شاهو القره داغي

ليست الانقسامات والخلافات الداخلية بين الأطراف الكُردية امراً مميزاً ونادراً في السياق التاريخي للحركة الكُردية، بل غالباً هو المألوف وسبب رئيسي لحالة الضعف وخسارة المكاسب وفقدان الانجازات، حيث كانت الأطراف السياسية تعاني دائماً من الصراعات الداخلية منذ زمن الإمارات الكردية وحتى فترة الأحزاب الكُردية المعاصرة، وعلى الرغم من الدعوات الكثيرة لمراجعة أخطاء الماضي والاستفادة منها، إلا أن صانع القرار في الأحزاب السياسية الرئيسية لم يصل إلى درجة استشعار المخاطر وتغليب المصلحة العامة وتأجيل المشاكل والصراعات الداخلية في سبيل تجاوز المراحل الحساسة.
يقول الكاتب والسياسي الكردي عدنان عثمان، أنه ” يمر 202 عام على رحلة ألمع الرحالة المقيم البريطاني (مستر ريج) إلى السليمانية وإمارة بابان، وكانت النقاشات في ذلك الوقت حول الصراعات والمشاكل الداخلية وغياب الود والسلام بين الأمراء، والتي كانت سبباً رئيسياً لضعف الكرد والإمارات الكردية، ومن الغريب أنه حتى الآن لم يتقدم العقل السياسي الكردي 202 سنتمتر إلى الأمام”!

قد يبدو هذا الاعتراف قاسياً من قبل أحد السياسيين المعاصرين، إلا أنه يجسد حقيقة واضحة عن العلاقات بين الأطراف السياسية الكُردية حالياً ومدى تكرار المشهد التاريخي وعدم التعلم من أخطاء الماضي، يقول الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل “نتعلم من التاريخ ، أن أحداً لا يتعلم من التاريخ”، ويقول الفيلسوف الإسباني جورج سانتيانا: ” الذين لا يقرأون التاريخ محكوم عليهم أن يكرروه”.

كانت الأطراف السياسية الكردية في العراق تملك ثقلا استراتيجيا بعد عام ٢٠٠٣ نتيجة للكثير من الأسباب، من أبرزها أنها كانت قد مرت سابقا بتجربة الحرب الأهلية وتعودت على إدارة بعض المؤسسات بعيدًا عن سيطرة الحكومة المركزية في بغداد، إضافة لوجود رعاية دولية وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية للدفع باتجاه توحيد الرؤى والسياسات والعمل على أهداف مشتركة يتعلق بمصلحة ومستقبل كردستان، هذه الأسباب أدت في النهاية إلى بروز كردستان كقوة ثابتة في المعادلة العراقية وتحولها إلى بيضة القبان بسبب وحدة الموقف الكردي واقتصار القرار السياسي بالحزبين الحاكمين مع قبول الأحزاب الأخرى بهذا الواقع.

حصلت في السنوات الأخيرة تغييرات جوهرية ضمن هيكلية الأحزاب الكردية بمجيء الشباب إلى قيادة الحزب وتراجع قيادات الجبل أو غيابهم بسبب المرض والوفاة، وعلى الرغم من أهمية هذه النقطة في تجديد الدماء في شرايين الحزب وتقديم وجوه وعقليات جديدة في هرم صنع القرار، إلا أن الأمر كان له انعكاسات سلبية أيضا على المشهد الكردي، حيث أدى هذا الواقع الجديد إلى بروز خلافات ومشاكل كثيرة بين الحزبين الحاكمين – الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني -، وشكلت هذه الخلافات النقطة الأساسية في خسارة كردستان للكثير من أراضيها نتيجة تداعيات الاستفتاء وسيطرة الحشد الشعبي على المناطق المتنازع عليها بسبب غياب التوافق والتنسيق بين الحزبين الكرديين، ولولا الدعم الدولي لكانت بغداد مصرة على إنهاء التجربة الفدرالية واستغلال المشاكل الداخلية الكردية التي اضعفت الموقف الكردي وأدت لخسارة الكثير من المكاسب والانجازات.

واليوم ايضا يتكرر المشهد من جديد ويظهر الكثير من التهديدات التي تواجه تجربة كردستان وخاصة مع بروز ونشوء الكثير من الميليشيات التي تبحث عن أي فرصة لضرب استقرار كردستان والنيل منه واخضاعه تماما إلى مشروع (محور المقاومة) وعدم السماح بوجود مساحة للتحرك والاستقلالية في القرار السياسي، وتجسيدا لحجم التهديدات التي تستهدف تجربة كردستان، اعلنت التنسيقية المقاومة الشيعية في بيان لها أنها “رصدت عمليات تدريب لمجاميع مسلحة في إقليم كردستان العراق، فضلا عن تحركات مشبوهة من أدوات داخلية لعملاء الخارج، هدفها إشاعة الفوضى والاضطراب والتخريب، وتمزيق وحدة الشعب العراقي، والنسيج المجتمعي، ببصمات صهيونية واضحة”، وبعد هذا البيان هددت حركة ميليشيا النجباء حكومة كردستان “بعدم التآمر على العراق لأن المقاومة لديها القدرة على ردع الاقليم”

يبدو واضحا أن تصاعد التهديدات بالتزامن مع الحملات الصاروخية على مناطق كردستان مرتبط بصورة مباشرة بالصراعات السياسية داخل العراق ولجوء الفاعل السياسي في بغداد إلى الأذرع المسلحة لإرسال الرسائل السياسية وخاصة إلى كردستان، في ظل غياب قوة الردع الامريكية التي تقاعست عن الدفاع عن مصالحها في أربيل وأدى هذا الموقف السلبي إلى تمادي الميليشيات في استهداف مناطق كردستان.

في الأيام القليلة الماضية كانت هناك زيارة لرئيس كردستان نيجيرفان بارزاني إلى محافظة السليمانية بهدف اللقاء مع الأحزاب السياسية وإذابة الجليد وإنهاء الخلافات الداخلية والاستعداد لمواجهة التحديات التي تواجه كردستان، وعلى الرغم من أهمية الزيارة إلا أن نتائجها لم تظهر إلى الان على أرض الواقع، ولم تخرج مبادرات فعالة لتقريب وجهات النظر وانهاء المشاكل والخلافات الجانبية، والتفكير في تقوية الجبهة الداخلية في ظل التهديدات المتصاعدة لتجربة كردستان، والسؤال الرئيسي هنا: هل تدرك قادة الأطراف والأحزاب السياسية الكردية مخاطر التهديدات المحدقة بكردستان وتأخذ بالاعتبار التحذيرات الدولية ، أم إنها ستكرر الأخطاء التاريخية التي وقعت فيها أجدادها دون عبرة؟

مقال خاص براسام