أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

عبر (محمود) عن مواقفه تجاه فلسطين بمجالات متعددة، وعلى سبيل المثال لما حدثت الانتفاضة الفلسطينية في عام ١٩٣٣م، إثر تفاقم الهجرة اليهودية وسلب الأراضي من العرب، شارك الشعب العراقي بمظاهرات داعما لها تزامنا مع تنظيم مظاهرات في القدس ويافا وحيفا ونابلس، حيث أعلن المتظاهرون رفضهم للانتداب البريطاني، والعمل على نيل الاستقلال الوطني.
ففي العراق خرجت الجماهير في تظاهرات في مدنه كافة، ومنها مدينة الموصل التي انضم إليها (محمود) وهو يهتف باسم (فلسطين) عندما كان طالبا في الثانوية.
استمرت الأحداث في فلسطين حتى انفجرت ثورة عام ١٩٣٦ وعمت المظاهرات والاحتجاجات المدن الفلسطينية، وطالبت اللجنة العربية العليا برئاسة مفتي القدس (أمين الحسيني)، بإيقاف الهجرة اليهودية وبيع الأراضي وإنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.
كما تطورت الإضرابات والمظاهرات في أيار ١٩٣٦، إلى كفاح وجهاد مسلح داخل المدن وخارجها، وقام المجاهدون بنسف السكك الحديدية واغتيال الجواسيس وقتل الموظفين البريطانيين ومهاجمة المستعمرات اليهودية وغير ذلك.
قررت عصبة الأمم – بناءً على تقرير اللجنة الملكية البريطانية – تقسيم فلسطين، وقد رفض العراق تقسيم فلسطين ورحب بثوارها في بغداد وقرر تقديم الدعم لفلسطين بالمال والسلاح.
كان (محمود) همزة الوصل في نقل السلاح والعتاد عن طريق العقيد الركن صلاح الدين الصباغ، تؤخذ من رؤساء العشائر ومن مخازن الجيش العراقي وتوصل إلى المجاهدين الفلسطينيين عن طريق منطقة أبو غريب، حيث يتم النقل عند منتصف الليل، وترسل من هناك إلى الأردن عن طريق سوريا لتصل إلى فلسطين، وكان العقيد الركن صلاح الدين الصباغ يؤكد على (محمود) أن لا يتعرف عليهم أحد وأن يكون العمل بسرية تامة، والحقيقة من أوصل هذه الأسلحة والذخائر ولعدة مرات رجال شجعان جازفوا بحياتهم من أجل فلسطين وهم عراقيون، منهم كل من :
محمود شيت خطاب ومحمود سعدون ومضيف العزاوي ورشيد فليح وحسن العاني وحسين السراج، وكانوا يسهرون على حمايتها وإيصالها للثوار الفلسطينيين.
أعلنت الدول العربية رفض قرار التقسيم والتصدي لهذا الكيان الصهيوني واختار العراق آمر اللواء نور الدين محمود لأعمال فلسطين واللواء الركن إسماعيل صفوت رئيسا لهيئة الأركان العامة في القيادة العامة.
في هذه الفترة أنهى (محمود) امتحاناته في كلية الأركان فتقدم بطلب إلى آمر الكلية المقدم الركن عبد الكريم شاكر للموافقة لإلحاقه بإحدى التشكيلات التي ستغادر العراق متجهة إلى فلسطين فصدرت الموافقة على ذلك. وعين بمنصب ضابط ركن اللواء الرابع الذي استقر فيما بعد في مدينة جنين الفلسطينية وبقي فيها لمدة سنة، ورقي إلى رتبة رئيس أول ركن.
ومن المفيد بالإشارة إلى أن مشاركة الجيش العراقي في تحرير فلسطين جاء بعد اقتراح أغلبية أعضاء لجنة التحقيق الدولية الخاصة التابعة لهيئة الأمم المتحدة في تقريرها الذي رفعته في آب ١٩٤٧م لتقسيم فلسطين إلى دولتين : دولة عربية وأخرى صهيونية، أدى إلى خروج المظاهرات في الأقطار العربية وأقيمت الاجتماعات في جميع أنحاء الوطن العربي مطالبة الحكومات العربية بتحرير فلسطين ومنذرة إياها من الخطر الداهم، حاملين أعلام الدول العربية كافة ولافتات كتبت عليها بعض أبيات الشعر منها :
حتى بنو صهيون قد طمعت بكم *** يا ذل من طـمعـت بـه الجبنـاء
الســـيف يعـلـم إننـــا قــــوم إذا *** سرنا لحرب فالجماجم تحصد
بنو الشرق هبوا واجعلوا السيف في الوغى *** لكم حكما إن الخصم للسيف خاضع

