الباحث: حسين صالح السبعاوي
منذ أن بدأ الرد الصهيوني على المقاومة الفلسطينية حماس في غزة بعد ٧ أكتوبر عندما استطاعت كتائب الشهيد عز الدين القسام من تدمير الفرقة الإسرائيلية المكلفة بحماية المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة وأسر العديد من جنود العدو الصهيوني صرح رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بأنه سوف يدمر حماس ويحقق عليها نصراً ساحقا يعيد لجيش الكيان هيبته التي فقدها يوم ٧ أكتوبر وقد أعلن نتنياهو قبل الهجوم البري على غزة عن اللاءات الثلاثة التي اشتهر بها:
١- لا حماس في غزة.
٢- لا تفاوض بخصوص إطلاق الأسرى.
٣- لا دخول لأي مساعدات إلى غزة.
وبعد أكثر من عشرين يوما من القصف الجوي والصاروخي على قطاع غزة الذي دمر أغلب المباني فيها وقتل الآلاف من النساء والأطفال بدأت الحرب البرية يوم ٢٧ أكتوبر وتقدمت الدبابات الإسرائيلية إتجاه غزة وكان تركيز العمليات على شمال المدينة لكنها عجزت عن التوغل داخل ووسط مدينة غزة وكانت صيداً سهلا لرجال المقاومة مما أدى إلى إحراق المئات من الدبابات والآليات العسكرية وقتل المئات وجرح الآلاف من الجيش الصهيوني بل أحيانا يشتبك رجال المقاومة من مسافة صفر مع جيش العدو وقد شاهد الجميع كيف تدمر الدبابة “ميركافا ” على أيدي رجال المقاومة مستخدمين أسلحة متوسطة وعبوات ناسفة في تدمير الآليات العسكرية وأمام هذه الخسائر الفادحة التي تلقاها العدو اضطر نتنياهو إلى القبول بهدنة بعد مرور أكثر من ٤٦ يوما على المعركة وكانت مقررة لمدة ٤ أيام ثم مددت يومين آخرين ثم استأنف القتال مرة أخرى، واليوم، بعد قرابة الثلاثة أشهر من القتال، قد عجز نتنياهو عن تحقيق أي هدف عسكري أو سياسي من الذي أعلنها أمام شعبه ، بل قبل نتنياهو الهدنة والتفاوض مع حركة حماس مرغما.
إن جميع اللاءات التي أطلقها نتنياهو لم يتحقق منها شيء بفضل الله ثم ببسالة المقاومة وصمودها أمام آلة الحرب الإسرائيلية والأمريكية. فنتنياهو قبل التفاوض مع حماس التي قال بأنها ” إرهابية” وسوف يقضي عليها، ولن يطلق ولا أسير واحد بالقوة بل قبل بشروط المقاومة والتي كانت تنص على أن تطلق حماس ٥٠ أسيرا من عندها مقابل أن يطلق هو ١٥٠ أسيرا فلسطينيا.
ومن الجدير بالذكر أن المقاومة اشترطت على نتنياهو بأنهم سوف يطلقون ممن يحملون الجنسية المزدوجة وليس من العسكريين والمحتجزين لديها وقد قبل بذلك، كما اشترطت المقاومة إدخال المساعدات إلى قطاع غزة بما فيها الوقود الذي كان نتنياهو يرفض إدخال أي شيء إلى غزة وخاصة الوقود.
والآن نتنياهو بدأ يستجدي الوسطاء أمثال قطر ومصر من أجل هدنة أخرى لكي يحافظ على ما تبقى من قواته العسكرية في غزة بعدما تكبدت خسائر فادحة بالأرواح والمعدات.
إن معركة طوفان الأقصى كُتبت نتيجتها وتحقق النصر فيها قبل نهاية المعركة، وإن كل ما يجري بعدها هو مجرد ردود أفعال جنونية على هذا النصر المبين ولن يستطيع العدو الصهيوني من أي رد اعتبار لجيشه المنهزم الذي كان يراد به قوة ردع لجميع المنطقة العربية وعلى كل من يخرج عن الإرادة الأمريكية أو يفكر في تحرير فلسطين.
لماذا لم يحقق نتنياهو اللاءات الثلاثة التي حددها كأهداف للعملية العسكرية ضد حماس؟ لأن قادة الكيان الصهيوني اعتادوا على الحروب مع الجيوش العربية النظامية وخاصة مع دول الطوق التي له نفوذ على قرارها السياسي إضافة لنفوذ حليفها الإستراتيجي أمريكا على هذه الجيوش والأنظمة السياسية، وقد فاته بأن لا نفوذ ولا سلطة له على حركة المقاومة الإسلامية حماس وهذا حال جميع حركات المقاومة في العالم، كما طبيعة المعركة مع الجيوش النظامية مختلفة تماما عن طبيعة المعارك مع حركات المقاومة التي تعتمد على أساليب “الجاريلا” والتي تركز على مبدأ ضرب العدو دون مسك الأرض والتي تعتمد أيضا على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة ومواد التفجير التي تحقق النكاية بالعدو بأقل الخسائر من جانبها، كذلك تعتمد على الجهد الاستخباري، والحاضنة الكبيرة وهذا يشبه ما حدث مع المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي عندما كبدته خسائر فادحة بالأرواح والمعدات مما اضطر إلى الانسحاب منهزما من العراق.
كما أن نتنياهو قد رفع سقف اللاءات الثلاثة التي أطلقها وخاصة عندما قال “سوف نقضي على حماس” في حين هو تجاهل أن حماس موجودة في الضفة كما هي موجودة في غزة، وبسبب فشل نتنياهو في تحقيق أهدافه أمام صمود المقاومة جعل من الشعوب المحتلة تستلهم من حركة حماس هذا الفكر وهذا الصمود البطولي مما جعلها تنتشر كفكرة في كافة أقطاب الأرض، كما شهدنا أحرار العالم في أوروبا وأمريكا كلهم عرفوا من هي حماس وماذا تريد مما زاد من حاضنتها ومؤيديها على المستوى العالمي، ومن خسر العدو الصهيوني المعركة إعلامية كما خسرها عسكريا وسياسيا، واليوم هو في ورطة لا يعرف كيف يعيد هيبته لشعبه ويعيد حاضنته الأوروبية بعدما شاهدوا بأم أعينهم كيف لجأ هذا الكيان إلى قتل النساء والأطفال وتدمير المستشفيات وقتل الصحفيين وهو لا يملك أي شيء من أخلاق الحرب وقوانين حقوق الإنسان التي كانت القنوات العالمية تسوق له.
ومن الأسباب التي أدت إلى فشل نتنياهو في الحرب أنه اعتمد على السلاح الأمريكي فقط وتجاهل من يستخدم هذا السلاح، لأن جنود الصهاينة هم مجموعة مرتزقة غير منسجمين جاءوا بهم من جميع الأقطار الأوروبية، بل إن الجيش والمستوطنين جميعهم مرتزقة ويحملون من القذارة الفكرية والسلوكية ما لا يؤهلهم لبناء الدولة والدفاع عنها، بينما حماس وبقية الفصائل الفلسطينية هم أصحاب الأرض ويدافعون عنها بطريقة مستميتة وبمعنويات عالية رغم قلة التجهيزات والمعدات وهذا الفرق كان واضحا في معركة طوفان الأقصى الدائرة الآن، فشتان ما بين المرتزقة المحتلين وما بين المقاومين أصحاب الأرض.
مقال خاص براسام

