لماذا تستمر القيادة الاسرائيلية في مواصلة الحرب:
إن القيادة الاسرائيلية اتخذت قراراً يتضمن مواصلة شن الحرب بعد الاجتماع الأمني الذي جرى يوم 16مايو/ أيار الجاري، لأنه يعرف جيداً إن هذه الحرب ستشكل مرحلة تاريخية جديدة في تاريخ الصراع العربي الفلسطيني مع دولته الغاصبة، خصوصاً مع توازن الرعب الذي أحدثته صواريخ المقاومة الباسلة، ويأتي هذا الاستمرار لإصرار نتنياهو على تحقيق مكاسب سياسية وشخصية على المستوى الداخلي، ولإعطاء صورة بأن العمل العسكري حقق اهدافه، وأنه نتنياهو يدير الحرب بقوة وعزم لا يلين، خصوصاً بعد أن حققت المقاومة والشعب الفلسطيني نصراً استراتيجياً كبيراً، من خلال توحيد الصفوف بين الشعب الفلسطيني في كافة الاراضي الفلسطينية مع المقاومة، وبمؤازرة كبيرة من الشعب العربي من المحيط الى الخليج، مع تعاطف الدول الاسلامية في العالم وخاصة تركيا، وماليزيا، ودول منظمة التعاون الاسلامي، وهذا يتزامن مع فشل كبير الجانب الأخر المتمثل بالقيادة الاسرائيلية، التي تحاول إطالة أمد الحرب لتحقيق نصر يقنع فيه شعبه وجمهوره بأنه انتصر في هذه المواجهة، وهو يحاول أن يقوم بما يلي:
• محاولة اغتيال القيادة الميدانية والسياسية لفصائل المقاومة الفلسطينية، كما جرى عندما تم اغتيال قائد لواء غزة في كتائب القسام “باسم عيسى” وعدد من القيادات الاخرى، أو كما جرى في استهداف منزل “يحيى السنوار” وشقيقه.
• محاولة إسكات بعض القنوات الفضائية والمواقع الاعلامية والصحفية التي تغطي المواجهة الجارية لتكميم الافواه، والتعمية على الحقائق والجرائم التي ترتكبها القيادة الاسرائيلية بحق المدنيين العزل في غزة، وكذلك الاعتقالات التي تجري في الداخل الفلسطيني، والخسائر التي سببتها صواريخ المقاومة.
• محاولة رئيس الحكومة الاسرائيلية “نتنياهو” تحقيق نصر ولو كان أعلامي، من خلال الاكثار من قصف المواقع والاهداف في داخل مدينة غزة، ليظهر بمظهر القائد القوي المنتصر الذي يحاول أن يضرب ويدمر ويغتال لحماية شعبه، أو لأقناعه بذلك.
• استمرار القصف لكسر إرادة القتال لدى فصائل المقاومة الفلسطينية، ومحاولة اثارت الجبهة الداخلية ضدها، باستهداف مواقع مدنية لأضعاف الروح المعنوية، بإرهابهم، والتأثير على معنوياتهم، لإجبار فصائل المقاومة على وقف قصف المدن الاسرائيلية.
• يحاول الاحتلال الاسرائيلي ترويج مسألة تدمير الانفاق التي بنتها فصائل المقاومة الفلسطينية تحت الأرض، من خلال استهداف البنايات المدنية، وترويج صحفي لخطة مخادعة تقضي بإعلان بدأ الاجتياح البري، ومراقبة حركة المقاتلين لكشف الانفاق، ولكن لا قناعة لدي بما نشر الصحفي الاسرائيلي، لأنه لا يمكن أن ينشر هذا الأمر دون حصول الموافقة على نشره أمنياً.