أدى رفض العرب لمشروع التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة إلى ازدياد التوتر بين الفلسطينيين والمهاجرين الصهاينة، فبدأ القتال وقامت العصابات الصهيونية وبدعم من سلطات الاحتلال البريطاني بسلسلة من المجازر لا سيما في شهر نيسان الذي حصلت فيه مجزرة دير ياسين، إثرها خرجت الجماهير العربية بتظاهرات كبيرة تطالب الحكومات العربية أن تتخذ قرارا عمليا يقضي بزحف جيوشها على فلسطين.
وبالفعل قرر العراق إرسال قواته إلى فلسطين في ٢٨ نيسان ١٩٤٨ تنفيذا لقرار جامعة الدول العربية بالتدخل العسكري الفوري من أجل إنقاذ فلسطين.
دخل الجيش العراقي عن طريق المفرق – الأردن – فلسطين، وقاتل قتالا ضاريا وعمل على استعادة قلعة كنشير، إلا أن (كلوب باشا) قائد الجيش الأردني أراد سحب الجيش العراقي نحو الضفة الغربية خوفا من استرجاع القلعة من اليهود وفعلا تم له ما أراد.
رغم هذا نلحظ أن الجيش العراقي التقط نداء استغاثة المحاصرين في جنين لاسلكياً وتحرك إليهم بدون الرجوع لقيادته العسكرية في ٢٠ حزيران ودون أن تكون لديه خريطة للمنطقة ودخل لواء كامل في معركة مع الصهاينة بقيادة اللواء الركن (عمر علي البيرقدار) حرر خلالها الجيش العراقي جنين من الصهاينة وأمر (عمر علي) – الذي كان آمر اللواء – مقاتليه بالتوجه إلى تل أبيب بعد النصر الكبير في جنين، حيث أن ٨٠٠ مقاتل عراقي دحر قوة مؤلفة من عشرة آلاف من الصهاينة، لكن الزحف نحو تل أبيب أوقف بعذر عدم تكامل قوة الجيش العراقي. وهكذا بقت (جنين) تحت الحكم الفلسطيني حتى حرب حزيران ١٩٦٧.

– إذلال بن غوريون :
كان من ضمن قتلى الصهاينة ابنة (بن غوريون) – أول رئيس لدولتهم -، وتم الاتفاق مع القيادة العسكرية العليا على تبادل القتلى، فأرسل (بن غوريون) يطالب بجثة ابنته، لكن القائد العراقي (عمر علي) أصر على أن يأتي (بن غوريون) بنفسه لتسلم جثة ابنته، لكن بشرطين أساسيين :
أولا : أن ينحني للقائد العراقي (عمر علي).
ثانيا : ينسحب مع قواته (١٢) كم عن جنين.
قبل بن غوريون الشرطين وانحنى أمام عمر علي وسحب قواته 12 كم عن جنين مما أتاح للجيش العراقي الوصول إلى تل أبيب بكل سهولة لكن الأوامر صدرت بتوقف الزحف.
رحم الله القادة الجيش العراقي الأبطال (اللواء الركن عمر علي البيرقدار وضابط ركنه اللواء الركن محمود شيت خطاب).
كما ذكرنا بقي (محمود) في جنين سنة كاملة ضمن اللواء الرابع، وأقام علاقات طيبة مع أهل جنين وخاصة مع عائلة (آل العبوش)، فكان يزورهم ويصلي في مسجدهم.
صدرت الأوامر من مديرية الحركات العسكرية على تسليم القطعات العراقية الأمامية إلى الجيش الأردني بموافقة القيادة العراقية.
اتسم شعور أهالي جنين عند سماعهم بانسحاب الجيش العراقي بالأسى والحزن وكانوا ينظرون إلى المستقبل بعين الخوف والريبة، أراد أهالي جنين تكريم التشكيل الذي عاش معهم من الجيش العراقي سنة كاملة، بإقامة حفلة وداع وحشدوا لذلك أبرز علماء فلسطين واُدبائها وشعرائها.
طلب آمر اللواء من (محمود) إلقاء كلمة شكر للمحتفلين، ولم يكن يعلم أحد انه ينظم الشعر لذلك عكف في غرفته بقلعة جنين وأعد قصيدة ليلقيها أمام الجمهور، كان متأثرا لفراق أهل جنين وخائفا عليهم من العدو الصهيوني، كما حزن لأن الجيش سينسحب من فلسطين قبل أن يحقق أهدافه كاملة.
شهد (محمود) الاحتفال الذي أقيم في مقبرة شهداء الجيش العراقي حيث ضمت جثمان (٤٤) شهيدا عراقيا استشهدوا خلال دفاعهم عن مدينة جنين.
ولما جاد دوره في الحفل وقف في حالة من التأثر البالغ والإنفعال وألقى قصيدته التي مطلعها:
هذي قبور الخالدين قد قضوا
شهداء حتى ينقذوا الأوطانا
إلى أن يقول:
أجنين إنك قد شهدت جهادنا
وعلمت كيف تساقطت قتلانا
ورأيت معركة يفوز بنصرها
جيش العراق وتهزم الهاجانا
حدد (محمود) الأسباب التي أدت إلى خسارة العرب في حرب ١٩٤٨ في فلسطين، منها أن الجيوش العربية لم تكن جاهزة من كافة الوجوه حين دخلت فلسطين ولم يكن قادة الدول العربية يعرفون أنهم سيدخلون الحرب إلا فجأة.

