الباحث: حسين صالح السبعاوي

احتلت الولايات المتحدة الأمريكية والدول المتحالفة معها العراق في نيسان ٢٠٠٣ وكان مجموع قوات التحالف التي دخلت العراق ١٧٧،١٩٤ جنديا إضافة للمليشيات والأجنحة المسلحة التي تتبع الأحزاب السياسية التي جاءت مع الإحتلال، كان مجموع القوات الأمريكية المحتلة ١٣٠ ألف جندي و ٤٥ ألف جندي من بريطانيا و٢٠٠٠ جندي من أستراليا أما بقية الدول المتحالفة مع أمريكا فكانت مشاركتها رمزية من خلال عشرات الجنود من كل دولة .
استمر الإحتلال الأمريكي للعراق من ٩ نيسان ٢٠٠٣ إلى تاريخ الانسحاب (الصوري) سنة ٢٠١١ بعد الإتفاقية الأمنية بين العراق من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى سنة ٢٠٠٨ والتي تنص على انسحاب القوات المحتلة خلال مدة ٣ سنوات – بمعنى إلى عام ٢٠١١ – ، ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تنسحب من العراق إلا بسبب ضغط المقاومة العراقية التي كبدتها خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات والتي اعتبرت من أشد أنواع المقاومة وأسرعها في ردة الفعل بعد الاحتلال، حيث تشكلت فصائل المقاومة العراقية منذ الأيام الأولى للاحتلال، وقد بلغت خسائر الإحتلال الأمريكي في العراق أكثر من ٥ آلاف جندي وأكثر من ٣٢ ألف جريح إضافة إلى تدمير الآلاف من المعدات العسكرية – حسب الإحصائيات التي صدرت من الجانب الأمريكي – بينما الخسائر الحقيقية هي أكبر بكثير من هذه الأعداد المعلن عنها، وليس هذا محل موضوعنا الآن لكن حديثنا هو عن الإنسحاب الأمريكي من العراق ما بعد ٢٠١١ .
عندما انسحبت أمريكا من العراق تركت عدداً من جنودها والبالغ عددهم ٥٠٠٠ جندي موزعين في القواعد العسكرية المنتشرة في العراق مثل :
• قاعدة عين الأسد في مدينة الرمادي
• قاعدة بلد جنوب بغداد
• معسكر التاجي أطراف بغداد
• قاعدة الحرير شمال العراق .
هذه القوات المتبقية لم تعد قوات احتلال (من الناحية القانونية) بعد الإتفاقية الأمنية سنة ٢٠٠٨ لأنها أبرمت بين الجانبين وبطلب من الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، غير أن الغريب في الأمر أنه ظهرت مليشيات مسلحة طائفية كانت قد جاءت مع الاحتلال، والتي كانت قوة إسناد له على الأرض لتدعي لنا اليوم أنها (مقاومة) وتطالب القوات الأمريكية بالانسحاب، وقد ملأت الإعلام بضجيجها الصاخب على أنها فصائل مقاومة ضد المحتل الذي جاءت معه.
السؤال هنا: هل الولايات المتحدة الأمريكية سوف تسحب ما تبقى من قواتها من العراق أم هي تمارس نفس اللعبة التي تمارسها المليشيات وأذرعها السياسية من حرب إعلامية كلامية لا تصلح إلا للاستهلاك المحلي؟
في حين كل مؤشرات تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسحب قواتها من العراق للأسباب التالية :
١- يقع العراق ضمن النفوذ الأمريكي كما هو الحال في دول الخليج، ولا يمكن لأمريكا أن تسحب قواتها منه وتترك العراق لقمة سائغة لغيرها سيما أن العراق بلد غني وذو موارد كثيرة .
٢- لا يمكن لأمريكا أن تنسحب من العراق وهي موجودة بطلب من الحكومة العراقية حسب المتفق عليه، وإذا ما أرادت الحكومة العراقية من الولايات المتحدة أن تسحب قواتها فإن الأخيرة قادرة على صناعة حدث أمني يجعل من الحكومة تتوسل بها كي تبقي قواتها ووفق الشروط التي تريدها هي، وهذا الذي حدث سنة ٢٠١٤ عندما سيطر تنظيم الدولة ( داعش) على ثلث مساحة العراق وبدأت الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي آنذاك التوسل بالأمريكان بالعودة والبقاء في العراق لغرض القضاء على التنظيم، وهذا الذي حصل .
٣- لا يوجد ضغط حقيقي على القواعد العسكرية الأمريكية في العراق كما هو الحال في بداية الإحتلال من مقاومة شرسة كبدت الأمريكان خسائر فادحة، أما ما يجري اليوم من استهداف صوري لقواعد الأمريكان فما هو إلا جعجعة إعلامية من قبل المليشيات التي ساهمت القوات الأمريكية نفسها في تأسيسها وتدريبها، وقد قاتلت تحت مظلة الطيران الأمريكي قرابة عامين، لكن يريدون من هذه الجعجعة أن يواري سوءاتهم بها لعلها تنقذ تاريخهم السيء المليء بالخيانة ضد بلدهم لصالح المحتل خصوصا في سنواته الأولى بعد عام ٢٠٠٣، لكن التاريخ لا يرحم والشمس لا تغطى بغربال .
٤- العراق ليس أفغانستان لا من حيث الموقع ولا من حيث الموارد، فلا يمكن التشبيه بينهما ووضع سيناريو واحد لكليهما غير ممكن، ثم إن الأفغان ( طالبان ) لم تتوقف مقاومتهم للاحتلال بل بقيت مستمرة حتى خرجت كامل القوات الأمريكية، أما في العراق فقد توقفت المقاومة المسلحة ضد الأمريكان بعد الانسحاب الأمريكي سنة ٢٠١١، وذلك لأسباب كثيرة موضوعية وذاتية، والذي حصل عقب ذلك هو تطور التفاهم بين أمريكا وإيران إلى العلن بعد أن كان خلف الكواليس، حيث تم الاتفاق على أن تتولى الأخيرة الملف العراقي مقابل الحفاظ على المصالح الأمريكية، فأصبح الوضع العراقي أسوء مما كان عليه الاحتلال الأمريكي قبل الانسحاب عام ٢٠١١ .
٥- اليوم يوجد تنافس دولي بين القوى الكبرى، حتى نستطيع القول إن الحرب الباردة قد عادت من جديد بين الصين وروسيا من جهة وبين أمريكا وحلفائها من جهة أخرى، ولأهمية العراق وموقعه الاستراتيجي فلا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح للصين وروسيا بالزحف نحو العراق خصوصا أن الأخيرتين لهما نفوذ في سوريا وإيران الآن فيصبح العراق ضمن نفوذهما وهذا ما لا تقبل بها أمريكا.
٦- إنهاء المهمة القتالية للقوات لا يعني انسحاب أمريكا، لأنه لا يوجد مبرر للمهمة القتالية الآن ولا يوجد تهديد عسكري للعراق حتى يستلزم بقاء المهمة القتالية للأمريكان في العراق بمعنى إنسحاب القوات إلى القواعد العسكرية وإستبدال مهمتها من القتال إلى التدريب للقوات العراقية إضافة لمراقبة الوضع الأمني والسياسي بما يضمن مصالح أمريكا.
إذاً لا يمكن للقوات الأمريكية أن تخرج من العراق وهناك طبقة سياسية فاسدة قد رسّخت الطائفية والانقسام المجتمعي بين أبناء البلد الواحد ليعيش حالة من الحرب العبثية أو حربا بالوكالة نيابة عن إيران تستنزف كل طاقاتها مع غياب للمشروع الوطني الذي يحفظ وحدة العراق ويجمع ولا يفرق بمعنى العراق يحتاج إلى توحيد الصف الداخلي ضمن مشروع وطني يتفق عليه الأغلبية من الشعب إن لم يكن إجماعاً عليه بعد ذلك ممكن الحديث عن إخراج القوات الأمريكية من العراق، والحقيقة التي يتجنبها الكثير من الساسة والباحثين هي أنه لا يستطيع إخراج الأمريكان من العراق إلا أولئك الرجال الذين تصدوا له منذ بداية الإحتلال وأجبروه على الانسحاب عام ٢٠١١، وأصحاب الشعارات الفارغة فلا يمكن التعويل عليهم بشيء .

مقال خاص براسام