رغم صعوبة تصديق الأمر في وقتنا الحالي، إلا أن الحرب على العراق كانت تحظى في بدايتها بشعبية جارفة، خلال انطلاقها في مارس 2003. عشية الغزو، كشفت استطلاعات الآراء عن دعم الشعب الأمريكي للحرب بنسبة 76%، ولم ينقلب الرأي العام ضدها إلا خلال هذه السنوات الأخيرة.
من عاش تلك الفترة الزمنية، يتذكر جيدًا الجو السائد في الرأي العام. حيث اهتز الشعب الأمريكي بشدة، جراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر قبل عام ونصف. آنذاك، كانت الروح الوطنية أكثر تشددًا. لكن المعارضون للغزو خاطروا بوطنيتهم، بل وصفوا بالخيانة كما حصل لتيار “ديكسي تشيكس”.
الآن، وبعدما تضاءلت شعبية قرار الحرب على العراق. فقد بات الرأي العام يلقي باللوم على الرئيس السابق جورج بوش ومستشاريه من المحافظين الجدد. لكن الحقيقة البسيطة تقول إن هذه الحرب لم تكن لتندلع لو لم يؤيدها الشعب الأمريكي. ومشروع الموافقة على إطلاق الحرب عام 2002 الذي مهد الطريق لغزو العراق، لم يكن ليمر بأغلبية ساحقة في مجلسي النواب والشيوخ لو حشد السياسيون المشهد بالمكالمات والرسائل الغاضبة التي تطالب بالتصويت بـ”لا”.
لم تكن هذه الحرب لتحدث في أمتنا من دون شعب أولي واسع. ولهذا السبب فشل قرار عام 2013 باستخدام القوة العسكرية في سوريا، الذي دعمه الرئيس الأمريكي أوباما، لكنه لقي معارضة واسعة. والعراق ليس استثناء من هذه القاعدة، فحرب العراق كان خطأ جماعيًا لنا كأمريكيين، خطأ لم نحسب مضاعفاته بشكل كامل.
علينا ألا نعتبر ذواتنا أغبياء، نحن لم نكن كذلك. لكننا استسلمنا للتفكير الجماعي، وعلينا أن نستسلم لفكرة مواجهة هذه الحقيقة غير المريحة، التي تقول “إننا إن كنا حمقى سابقًا، فقد نكون أكثر حماقة مستقبلًا”.
الأمر لا يبدو كما لو أن مخاطر غزو العراق لم تكن متوقعة. فالرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك رفض التدخل. كما عارض مايكل مور وبيرني ساندرز هذه الحرب منذ البداية. وأي شخص يدعي أنه تعرض للتضليل عام 2003، عليه أن يفسر اليوم لماذا لم يمض على نفس خط هذين الاثنين.
وبدلًا من ذلك، فقد كانت حرب العراق مدعومة بشدة من قبل القاعدة الجمهورية التي أعادت انتخاب جورج بوش بكل حماس عام 2004. ودعموا من قبل أكبر النقاد للمحافظين حينها: بيل أورايلي، شون هانيتي، وآن كوتلر.
أن تكون ضد حرب العراق عام 2021، أو في أي وقت من العقد الماضي، فذلك شبيه بأن تكون عضوًا في المقاومة الفرنسية عام 1945. الاختبار الحقيقي آنذاك، أن تملك موقفًا عام 1941. نفس الأمر بالنسبة لنا، حيث الموقف الحقيقي بشأن حرب العراق وجب أن يكون حينها عام 2003. الآن، يجب على الأمريكيين، خاصة المحافظين منهم، أن يتوقفوا عن محاولة إلقاء اللوم على الآخرين، وبداية التعامل مع هذا الخطأ الجماعي.
لماذا من المهم العودة للماضي؟ لأنه عبر إدراك مدى حماقتنا، نستطيع تجنب أي أخطاء أخرى في المستقبل. فالرأي العام حاليًا بات أكثر انحيازًا لمعارضة الحرب في العراق، خلال السنوات الأخيرة الماضية. أما الآن، فهناك مواقف أخرى يمكننا أن نكون فيها على خطأ.
في الواقع، لقد عشنا للتو حلقة أخرى من هذه الأخطاء.
كما هو الحال مع الحرب في العراق، فقد حظيت قرارات الإغلاقات الحكومية بسبب فيروس كورونا بدعم من الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي. حيث تعرض المعارضون لقرار الإغلاق (على غرار بيثاني ماندل)، الذين أثاروا مخاوف بشأن الحريات المدنية والرفاهية الاقتصادية والإنسانية، إلى الهجوم بأقسى العبارات. واتُّهموا بكل التهم من خيانة وأنانية وعدم حب الوطن. بل وتعرضوا للتهديد بالقتل. نفس الظروف التي حصلت لأوائل المشككين في غزو العراق.
الآن، نكتشف أننا تعرضنا لتضليل بشأن شدة الفيروس. بالضبط، كما تلقينا معلومات مضللة حول أسلحة الدمار الشامل في العراق. فقد أخبرتنا منظمة الصحة العالمية أن معدل الوفيات بسبب فيروس كورونا COVID-19 يبلغ 3.4%. وهو رقم نعلم أنه بعيد تمامًا عن الإحصائية الحقيقية. إلا أن هذا لا يعفنا من مسؤوليتنا في النقد والنظر بشمولية للوضع العام. حتى وإن كانت الظرفية متأزمة، والمخاوف منتشرة.
الحرب على العراق كلفت أمريكا آلاف الأرواح وتريليونات الدولارات. كما أن عمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا من الممكن أن تكلفنا أكثر، إن استمر الوضع على هذا النسق على المدى الطويل. ومن المحتمل أن يعترف بها التاريخ، على أنها حرب على العراق من نوع آخر. وسيحمل السياسيون والشخصيات الإعلامية التي فرضت على الرأي العام، شارة عار طويلة الأمد، لكنها مستحقة.
لكن، علينا ألا نلقي اللوم على قادتنا. إذ لم يكن بالإمكان تنفيذ أي عمليات إغلاق من دون دعم شعبي كامل. الآن علينا، بصفتنا من عامة الشعب، أن نحسب تواطؤنا وقابليتنا للتفكير الجماعي. ففي المرة المقبلة، التي قد يقع فيها شعبنا في موقف ذعر كهذا، علينا أن نقدر أصوات المعارضة بدل الإساءة إليها. فإن لم نتمكن من فعل هذا الأمر في مارس 2003 ومارس 2020، فقد تكون كلفة التفكير الجماعي أكبر، في المرة المقبلة.
جايسون غارشفيلد / تاون هال
ترجمة وتحرير: راسام

