لماذا تقتضي سياسية واشنطن تغير سلوك النظام الايراني؟:
إن تصريحات إدارة “ترمب” كانت تؤكد دائما على عدم انسحابها من العراق، وبنفس الوقت كانت تؤكد على عدم خوضها لحرب مفتوحة مع ايران ألا في حالة الدفاع عن النفس، أو في حالة التهديد المباشر لمصالح الأمن القومي الأمريكي والتي تتطلب استخدام القوة العسكرية، وقد بيَن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في رده على سؤال لقناة “سي. بي. أس” حول التواجد العسكري الامريكي في العراق”، عما أذا كان ذلك يعني أنه يريد أن يكون قادراً على ضرب ايران؟، فأجاب قائلاً: ” لا!… لأنني أريد أن أكون قادراً على مراقبة ايران” أي أنه لا يريد مواجهة مباشرة، وهذا ما حصل عندما تجاوز عن الرد على اسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة، لذا فهي يريد أن يدفعها للجلوس الى طاولة مفاوضات، لكتابة أتفاق جديد وتفاهمات جديدة مع ايران، وبما يخدم المصالح الامريكية الاسرائيلية في المنطقة، لذا فالنظام الايراني مطلوب بقائه لعدة اسباب منها:
تحويل الصراع العربي الاسرائيلي الى صراع عربي فارسي، وما يجري من هرولة للدول العربية للتطبيع مع اسرائيل هو بسبب التهديد الايراني لدول الخليج العربي.
ابتزاز دول الخليج العربي، واجبارهم على دفع الاموال مقابل تقديم الحماية لهم.
استنزاف دول الخليج العربي من خلال شراء الاسلحة بحجة مواجهة ايران.
دفع دول الخليج العربي الى التطبيع مع اسرائيل باعتبار ايران الخطر الداهم على دولهم.

مؤسسة راند وخيارات الانسحاب الأمريكي:
في البداية أود التطرق الى التقرير والدراسة التي نشرتها مؤسسة البحث والتطوير الأمريكية (مؤسسة راند)،في مايو الماضي، وهي دراسة مطولة تتضمن تقييماً لسحب الولايات المتحدة قواتها من العراق، وما يترتب عليها من مخاطر استراتيجية، وقد خلصت الدراسة إلى أن القيام واشنطن بدعم دولة عراقية مستقرة وصديقة، يصب في مصلحة الولايات المتحدة طويلة الأمد، وهذا يتطلب مواصلة تقديم المساعدة القتالية في العراق على المدى الطويل، كما يتطلب الاحتفاظ بقوات عسكرية صغيرة، من المستشارين العسكريين، للمساعدة في تدريب وتطوير الإمكانيات العسكرية العراقية، حتى يستطيع العراق الدفاع عن نفسه، وقد قدمت الدراسة أربع خيارات تتعلق بالانسحاب الأمريكي من العراق وهي:
عدم الانسحاب الامريكي من العراق.
الانسحاب الجزئي المحدود.
الانسحاب الكامل من العراق.
أنهاء الارتباط بشكل تام.

التحليل والخلاصات والاستنتاجات:
لقد افتقرت الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب الى رؤية استراتيجية واضحة في سياستها الخارجية للتعامل مع العراق، الأمر الذي أنعكس على التواجد العسكري الامريكي بشكل كبير، حيث تباينت العلاقة بين البلدين بين شد وجذب، وبين تهديدً ووعيد، بسبب التدخل والتأثير الايراني الكبير على القرار الداخلي العراقي، رغم الدعم السياسي الذي قدمته واشنطن للحكومة العراقية، بالإضافة الى الدعم العسكري، والاستخباري، واللوجيستي الكبير الذي قدمته للقوات الحكومية العراقية، ورغم التحديات الخطيرة التي تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، بما فيها التواجد العسكري، والدبلوماسي، الذي وصل الى التهديد بأغلاق السفارة الأمريكية في بغداد، بعد أن أغلقت القنصلية الأمريكية في البصرة، بسبب التهديد العسكري المباشر، بعد أن أطلقت الميليشيات التابعة لإيران عدداً من صواريخ الكاتيوشا عليها.

لقد تحول العراق الى ساحة صراع بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وبين ايران وميليشياتها المسلحة التابعة لها في العراق من جهة أخرى، وتم تبادل الهجمات الصاروخية بين الجانبين بالوكالة، ثم تحول الى الضربات المباشرة المحدودة، وخاصة بعد مقتل قائد فيلق القدس الإيراني “قاسم سليماني”، والرد الإيراني على قاعدة “عين الاسد” في محافظة الانبار، كما تم درج الكثير من قادة الميليشيات على قوائم الارهاب الأمريكية، ولكن بدون توجيه ضربات وهجمات جوية على غرار ما يجري تنفيذه ضد قيادات تنظيم القاعدة في اليمن وسوريا، وهذا يجعلنا نقول بأن هناك ضبابية كبيرة حول الأهداف الأمريكية الحقيقية من تواجدها في العراق، وخاصة في تعاملها مع ايران وأدواتها في المنطقة.