المقاومة تقول أنها قادرة على الاستمرار لستة أشهر قادمة:
لقد أثبت المقاومة الفلسطينية بأنها قادرة على أدارة الصراع وفقاً لأهداف استراتيجية وحيوية، ولديها من الإمكانيات والوسائل لما يمكنها من الاستمرار في هذه المواجهة، وقد صرح الناطق الرسمي لكتائب القسام(أبو عبيدة)بأنها جهزت نفسها لقصف “تل أبيب” لمدة ستة أشهر متواصلة، كما حذر اسرائيل ودعاها الى وقف العدوان على “حي الشيخ جراح” فأنها لن تقف مكتوفة الايدي، وهذا يتزامن مع تصريح لرئيس المكتب السياسي في الداخل “أسماعيل هنية” الذي صرح قائلاً:” بأنه تم ازالة الفواصل الجغرافية داخل فلسطين التاريخية، وفلسطين كلها منتفضة” وأضاف “بأن محور الصراع هو القدس والأقصى، وأن المقاومة هي الخيار الاستراتيجي”، وهو يرمي بهذه التصريحات الى ربط الداخل الفلسطيني بالنضال والمقاومة من أجل قضية فلسطين كما يريد يلي:
• رفع الروح المعنوية في الداخل الفلسطيني وخاصة في “مدينة غزة” التي تتعرض للتدمير بسبب القصف الاسرائيلي.
• تحريك الداخل الفلسطيني للاستمرار بالانتفاضة ضد المحتل الغاصب، والتلاحم مع المدن الفلسطينية الأخرى، وممارسة الضغوط السياسية على الدول الخارجية لدعم الشعب الفلسطيني.
• أيصال رسائل واضحة لقيادة الاحتلال تقول بأن قواعد الاشتباك قد تغيرت، وهناك واقع سياسي جديد تفرضه ستفرضه القوة العسكرية الميدانية على الأرض.

الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل:
لقد قدمت الولايات المتحدة الأمريكية الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي للكيان الصهيوني طوال الفترة الماضية، وهي تحاول اليوم عرقلة عقد جلسة مفتوحة لمجلس الأمن كان المقرر لها أن تعقد يوم السبت الماضي، وطلبت تأجيلها الى يوم الثلاثاء القادم، ولكن الضغوطات الدولية دفعت مجلس الأمن لعقد جلسته هذا اليوم16مايو/أيار، كما أنها تقول بصريح العبارة أن من حق الكيان الصهيوني الدفاع عن نفسه أمام الهجمات الصاروخية، وتتجاهل القصف الاسرائيلي لمدينة غزة، وهي بذلك تعطي مشروعية للكيان الصهيوني لقتل المزيد من المدنيين، كما أنها لن تسمح بأصدر قرار يدين الجرائم التي تقوم بها اسرائيل على الأراضي الفلسطينية، وقد ارسلت مساعد وزير الخارجية الى اسرائيل لترتيب هدنة طويلة الأمد مع فصائل المقاومة الفلسطينية دون تحديد موعد لذلك، ولكنها رغم ذلك هي تعطي وتوفر فرصة من الوقت لحكومة نتنياهو لتحقيق نصر معنوي من خلال توفير بعض الوقت اللازم تدمير أكبر عدد ممكن من الاهداف داخل مدينة غزة، رغم معرفتها بأن هذه الأهداف هي أهداف ذات طابع مدني وليس عسكري، وهي بذلك تتجاهل المواقف الدولية الرافضة للعربدة الاسرائيلية في المنطقة، التي تجرها للتصعيد والتدمير الغير مبرر.

تحرك سياسي لوقف الحرب:
لقد كان هناك تحرك دبلوماسي واسع لكثير من الدول العربية والاسلامية لوقف التصعيد الذي يجري على الأراضي الفلسطينية بين فصائل المقاومة من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، حيث تحركت كل من مصر، وقطر، وتركيا، وتونس، لتكوين لوبي دولي ضاغط على اسرائيل لدفعها لوقف الحرب ، ووقف الجرائم التي ترتكبها بحق المدنيين في غزة، والتي ترقى لجرائم حرب، وقد انضمت أليهم كل من الأردن، والكويت، وغيرها من الدول، كما تمت الدعوة لعقد اجتماع لمنظمة التعاون الاسلامي لدعم الشعب الفلسطيني، ولكن كل الجهود لم تفضي الى الأن الى وقف الحرب، لإصرار الجانب الاسرائيلي على مواصلة الحرب رغم الحوارات التي أجريت مع القيادة الأمريكية لدفع اسرائيل للقبول بوقف القتال بين الجانبين، وهنا نسأل هل يستطيع مجلس الأمن إصدار قرار يتضمن وقفاً لأطلاق النار يكون ملزم لجميع الأطراف؟ علماً إن الصين دعت الى حل الدولتين، لعدم أمكانية استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه.

