لقد تم استخدام شتى وسائل القوة والعنف ضد الاحتجاجات، ومنها الاعتقال، والاغتيال، والخطف، والتعويق، لترويع الناس، وتكميم الافواه، لتخفيف زخم المظاهرات، حيث وصلت الخسائر الى أكثر من (700)، شهيد وأكثر من(30)،ألف جريح ليخرج لنا رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” بلجنة قامت بالتستر على قتلة المتظاهرين، ولم تقدم أحد للمحاكمة، و لتروي لنا الحكومة عدة روايات متناقضة ومتعددة منها:
القوات الامنية بحالة الدفاع عن النفس: لقد صرح رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” بأن القوات الامنية كانت بحالة الدفاع عن النفس، وهذا يعني إن المتظاهرين كانوا بحالة الهجوم، وهذا مجافي للواقع ولجميع الحقائق، لأن من يتعرض للقتل هم المتظاهرين وليس القوات الامنية، والسؤال أدخل المتظاهرين هذه الاسلحة؟، ومن المستفيد من قتل الابرياء؟، ولماذا صمتت بل تواطأت الحكومة ، والبرلمان، والقضاء، والاحزاب السياسية، على قتل المتظاهرين؟.
رواية الطرف الثالث: لقد خرجت لنا الحكومة أيضاً برواية الطرف الثالث، الذي بقي مجهولاً الى يومنا هذا، ولا أعرف كيف دخل الطرف الثالث بأسلحته الى داخل العاصمة بغداد؟، التي يتواجد فيها وزارة الداخلية بكافة تشكيلاتها الامنية والعسكرية والشرطية، بالإضافة الى قوات مكافحة الارهاب بفرقها الثلاث، وقيادة قوات بغداد بفرقها الثلاث، وهيئة الحشد الشعبي بجميع تشكيلتها العاملة في المنطقة، والميليشيات التابعة لطهران والتي تعمل خارج إطار القوات المسلحة، بالإضافة الى جهاز المخابرات العامة، وجهاز الامن الوطني، بالإضافة الكاميرات التي تملء شوارع بغداد، هل يمكن أن يتجاوز الطرف الثالث جميع هذه القوات بأسلحته ويقوم بقتل المتظاهرين؟، بل وصل الأمر الى اختطاف الى مدير عام المعهد العالي بوزارة الداخلية “اللواء ياسر عبد الجبار” من وسط بغداد، حيث طالب “عبد المهدي” الطرف الثالث بأطلاق سراحه، فما بالك بالمتظاهرين، والسؤال وما هي الاجراءات الحكومية لمنع هذا الطرف؟، ومن المسؤول عن كشف الطرف الثالث؟، وماذا تفعل جميع هذه القوات في بغداد؟.

لا شك أن ما جرى في مدن العراق كان مأزق خطير يمر به النظام السياسي الطائفي الحاكم، الذي قام على الفساد، وعلى طائفية الاحزاب السياسية الفاسدة وميليشياتها المسلحة، والذي زاد الاوضاع تدهوراً هو عدم استجابة حكومة “عبد المهدي” لمطالب المتظاهرين، بل أنها فشلت في حمايتهم، تواطأت مع القتلة والمجرمين لقتل أبناء طائفتهم وجلدتهم، لأسباب متعددة منها: إن هذا النظام الفاسد لن يقدم على تفكيك نفسه وحكمه لأنهم الجهة الوحيدة المستفيدة من استمرار الوضع القائم، كما إن الاستجابة تعني زوال النفوذ السياسي والعسكري للميليشيات، وكذلك زوال للنفوذ الايراني، كما إن نجاح الحراك وتحقيق أهدافه يشكل خطراً على المشروع الاقليمي الطائفي التوسعي الذي تديره إيران في المنطقة، لذا فلن تسمح ايران ولا الميليشيات المسلحة التابعة لها بتغير الوضع القائم، لأنها هي من شكلت حكومة “عبد المهدي” ولن تسمح بفقدان الامتيازات التي حصلت عليها في الفترة الماضية.

إن حكومة “عادل عبد المهدي” فقدت لقرارها السياسي والأمني لصالح الميليشيات بشكل كامل، والتي أصبحت تدير الوضع الأمني بعد السيطرة على مفاصل حيوية ومنها الخطاب الرسمي للدولة، , بدأت تستجيب لمصالح إقليمية تابعة لإيران بعيدة عن مصالح العراق، كما إنها رفضت الاستجابة لمطالب المتظاهرين، والتي تقتضي تغير بنية النظام السياسي الحاكم الذي يقوم على المحاصصة الطائفية، والذي يلبي طموح الميليشيات والاحزاب الفاسدة الحاكمة ويحافظ على امتيازاتها، كما أنها ترى ذلك خارج صلاحيتها كونها مسيرة من قبل الاحزاب والميليشيات التي شكلتها، ولنكون أكثر دقة نقول بأنها فشلت في الاستجابة لمطالب المتظاهرين الشيعة، بسبب هيمنة الاحزاب والميليشيات المسلحة التابعة لطهران على تفاصيل المشهد العراقي، كما إن سكوتها عن جرائم القتل والخطف تعطي دلالة واضحة على الطائفية الحزبية لهذه الحكومة، التي تقوم بضرب الحاضنة الاجتماعية الداعمة لها طوال الفترة الماضية، لأنها تقاطعت مع مصلحها ومصالح ايران من ورائها.

