الباحث: حسين صالح السبعاوي
لم يشهد العراق نفوذا وتسلطا لرجال الدين وخاصة المرجعيات الشيعية منها كما هو عليه الآن بحيث أصبح رجل الدين فوق القانون والدستور ونفوذه ممتد في كل مؤسسات الدولة الإدارية والإقتصادية والأمنية وحتى السيادية منها، وقد ظهر هذا التنامي والنفوذ بعد الإحتلال الأمريكي للعراق سنة ٢٠٠٣، ورغم ادعاء الولايات المتحدة بأنها جلبت الديمقراطية للعراق لكن الحقيقة وعلى الأرض يطبق نظام ديني ثيوقراطي على غرار نظام ولاية الفقيه في إيران وعلى غرار النظام الديني في أوروبا في العصور الوسطى عندما كانت تدار من قبل سلطتين كل منهما يسعى للنفوذ على حساب الآخر وهما السلطة الدينية والسلطة الزمنية، فكان البابا الذي يمثل السلطة الدينية والملك الذي يمثل السلطة الزمنية وكان عادة ما يحصل صراع بينهما كل يدعي صاحب السلطة الأقوى وكان الشعب يدفع ثمن هذا الصراع بينهم .
اليوم نجد في العراق أن رجال الدين لهم نفوذ في كافة مؤسسات الدولة وهم من يأمرون وينهون في الدولة ولا سلطة لأحد عليهم، ثم تطور الأمر وأصبح لكل مرجع ديني مليشيا خاصة به تأتمر بأمره، والآخر يدير شركات اقتصادية وتجارية وبنوك ويمارس عمليات غسيل الأموال وتهريب العملة، والآخر يستخدم نفوذه ليستولي على عقارات وأراض تابعة للدولة، والآخر يحمل رتب عسكرية عالية مع شارة الأركان للدراسات العليا للعلوم العسكرية وهو لا يحمل أي مؤهل علمي يخص العلوم العسكرية، والآخر لديه مجاميع مسلحة لحماية الملاهي والخمارات وغيرها مقابل أتاوات تؤخذ عنوة من أصحابها ومن لا يدفع يعتبره عمله حرام وغير شرعي ومن يدفع يعتبر عمله عملا مشروعا !؟ لا أعلم هؤلاء وأمثالهم عن أي شرعية يتكلمون ؟
كذلك هناك ظاهرة أخرى وهي أن أغلب هؤلاء المعممين تركوا إصلاح المجتمع من الموبقات خصوصا بعد انتشار المخدرات في البلد وقاموا بتشكيل أحزاب سياسية طائفية وهم لا يعرفون ألف باء السياسة وتركوا مهامهم التخصصية وإن كان أمثال هؤلاء لا يصلحون للإصلاح لأنهم ليسوا أهلا له .
قد يفهم من كلامنا هذا بأننا ضد الدين أو ضد رجال الدين، والأمر ليس هكذا بل نقصد أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب مع احترام كافة التخصصات وكل يعمل باختصاصه، أما حالة الفوضى التي يعيشها العراق فهو غياب مفهوم الدولة ومفهوم المواطنة، لأن الشعب اليوم لا يعرف من هي السلطة الحقيقية والتي يفترض أن تكون السلطة السياسية هي صاحبة القرار الأول في الدولة وأنها تتعامل مع مؤسسات وفق حالة قانونية ودستورية تنظم العلاقة بين الجميع سواء الحاكم والمحكوم، والكل سواسية أمام القانون، لكن ما يجري في العراق هو فوضى بغطاء كهنوتي يضفي الشرعية على هذه الفوضى .
من جهة أخرى إذا كان رجال الدين يسعون للنفوذ في الدولة ومؤسساتها نجد أن الساسة والمسؤولين في العراق هم من سمح للمعممين أن يتغولوا ويفرضوا نفوذهم على الجميع في الوقت الذي يفترض على السياسي أن يحد من أي نفوذ لأي شخص على حساب الدولة، بينما في العراق الحالة بالعكس تماما ونادرا ما نسمع تصريحا لمسؤول عراقي يعترف ولو ضمنا بأن النظام في العراق نظام كهنوتي وأن شرعيتهم مستمدة من المرجعيات وأن المرجعيات ورجال الدين هم فوق القانون وأحيانا يضفي عليهم القداسة في الوقت الذي هم يتحملون المسؤولية عن تراجع العراق في كافة المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، وأصبح المال والقوة والنفوذ من نصيبهم بينما الشعب يعاني من الفقر الفوضى التي حلت بالعراق، وأن من يريد أن يجد لنفسه وظيفة فما عليه إلا أن يحمل تزكية من معمم بغض النظر عن مؤهله العلمي وكفائته، ومن ارتكب جرم يكفيه حمل ورقة بتوقيع أحدهم ليخرج بريئا مهما كان نوع الجرم الذي ارتكبه، حتى وباء كورونا الذي أصاب العالم أجمع، تجد المعمم الطائفي له رأي آخر مختلف عن رأي كافة المؤسسات الطبية والعلمية سواء المحلية أو العالمية منها وقد لاحظنا كم من المساكين راحوا ضحية أفكارهم المتخلفة .
رغم كل ما يجري من فوضى وتسلط رجال الدين على رقاب الشعب يأتي من يقول لك أن النظام في العراق هو نظام ديمقراطي برلماني ! بينما النظام العراقي ما بعد ٢٠٠٣ هو نظام كهنوتي على غرار نظام الملالي في إيران تكون السلطة الفعلية التنفيذية والتشريعية بيد الولي الفقيه أما البقية ما هم إلا موظفون لديه بما فيهم الحكومة ووزاراتها ومؤسساتها .
إن (الديمقراطية) التي جاءت بها أمريكا إلى العراق هي (ديمقراطية) عوراء وعرجاء لا تصلح للشعب العراقي صاحب التنوع العرقي والمذهبي، والذي لا يصلح له إلا حكومة عادلة وطنية ترعى مصالح الشعب بكل مكوناته وأطيافيه وتكون الكفاءة والإخلاص للوطن هما المعيار الحقيقي للعمل في مؤسسات الدولة وليس الانتماءات الحزبية والطائفية والمذهبية .
واننا على يقين بأن أي ديمقراطية تأتي بانتخابات حرة ونزيهة وتعتمد مبدأ المواطنة في إدارة الدولة سوف تنقلب عليها أمريكا لأنها بالتأكيد لا تخدم مصالحها .
( إن الله لا يصلح عمل المفسدين )
مقال خاص براسام