– موقفه من حرب حزيران ١٩٦٧م :
يقول (محمود) : “إن استراتيجية الصهاينة تعتمد على حروب متكررة وذلك لزيادة الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها من جراء الهجرات المتواصلة”.
ومن الجدير بالذكر أن (محمود) تنبأ أن حرب حزيران ستحدث يوم ٥ حزيران ١٩٦٧، من خلال توقعه على : “التغيير الإسرائيلي خلال أسبوعين حيث بدأت بتنفيذ خطة نفيرها بتاريخ ٢٣/٥/١٩٦٧ وتنهيها يوم ٤ حزيران ١٩٦٧، وخلال هذه الفترة، يمكن إنجاز خطط الحركات والخطط الإدارية وخطط التنقل وخطط تعيين القيادات وإصدار الأوامر لها وبذلك ستهاجم (اسرائيل) القوات العربية يوم ٥/٦/١٩٦٧م”.
وقد صدق (محمود) فيما تنبأ به ثم قال :”لست نبياً ولكن الفن العسكري أصبح علما له قواعد وأسس”، كما توقع ما ستطبقه (إسرائيل) من خطط عسكرية وتضمن نجاح هجومها في الأيام الأولى من الحرب.
ومن المفيد الإشارة إلى أن السفارة المصرية في العراق، أرسلت برقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر تعلمه ما تحدث به اللواء الركن محمود شيت خطاب من خلال ظهوره على شاشة تلفاز العراق، حيث قال : “إن الكيان الصهيوني سيهجم يوم ٥ حزيران”. ووصلت البرقية إلى عبد الناصر وأحالها إلى المشير عبد الحكيم عامر.
يرى (محمود) أن خسارة العرب في حزيران ١٩٦٧ مع الكيان الصهيوني، كان بسبب وجود خلل كبير في القيادات العسكرية والاستعدادات، لذا يقول: ” يجب أن يبدأ الإصلاح بالجيوش العربية وأولها القيادة العسكرية وأن يوضع كل قائد في مكانه الصحيح” وأضاف: ” هناك قطعات عربية كانت بدون عمل ولا واجب في حين كانت جبهات القتال محتاجة إليها، كما أن هناك أسلحة مؤثرة وأجهزة الكترونية فعالة كانت مجمدة في الوقت الذي كانت فيه بعض الجبهات بحاجة ماسة إليها، إذن يجب استخدام القطعات العسكرية والأسلحة في الزمان والمكان المناسبين”.
وخلص إلى القول : إن تأسيس دولة (إسرائيل) خطأ سياسي وعسكري واقتصادي لا يمكن تصحيحه الا بحروب تنتهي بالقضاء عليها. وأن قوتها هذه ناتجة من مساندة الولايات المتحدة الامريكية لها واللوبي الصهيوني العالمي، من خلال وجودهم كوزراء وأعضاء مجالس النواب والشيوخ في أمريكا وبريطانيا وفرنسا ودول كثيرة فضلا عن تسخير الإعلام لها واستخباراتها الواسعة التي تغطي دول العالم ومن ثم هيمنتها على المال والاقتصاد في العالم، يقابلها تفرق العرب وتناحرهم وضعف إعدادهم المادي والمعنوي.
دعا (محمود) إلى أن تكون في كل بلد عربي ومسلم قيادة عسكرية واجبها جمع المجاهدين وتسليحهم وتدريبهم وتنظيمهم، وكذلك دعم العمل الفدائي داخل الأراضي المحتلة وإدامة زخمه.
وجد (محمود) فراغا في المكتبة العربية من الناحية اللغوية العسكرية والدراسات القرآنية في حين كانت الجيوش العربية تتكلم بلغات مختلفة، فأراد جمع شملهم اللغوي بالقرآن الكريم وإظهار عظمته فضلا عن تأليفه كتابا عن العقيدة الصهيونية العسكرية وكيفية مواجهتها وتحقيق النصر.
– كما سنرى –

– المصادر المعتمدة :
أولا : للاطلاع على المجازر التي تعرض لها الشعب الفلسطيني على يد الصهاينة خلال شهر نيسان ١٩٤٨، انظر : يوسف الخطيب، المذكرة الفلسطينية، (دمشق، ١٩٧٣).
ثانيا : جهاد مجيد محي الدين، العراق والسياسة العربية ١٩٤١ – ١٩٥٨، (البصرة).
ثالثا : رشيد محسن، حركات الجيش العراقي في فلسطين (بغداد، ١٩٦٤).
رابعا : عبد الهادي الزيدي، محطات خالدة في حياة العلامة المجاهد محمود شيت خطاب، مجلة الفتوى، العدد ٧٢، (المملكة العربية السعودية، ١٩٩٩).
خامسا : يوسف بن إبراهيم السلوم، اللواء الركن محمود شيت خطاب، سيرته وترجمة حياته ومؤلفاته، مكتبة العبيكان، (الرياض،١٩٩٣).

مقال خاص براسام