الكاتب: عماد عبود

بعد توقف دام عشر سنوات، أجريت في المحافظات العراقية غير المنتظمة بـ(إقليم) الإثنين الماضي انتخابات مجالس المحافظات، وبعد أقل من 24 ساعة أعلنت مفوضية الانتخابات العراقية نتائج الاقتراع الأولية. وكما هو متوقع برزت أسماء ممثلي أحزاب السلطة، وأسماء جديدة تحت مظلتها، اختبأ بعضهم خلف لافتة “مرشح مستقل”، ليدرأ عن نفسه شبهة الفساد التي عرفت بها هذه الأحزاب، التي لم تغير خارطة انتشارها، لكنها عمدت في بعض المحافظات لتشكيل كيانات صغيرة تابعة لها بمسميات جديدة.

كان المتظاهرون عام 2019 قد أحبروا السلطات على حل مجالس المحافظات في التظاهرات التي لم تشهد البلاد مثيلاً لها منذ احتلالها، حيث أكد المتظاهرون بأن هذه المجالس تمثل أوكاراً للفساد يجب حلها. وبعد أربع سنوات على اندلاع تلك التظاهرات، قدم العراقيون خلالها آلاف الضحايا والمغيبين والمعاقين من أجل هذا الهدف وغيره من أهداف ما عرف بانتفاضة تشرين، قرر البرلمان العراقي العودة لتنظيم الانتخابات من جديد.

وكانت مراكز الاقتراع قد أغلقت أبوابها في مختلف المدن العراقية في الساعة السادسة من مساء الإثنين، بعد انتهاء الوقت الرسمي المحدد للتصويت العام، سبقها اقتراع خاص أجري يوم السبت الماضي، شمل القوات الأمنية كافة بالإضافة إلى النازحين.

وبحسب ما رصدته وسائل الإعلام فقد كان الإقبال ضعيفاً على المراكز الانتخابية التي فتحت أبوابها في الساعة السابعة صباحاً، وأكد ذلك اعتراف رئيس مجلس المفوضين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات القاضي عمر أحمد، بأن نسبة التصويت لم تتجاوز17% حتى منتصف النهار، لكن وبالرغم من كل ذلك تحدث بيان المفوضية عن نسبة مشاركة قالت إنها بلغت 40%، وهو رقم أكد مسؤولون سابقون في المفوضية عدم دقته.

ورغم الانتشار الأمني الواسع الذي شاركت به عناصر من الحشد الشعبي، فقد حدث خرق أمني خطير في عدد من المراكز الانتخابية، منها أربع حوادث في محافظة النجف، تراوحت بين انفجار قنابل يدوية بالقرب من المراكز الانتخابية، وبين الاستهداف بصاروخ قاذفة، لم تسفر أي منها عن خسائر مادية أو بشرية.

من ناحية أخرى بلغ عدد الشكاوى التي تسلمتها مفوضية الانتخابات الثلاثاء 69 شكوى في التصويتين الخاص والعام، توزعت بين “صفراء وخضراء”، فيما رُصد ما يقرب من ألف مخالفة في عموم المحافظات المشمولة بالانتخابات.

وتركزت حملات المرشحين الانتخابية بشكل عام على مخاطبة حاجات الجمهور المزمنة، بمحاربة الفساد وتحسين الخدمات وإيجاد فرص عمل وغيرها من المطالب الملحة، لكن المقاطعة الجماهيرية الواسعة التي دعت لها هيئات ومنظمات عراقية، أكدت قناعة المواطن العراقي بأن هذه الانتخابات لن تحقق له شيئاً من حاجاته، بل أنها وكما عبر عنها أبطال تشرين، ستكون باباً للفساد، نظراً للصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها مجالس المحافظات، والتي رفعت من وتيرة التنافس بين الأحزاب المشاركة. ومن بين هذه الصلاحيات التحكم بتخصيصات النقل والتعليم والصحة والتعليم الممولة من الموازنة العامة، ناهيك عن صلاحيتها بانتخاب المحافظ.

وكما في الانتخابات النيابية، كذلك في انتخابات مجالس المحافظات، ينقسم الناخبون الى فرق عديدة وفق حاجاتهم، فمنتسبو القوات الأمنية يطمحون لإرضاء أمرائهم وقادتهم، الذين يحتفظون بمناصبهم بناءً على علاقاتهم مع زعماء الأحزاب المتنفذة، فيما تلعب العلاقات والتأثير القبلي دوراً واضحاً في استقطاب الناخبين، في وقت أصبح من الواضح للجميع بما فيهم جمهور الناخبين، أن الانتخابات في العراق ليست أكثر من صندوق ودواة حبر، وأن الانتخابات العراقية بعيدة كل البعد عن تلبية طموحات الشعب.

أما جمهور المقاطعين وهم الغالبية العظمى كما كانوا في التجارب الانتخابية السابقة، فيكتفي بعضهم بالعوامل المذكورة لمقاطعة الانتخابات، فيما يذهب معظمهم إلى أن المشكلة لا تكمن بأشخاص فاسدين يمكن استبدالهم بالانتخابات، على فرض أنها نزيهة، بل بنظام أنشأه المحتل على أسس المحاصصة وتقسيم المجتمع إلى قوميات وطوائف، ومن العبث إضاعة الوقت والجهد والأموال، بانتخابات لن تمثل أكثر من عملية إعادة تدوير للفاسدين.

الآن وقد أعلنت نتائج الانتخابات وعرف كل حزب مكاسبه منها، ماذا جنى الناخبون -على قلتهم قياساً بالمقاطعين- من حماسهم بشأنها ومن أهازيج شعرائهم، وماذا خسر المقاطعون؟

فأما المشاركون، ومع اختلاف أهدافهم من المشاركة، لم يفعلوا أكثر من تمكين هذه الأحزاب من مزيد من الفساد، بعد أن منحوا الشرعية لهم وأطلقوا أيديهم لسرقات جديدة، وفي مثل هذا الوضع لا فرق إن كان السارق من هذا الحزب أو ذاك، كما منحتهم فرصة اختيار محافظ جديد بأجندات قديمة، أثبتت تجارب الانتخابات السابقة إنه لا يستطيع ولا يريد تغييرها.

الجانب الآخر لـ”مكاسب” الناخبين، هو إعطاء ستار شعبي لارتباطات هذه الأحزاب الخارجية، والتي طالما اشتكى منها المواطن العراقي واعتبرها سبباً للخراب على كل الصعد، وفي هذا الخصوص لا فرق في منح الناخب صوته لمرشحي هذا الائتلاف أو ذاك الحزب، فجميع الأصوات تصب في مصب واحد.

وأما المقاطعون فيتبعون مثلاً شعبياً عراقياً مفاده أن “المفلس في القافلة أمين”، فبما أن المواطن العراقي قد أفلس في ظل الاحتلال وأحزابه وميليشياته من أمنه وعمله وتعليم أبنائه وصحته، فلم يعد لديه ما يخسره إن قاطع الانتخابات، مثلما لن يكون له ما يكسبه إن شارك بها، علاوة على أنه سيحمل وزر نظام ساهم بمنحه الشرعية، وهو يعلم جيداً أنه لا يستحقها.

مقال خاص براسام