إن تطورات الاحداث والتصعيد العسكري في العراق مع ايران تجعلنا نسأل لماذا تستمر هذه الضبابية الأمريكية في التعامل مع العراق؟، وهل هي لأسباب سياسية تتعلق باحتلال العراق؟، أم هي لأسباب عسكرية تتعلق بإيران؟، أم هي لأسباب اقتصادية ومصالح أمريكية مستقبلية؟، أم أنها بمصالح اسرائيلية حيوية، أم أنها لأسباب تتعلق بالتنافس مع الدول الكبرى؟، أم أنها جميعاً توجب على الولايات المتحدة الأمريكية التواجد العسكري، وهذا يجعلنا نقول لماذا لا تواجه الولايات المتحدة ألأمريكية ايران عسكرياً على أراضيها؟، ولماذا تنفذ هذه المواجهة على الأراضي العراقية؟، هل هو بسبب ضعف النظام السياسي الحاكم؟، أم بسبب الهيمنة الايرانية-الأمريكية على الوضع العراقي؟، أم إن الصراع الحالي على من يحكم ويسيطر على العراق؟، أم إن هناك اتفاقات أمريكية- إيرانية، تقول بأن قواعد اللعبة في المنطقة بين الطرفين تقول بأن المواجهة خارج الاراضي الايرانية لا يعتبر تهديد مباشر للنظام الإيراني والاراضي الإيرانية، ولا يستوجب رد مباشر ولكنه يستوجب الرد بالمثل، وألا المصالح الأمريكية منتشرة في المنطقة بشكل كبير فلماذا لا يتم استهدافها من قبل واشنطن كرد على التجاوزات الإيرانية، ومن يقول لقد تم الرد على “قاعدة عين الاٍسد” نقول بأنه تم إبلاغ الجانب الأمريكي بالضربة قبل يوم، عن طريق الجانب الحكومي العراقي، ولم يترتب عليها أي خسائر بشرية.

لقد سعت أدارة الرئيس “ترامب” جاهدة في الفترة الماضية على تقليص تواجدها العسكري في العديد من دول العالم، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، ومنها سوريا، وألمانيا، وأفغانستان، والسعودية، والعراق، وأخرها الصومال، وهنا يجب علينا الإشارة الى الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة الأمريكية مع حركة طالبان في 29يناير/ كانون الثاني عام2020، والذي نص على سحب القوات العسكرية الامريكية من أفغانستان بحلول مايو/أيار عام2021، مقابل التزامات أمنية، وسياسية، ومفاوضات سلام تقوم بها طالبان مع حكومة كابل، وقد خاطب الرئيس الأمريكي ألمانيا، ودول الخليج العربي بصريح العبارة إن من يريد بقاء القوات الأمريكية عليه أن يدفع لتأمين الحماية له، وخاصة بعد هجمات أرامكو السعودية في14سبتمبر/أيلول 2019، وهذا يعكس التركيز الكبير على الجانب المالي والاقتصادي في التعامل مع دول المنطقة، أو بالأحرى الابتزاز الذي تتعرض له دول الخليج العربي بصورة مباشرة،.

إن جولات الحوار الاستراتيجي التي جرت بين الولايات المتحدة والعراق توصلت الى اتفاق، لتخفيض وجدولة انسحاب القوات العسكرية الامريكية من العراق، الأمر الذي رفضته الميليشيات الولائية ومن ورائها ايران، مما دفعها للتصعيد بهجمات صاروخية تستهدف تواجد القوات العسكرية الامريكية، وحركة الارتال اللوجستية، وكذلك موقع السفارة الامريكية ببغداد، ولكن جميع الهجمات لم تؤدي الى وقوع خسائر أمريكية، ثم توقفت هذه الهجمات بعد التوصل لهدنة مع الميليشيات الولائية التابعة لطهران، بعد الوساطة التي قادتها ممثلة الامم المتحدة في العراق “جينين بلا سخارت”، بعد لقائها مع نائب رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي “عبد العزيز المحمداوي” (أبو فدك)، حيث كانت الاستراتيجية الامريكية تقوم على حق الدفاع عن النفس، وخاصة عند حصول خسائر بشرية.

