلي جاسب وأخيرا الناشط ايهاب الوزني، ولم يكن هو الأخير بل ما زال القتل مستمرا والقتلة طلقاء، وما اللجان التي شكلتها الحكومة إلا للتسويف والمماطلة مع المتظاهرين وتضييع الحقيقة .
٢- إثبات قوة الانتفاضة والإصرار على تحقيق مطالبها الثابتة وإنها لم تتلاش مثلما زعم بعض السياسيين بأن ثوار تشرين انظموا للعملية السياسية وتراجع البقية عن مطالبهم .
٣- جاء هذا التوقيت للتظاهرات رداً على من ادعى بأنه يمثل ثوار تشرين في الانتخابات المقبلة والذين ذهبوا للترشح مع نفس القوى التي خرجت انتفاضة تشرين عليها.
٤- قررت قيادة التظاهرات بأن تكون العاصمة بغداد هي المنطلق لأن فيها مركز القرار والحكومة ومؤسسات الدولة كافة والسفارات والبعثات الدبلوماسية، فيتمكن الجميع من الاطلاع على مطالبهم ويسمعها عن قرب، علما أن المطاليب هي مطاليب لجميع العراقيين على امتداد جغرافية العراق وليست مناطقية أو فئوية .
٥- التأكيد على رفض العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والحزبية التي دمرت العراق وأوصلته إلى ما لا يحمد عقباه من قتل وفساد وتهجير للسكان وتغيير للديمغرافيا الذي تعمل عليه المليشيات الطائفية خصوصا في المناطق المنكوبة، لهذا رفع المتظاهرون شعار (الشعب يريد إسقاط النظام) .
أرادت الانتفاضة إيصال هذه المطالب وغيرها للجميع ومؤكدة على الالتزام بها دون أن تسمح لأي جهة أو أي كيان أن يدّعي تمثيلها أو ركوب موجتها لغرض استثمارها في الانتخابات المقبلة .
وما لا يعلمه الكثير من الساسة العراقيين أو لا يريدون معرفته عن قصد بأن ركوب موجة انتفاضة تشرين أصبح من الماضي خصوصا من القوى السياسية الطائفية والأثنية والعرقية التي شاركت في العملية السياسية لأن تشرين فكرة مختلفة تماما عن فكر وايدولوجيات الأحزاب الحاكمة، فكيف لحزب طائفي أو مذهبي أو عرقي أن يتحول فجأة إلى حزب مدني يؤمن بدولة المؤسسات ودولة المواطنة!؟ لا يمكن لهذه الأحزاب أن تكون أحزابا سياسية تحمل مشاريع وطنية بعيدا عن الأسس التي تأسست عليها مثل الطائفية والعرقية وهذا ما لا يقبله لا منطق قويم ولا عقل سليم، كما أن مطالب هذه التظاهرات ليست خدمية أو إدارية أو شخصية مثل الوظيفة وغيرها حتى يمكن الاستجابة لها وركوب موجتها، وإنما هي مطالب سياسية ووطنية تحمل مشروعا سياسيا يختلف عن مشاريع الأحزاب الحاكمة قاطبة، لهذا من الصعب ركوب موجة انتفاضة تشرين وادعاء تمثيلها .
إن المتابع للشأن العراقي وعن قرب أصبح على قناعة تامة بأن انتفاضة تشرين قدمت نفسها كنظام سياسي بديل للنظام الطائفي الحالي من خلال مشروعها السياسي واصرارها على تنفيذه رغم كل التضحيات التي قدمتها ورغم كل القمع الذي واجهته، خصوصا وأن حاضنتها الشعبية بدأت تكبر وتتوسع لتشمل أغلب الجغرافية العراقية وبكل تنوعاتها المذهبية والعرقية، فعلى المجتمع الدولي أن يتعامل معها ككيان سياسي بديل للسلطة الحاكمة في العراق لما تحمله من مشروع ورؤية واضحة عن الدولة وإدارتها وبناء ومؤسساتها، وعلى السلطة الحاكمة في العراق وجميع أحزابها أن تدرك بأن القتل والتهديد لن يفك من عزيمة رجال الانتفاضة، وقد جربوا سابقا ولم يستطيعوا تحقيق مآربهم في تفكيك الانتفاضة وتشتيت قيادتها سواء بالتهديد أو بالترغيب من خلال المال الفاسد أو منح مناصب لبعض رجالاتها ليكمموا أفواه البقية، وأن عليهم أن يدركوا بأن العدالة والمحاكم تنتظرهم على ما اقترفت أيديهم من إجرام ضد المتظاهرين سواء في المحاكم الدولية أو في القضاء والمحاكم المحلية العراقية وإن كل ما سرق من المال العام سوف يعود إلى خزينة الدولة دون نقصان، أما القوات الأمنية فعليها الانحياز للشعب والمتظاهرين ولا تتورط بدماء إخوانهم الأبرياء الذين يحملون هم العراق ومواجهة أعدائه بصدور عارية.
( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)

مقال خاص براسام