إن تصاعد حدة الخلاف بين الولايات المتحدة الامريكية، وبين الميليشيات الولائية في العراق، كان على أثر تصاعد الضربات الصاروخية “صواريخ الكاتيوشا” التي تنفذها الميليشيات التابعة لإيران على القواعد والمواقع العسكرية، التي تتواجد فيها القوات العسكرية الأمريكية، وعلى السفارة الامريكية في المنطقة الخضراء، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة الامريكية الى تنفيذ ضربات جوية وصاروخية لكثير من مواقع الحشد الشعبي، والتي توجت بمقتل قائد فيلق القدس الايراني “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس” نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي والقائد الميداني الفعلي لهذه القوات، الأمر الذي كشف الاوراق الحقيقية للطبقة السياسية الحاكمة، من خلال المواقف التي تم اتخذاها من هذه الضربات، ومنها طلب رئيس الحكومة بعقد جلسة استثنائية للبرلمان العراقي لمناقشة تطورات الاحداث في العراق، وطلب منهم التصويت على خروج القوات الاجنبية من العراق لانتفاء الحاجة منها.

بتاريخ 5 كانون الثاني2020 أصدر البرلمان العراقي قراراً يتضمن إلزام حكومة “عبد المهدي” بإلغاء طلب المساعدة المقدم الى قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، بسبب انتهاء العمليات العسكرية الحربية وتحقيق النصر، حيث تفردت الطائفة الشيعية بإصدار هذا القرار الذي يعد قرار طائفي بامتياز ، وتنفيذاً لمصالح ايران، الأمر الذي زاد الانقسام بين المكونات، حيث قوبل هذا القرار برفض سني وكردي، معلنين انتهاء مبدأ التوافق بين المكونات والتي قامت عليه العملية السياسية، وهو يشكل الضربة القاضية لمخرجات العملية السياسية، فالشيعة يتفردون بالقرار الامني والعسكري والسياسي، لمصلحة طائفة واحدة على حساب المكونات الاخرى.

لم تختلف حكومة “عبد المهدي” عن الحكومات السابقة في طائفيتها، بل كانت أكثر طائفية، وأكثر انبطاحاً للميليشيات التابعة لإيران، من خلال السياسات الطائفية التي نفذها “عبد المهدي” بعد تفجير العديد من مخازن العتاد التابعة للحشد الشعبي، وخاصة تفجير “معسكر الصقر” في منطقة “الدورة” والتي كانت طائفية بامتياز، حيث أمر بتشكيل لجنة لتعويض جميع المتضررين من المدنيين فوراً، بينما المتضررين من العمليات العسكرية التي جرت في المناطق السنية لم تعوض الى يومنا هذا، كما أنه سار على ما سار عليه العبادي فيما يخص التخصيصات المالية للمحافظات الجنوبية، التي كانت أعلى بكثير من المحافظات السنية المدمرة، والشيء الوحيد الذي ساوى في التعامل معه بين الشيعة والسنة، هو عدم تقديم القتلة والجهات المسؤولة عن قتل وتغيب واختطاف وتعذيب الابرياء الى العدالة.

لقد تبين كذب الاحتكام الى الدستور الذي كتبوه عام2005 ، حيث تم الانقلاب عليه بعد أن وضعت المادة (38)، من الدستور الخاصة بالحريات في أدارج الحكومة الطائفية الفاسدة، وأصبحت حبراً على ورق، فلا توجد حرية تعبير، ولا صحافة، ولا حرية للاجتماع والتظاهر، بل قطعت الطرق، وشبكة الأنترنت، وتم اقتحام القنوات الفضائية لتكميم الافواه والاعلام، كما حصل لقناة(MPC)العراق، وكذلك اقتحام قناتي العربية، والعربية الحدث، و أخراها اقتحام قناة دجلة، كما تم فرض حظر التجوال في بعض المناطق، واستخدم الرصاص الحي، واصبح الطرف الثالث هو الذي يدير الاوضاع في العراق، وتم التنصل من مسؤولية حماية المتظاهرين، وبدأ كل طرف يلقي بالمسؤولية على الطرف الاخر، فرئيس الوزراء يقول أنه يحتاج الى صلاحيات وعلى البرلمان تخويله، والبرلمان يحمل الحكومة المسؤولية.

لقد شكل الحراك الشعبي هزة عنيفة وقوية للنظام السياسي الطائفي، وللمشروع الامريكي- الايراني، الذي تسبب في مشاكل تراكمية، أصبح من الصعب معالجتها بوجود هذه الطبقة السياسية الفاسدة، وهذا النظام السياسي الحاكم، بعد أن تحطمت اسطورة المحاصصة الطائفية، والمشاريع الاقليمية التي تنفذها ميليشيات طائفية تابعة لمرجعيات دينية، الأمر الذي هدد نفوذهم، وأنذر بولادة جيل جديد ينبذ الطائفية، ويكشف فساد الطبقة السياسية الحزبية والدينية، وكانت أولى بشائر النصر استقالة حكومة “عادل عبد المهدي” بسبب ضغط الشارع المنتفض، بعد أن غيبت العراق الرسمي عن المشهد العراقي، بسبب سطوة الميليشيات التي سمح لها بالسيطرة على الدولة العراقية بشكل كامل، ومكنها سياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وأمنياً، واجتماعياً، من دوائر الدولة العراقية بصورة غير مسبوقة.