إن ما يجري في العراق من تصعيد عسكري ضد السفارة الامريكية يأتي ضمن التوجيهات الايرانية للجهات السياسية والمسلحة المرتبطة بها، والتي تسيطر على القرار السياسي والعسكري في العراق، علماً إن القوات الحكومية لاتزال بحاجة للدعم العسكري الأمريكي لمواجهة خطر تنظيم الدولة المتنامي، وكذلك الميليشيات المسلحة، وللحد من النفوذ الايراني، علماً إن وزير الخارجية العراقي “فؤاد حسين” أعلن عن توصل بغداد وواشنطن الى اتفاق يتضمن انسحاب(500)، جندي أمريكي من العراق، بعد أن تلقى “الكاظمي” اتصالً هاتفياً من وزير الخارجية الامريكي “مايك بومبيو” حول مستقبل قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية لمكافحة الإرهاب في العراق، وبذلك ينخفض التواجد الامريكي في العراق الى(2500)، جندي أمريكي، وبهذا يكون العراق قد دخل “المرحلة الرابعة والنهائية” بشأن انسحاب القوات الامريكية من العراق، مؤكداً أن القوات المتبقية هي لمهام غير قتالية، وتابع بأن التنسيق سيستمر بين القوات العسكرية الأمريكية وبين القوات الحكومية في مجال المعلومات الاستخبارية، والاستشارية، والتدريبية، والفنية واللوجستية علماً إن المؤسسة العسكرية العراقية قد تعرضت لضغوطات سياسية كبيرة خلال الفترة الماضية، حول قدرتها وجاهزيتها على مواجهة التحديات والتهديدات المحتملة في حال خروج القوات الامريكية، مما يجعل النتائج غير محسوبة العواقب بدقة.

لقد تمخض التصعيد السياسي والعسكري بين القوات الامريكية من جهة، وبين الميليشيات المسلحة التابعة لطهران من جهة أخرى، عن انسحاب شبه كامل للقوات العسكرية الامريكية المنتشرة في الكثير من المواقع والقواعد العسكرية العراقية الأخرى، وحصر تواجدها في قاعدتين رئيسية: هما قاعدة “حرير” بمحافظة ” اربيل” وقاعدة “عين الاسد” في محافظة “الانبار”، والتي قال عنها الرئيس “ترامب” في رده على سؤال لقناة “سي. بي. أس” قائلاً: : لقد أنشأنا قاعدة عسكرية مذهلة، وباهظة التكلفة في العراق، وموقعها مثالي لمراقبة مختلف أنحاء الشرق الأوسط المضطرب، وهذا أفضل من الانسحاب”، وقد جهزت هذه القواعد بمنظومات باتريوت للدفاع الجوي بالإضافة الى السفارة الامريكية في بغداد التي تم تجهيزها بمنظومة “سنتوريون C –RAM” وهي منظومة متكاملة قصيرة المدى ومضادة للصواريخ “كاتيوشا” التي تستخدمها الميليشيات في قصف السفارة.

لقد أتبعت الادارة الأمريكية أسلوب المماطلة في التعامل مع حكومة بغداد حول الانسحاب العسكري من العراق، واللجوء الى جولات من الحوار الاستراتيجي، لكسب الوقت الى ما بعد الانتخابات الأمريكية، مع القيام ببعض الاجراءات كخيار بديل عن الانسحاب من العراق، مثل تخفيض أعداد القوات الأمريكية، وتقليل أنتشارها في المواقع والقواعد المشتركة، في خطوة لتقليل الاحتكاك مع القوات الحكومية بما فيها ميليشيات الحشد الشعبي التابعة لإيران، وتفويت الفرصة عليها بتقليل الخسائر الأمريكية المحتملة الى أدنى حد ممكن، وقد صرح “الجنرال فرانك ماكنزي” قائد القوات المركزية الأمريكية قائلاً:” أنه سيخفض عدد أفراده في العراق من (5200)، جندي الى(3000)، جندي أمريكي وستكون مدة بقائهم في العراق لمدة ثلاث سنوات، ثم صدر قرار أخر من قبل وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة “كريستوفر ميلر” بعد استقالة وزير الدفاع الأمريكي “مارك أسبر” بعد فوز “جون بايدن”، بالانتخابات الأمريكية، والذي تضمن تخفيض عدد القوات الأمريكية في العراق الى (2500)، جندي فقط في حلول يناير المقبل، وحسب توجيهات الرئيس “ترامب” وبعد التشاور مع مجلس الأمن القومي، والقادة العسكريين، وهذا على غير السياق المعهود للرئيس” ترامب” في اتخاذ القرارات، وتجاوز مؤسسات الدولة.