الموقف العسكري الاسرائيلي لا يمكنها من فرض شروطها لوقف القتال؟.
لقد حققت فصائل المقاومة الفلسطينية نصراً استراتيجياً كبيراً على جميع المستويات داخلياً، وخارجياً، سياسياً ، وعسكرياً، كما أنها وضعت شروطها لوقف أطلاق النار في هذه المواجهة القائمة، بعد أن صنعت وضعاً جديداً أعاد القضية الفلسطينية الى الوجهة مرة أخرى، رغم جميع المحاولات لطمسها وأنهائها، وقد كانت واضحة في ذلك وقالت: بأنها لن تسمح لأحد أن يمس بالمقدسات الاسلامية، وخاصة القدس، والأقصى، وحي الشيخ جراح، وباب العمود، ويجب أطلاق سراح السجناء والمعتقلين، وفتح الحصار المفروض على غزة، كما إن هذه الدعوات لوقف القتال تأتي في ظروف صعبة لا تسمح لإسرائيل بفرض شروطها هذه المرة، لانهيار الجبهة الداخلية، ووصول الصواريخ الى العديد من المدن الاسرائيلية، وتوقف الملاحة الجوية، وتوقف عجلة الاقتصاد، بالإضافة الى الهلع، والخوف، والرعب، الذي دب في المدن الاسرائيلية، ورغم ذلك لا زالت اسرائيل تصر على استمرار هذه المواجهة العسكرية، ولا أعرف ما هي الغاية من استمرار المعركة!، وعلى ماذا تراهن إسرائيل؟، علماً بأنها يمكن أن تتعرض الى تدمير أهداف حيوية تكون أكثر خطورة على الحكومة الاسرائيلية في حال تم استهدافها مع استمرار الحرب، وأستخدم المقاومة اسلحة نوعية جديدة تسبب حرجاً أكبر للقيادات السياسية والعسكرية الاسرائيلية.

الخاتمة:
لا شك بأن الميزان العسكري غير متكافئ ويميل الى الجانب الاسرائيلي بشكل كبير ولكن رغم ذلك فقد خسرت إسرائيل هذه الجولة من المنازلة سياسياً وعسكرياً، لأن أرادة الشعوب ستنتصر في النهاية، مهما طال الزمن وازدادت التضحيات، كما إن هناك عوامل أخرى تدخل ضمن موازين القوى، ومنها الارادة القوية للمقاومة وصبرها وصمودها على جميع المستويات السياسية والعسكرية، واستعدادها للتضحية بالغالي والنفيس بالإضافة الى شرعية وعدالة القضية التي يقاتلون من أجلها، والثقة بنصر الله عز وجل، والثقة بالنفس، وقدرة المقاومة على صناعة المستقبل، خصوصاً بعد أن أدركت الشعوب العربية بأن الانظمة العربية هي من تقوم بحماية هذا الكيان الغاصب، بعد أن هرولة الأنظمة الحاكمة الى التطبيع مع هذا النظام العنصري، ورأينا كيف خرجت الشعوب العربية والاسلامية في تضامن غير مسبوق مع الشعب الفلسطيني في هذه المواجهة، كما رأينا كيف وقفت الجامعة العربية تتفرج على تطور الأحداث على الأراضي الفلسطينية دون تحريك لأي عمل جماعي على مستوى الجامعة، علماً بأن هناك واقع سياسي وعسكري جديد يفرض، وهناك مرحلة مفصلية جديدة سوف تكون بداية لتغير المعادلة القائمة سابقاً، فرضها الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة.