شاهو القره داغي

حذر وزير الدفاع العراقي “جمعة عناد” من مغبة اندلاع حرب أهلية في البلاد بسبب خلايا الكاتيوشا و الصواريخ العشوائية، حيث قال عناد: ” إن استهداف المنطقة الخضراء وسط بغداد ، والبعثات الدبلوماسية قد يجر البلاد إلى حرب أهلية يكون المواطنون العراقيون ضحيتها” ، داعياً القادة السياسيين إلى وضع مصلحة البلاد أولاً.
وأضاف وزير الدفاع العراقي بأن “هناك من يريد جرنا لصدام مسلح ولن نسمح بذلك ، والجيش العراقي يواجه تحديات كبيرة أهمها ملاحقة فلول داعش و نقص التدريب و ضعف جهاز الاستخبارات “.
جاءت هذه التصريحات الخطيرة بالتزامن مع الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجيش العراقي ، حيث أكد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أنه لن يتم السماح باختطاف القرار الوطني العراقي من أية جهة كانت وزمن العبث و الفوضى قد ولى و قرار العراق لن يكون بعد اليوم بيد المغامرين”.
وسارعت الأطراف السياسية الموالية لإيران والتي توفر الغطاء السياسي للميليشيات بالرد على وزير الدفاع العراقي ، حيث أعلن النائب عن تحالف الفتح كريم المحمداوي” بأن حديث وزير الدفاع بعيد عن الواقع، فالشعب العراقي متوحد في وجه المشاريع الخارجية و الاجندات الداخلية التي لا تريد الاستقرار للبلاد ، واحداث تظاهرات تشرين خير دليل على ذلك، فرغم كل السعي لاندلاع اقتتال شيعي-شيعي، لكن فشل هذا الامر وسيفشل مهما حاولت الجهات الخارجية والداخلية”.
بينما أصدرت ميليشيا كتائب سيد الشهداء بيانا رفضت فيها تصريحات وزير الدفاع العراقي و أكدت على أن الفصائل لا يمكن ان توجه سلاحها نحو العراقيين، بأي ظرف كان وبأي وقت كان”.
لم يتعافى العراق بعد من آثار وتداعيات الحرب على تنظيم داعش الذي بدأ بسيطرة التنظيم على مناطق واسعة في العراق عام 2014 ، وانتهى بإعلان الحكومة العراقية هزيمة التنظيم عام 2017 ، وعلى الرغم من هذا الإعلان إلا أن مخاطر داعش ماتزال مستمرة وهناك هجمات يشنها عناصر التنظيم على القوات الأمنية .
وصلت خسائر العراق في الحرب على داعش إلى 100 مليار دولار – حسب رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي- ،ولم تنجح الدولة حتى الآن في إعادة إعمار المناطق المدمرة و توفير الخدمات الأساسية و إعادة الحياة إلى المناطق المتضررة من الحرب على داعش.
وبدل التركيز على تفعيل إعادة الاعمار و تأسيس البنى التحتية و العمل على توفير فرص العمل و بدء صفحة جديدة في تاريخ العراق، هناك الحديث على المستوى الرسمي عن مخاطر اندلاع حرب أهلية في البلاد قد يُضاعف حجم الخسائر و الاضرار ويُدخل البلاد في دوامة عنف وفوضى في ظل وجود أكثر من 80 فصيل و ميليشيا و مجموعة مسلحة مستعدة وجاهزة للانخراط في اعمال العنف والفوضى.
يُشكل خلايا الكاتيوشا خطراً مستمراً على الأمن و الاستقرار ، فالصواريخ العشوائية تُهدد بتحويل العراق الى ساحة صراع، وخاصة مع تصاعد التهديدات الإيرانية بالانتقام من الولايات المتحدة الامريكية. واغلب التحليلات تؤكد ان ايران لن تجد مكاناً أفضل من العراق كساحة لتصفية الحسابات و الانتقام من أمريكا في ظل ضعف الدولة و عجزها عن السيطرة على السلاح المنفلت و إخضاع الميليشيات لسياسات و توجيهات الدولة العراقية. وهناك معلومات تفيد نقل إيران للأسلحة و العتاد العسكري و الصواريخ إلى العراق خلال الفترة الماضية.
وعلى المستوى الداخلي فإن السلاح المنفلت يُشكل تهديداً مستمراً على سلامة المواطنين ، حيث سقطت عشرات الضحايا في التظاهرات الأخيرة على يد السلاح المنفلت و الميليشيات الطائفية. إضافة الى استمرار التهديد والتعذيب وعمليات قتل الناشطين حتى الوقت الحالي ، وسيطرة هذا السلاح على الكثير من المناطق المُحررة من تنظيم داعش و احتلالها مجدداً تحت غطاء محاربة الإرهاب .
من الممكن أن يؤدي أي صراع او خلاف بين هذه الميليشيات الى اندلاع صراعات مسلحة فيما بينهم وسيدفع المدنيون ثمنها قبل أي طرف آخر. حيث يتمتع كل طرف بالإيرادات المالية و يحتفظ بالسلاح و يؤسس مخازن جديدة للعتاد، وكل طرف ميليشياوي بات يطمح في توسيع نفوذه و الحصول على مكانة أفضل على حساب باقي الميليشيات. ومن المؤكد مع اقتراب الانتخابات سيبرز هذا الصراع بشكل أوضح في ظل استعداد وتنافس الميليشيات على الدخول والمشاركة فيها بشكل فعال.
يجب أن يُدرك الجميع أن حصر السلاح بيد الدولة و تطبيق القانون و إنهاء الميليشيات من واجبات الدولة وشرط رئيسي لتعزيز الأمن و الاستقرار وإعادة الهيبة المفقودة. وإن تأجيل أو تأخير هذه المهمة سيؤدي الى زيادة تكاليف مواجهتها لاحقاً و سيكون ضررها أكبر كلما زادت قوة الميليشيات. لأنه سيكون من الصعب ترويض الميليشيات، لأنها مرتبطة بمنظومة خارجية ولن تخضع للدولة العراقية بل سوف تساهم دائماً في إضعاف الدولة و الجيش و الأمن لصالح تقوية كيانها و زيادة نفوذها .
في الأيام الماضية شنت الميليشيات هجوماً عنيفاً على السفارة الامريكية في بغداد و كاد أن تشعل صراعاً حقيقياً في العراق، وعندما أراد رئيس الوزراء تهدئة الميليشيات لجأ إلى ارسال مبعوث خاص إلى طهران للمطالبة بالضغط على الميليشيات الولائية لتجنب التصعيد والتوقف عن الاعمال العدائية. وهذا يوضح عدم اعتراف هذه الميليشيات لأي سلطة أو جهة عراقية على الرغم من تلقيها التمويل والدعم من الدولة العراقية، وهذا يعني بأن استقرار العراق مرهون بقرارات الاخرين في الخارج وليس بيد السلطات الرسمية داخل العراق التي ترفع شعار السيادة دائماً.
سيبقى العراق رهينة السلاح المنفلت و خلايا الكاتيوشا و مُعرضاً للحروب الاهلية و التحول إلى ساحة لحروب الاخرين إلى أن يكتسب الفاعل السياسي في بغداد بعض الجرأة و الشجاعة ويقرر مواجهة جميع عوامل اللادولة مستنداً على دعم شعبي و جماهيري ودون خوف من أي طرف داخلي أو خارجي .

مقال خاص براسام