ستكون الأولوية للرئيس الأمريكي القادم فيما يخص الشرق الأوسط هي تخفيف التوترات بين إيران والدول العربية .
لقد عيّن الرئيس المنتخب جو بايدن شخصيات بارزة من إدارة أوباما لتولي الشؤون الخارجية والأمن القومي، لكن لا عودة إلى سياسات عهد أوباما في الشرق الأوسط المضطرب.
لقد كان بايدن نائبا في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ولقد تغيرت المنطقة بالكامل على مدار الـ 12 عامًا الماضية. لذلك يتعين عليه تجنب تكرار أخطاء أوباما ومحاولة إصلاح الضرر الذي سببه الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب.
بدأ أوباما عهده بجهد غير مسبوق لتنمية علاقات جيدة مع العالم الإسلامي وتسوية الصراع العربي مع الكيان الصهيوني من خلال الترويج لـ “حل الدولتين” الذي يقضي بإقامة دولة فلسطينية على الرغم من رفض الكيان لها.
إلا أنه فشل في كلا الاتجاهين وفشل أيضا في التصدي بشكل بناء للتحديات التي فرضتها انتفاضات الربيع العربي، والحرب الأهلية في سوريا وليبيا، والقمع في مصر، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” المرتبط بالقاعدة في العراق وسوريا، وتمرد الحوثيين في اليمن الذي أدى إلى التدخل العسكري السعودي الإماراتي.
كان نجاح أوباما الإقليمي الوحيد هو الاتفاق النووي عام 2015 مع إيران وذلك برفع العقوبات عنها مقابل كبح برنامجها النووي.
أما فيما يخص سياسات وأفعال دونالد ترمب فقد كانت غريبة الأطوار وذات مصلحة ذاتية. فكان أول عمل قام به هو إثارة عداء المسلمين بمنع مواطني الدول ذات الأغلبية المسلمة من دخول الولايات المتحدة.
وخرج من الاتفاق النووي مع ايران ونزع الشرعية عن الفلسطينيين وأوقف تمويلهم ووافق على المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وضغط على الحكام العرب لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني. وأيد الحملة المصرية على المعارضة والحرب السعودية الإماراتية في اليمن. لقد أقام شراكة مع الميليشيات الكردية في سوريا و الميليشيات الموالية لإيران في العراق أثناء الحرب ضد تنظيم الدولة “داعش”، وبالتالي أطلق العنان لجهات فاعلة جديدة تعزز اللادولة في المنطقة التي يمزقها الصراع.
وفي المقابل يخطط بايدن، بدلاً من تصعيد التوترات مع المسلمين، لمعالجة مظالمهم من خلال إلغاء حظر الدخول الذي فرضه ترمب، وتمكين الطلاب من الالتحاق بالجامعات، ولم شمل العائلات، والسماح بدخول المهنيين لتأمين العمل.
كما تعهد بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران بمجرد عودة طهران إلى التزاماتها في الاتفاق. حيث يحرص بايدن مع أثنان من المرشحين للمناصب العليا، أنتوني بلينكين (وزير الخارجية) وجيك سوليفان (الأمن القومي)، شاركوا في مفاوضات الاتفاق النووي 2015، على إحياء الصفقة.
ويشار إلى أن إيران قد تجاوزت، منذ انسحاب ترمب من الاتفاق عام 2018، حدود مخزونات اليورانيوم المخصب وطورت أجهزة طرد مركزي أكثر تقدما للتخصيب مما هو محدد في الصفقة .ومع ذلك يمكن عكس هذه الإجراءات عن طريق تصدير اليورانيوم المخصب وتخزين أجهزة الطرد المركزي.
يرى بايدن أن العودة إلى الاتفاق يمكن أن تعد كنقطة انطلاق لمتابعة المفاوضات حول تطوير إيران للصواريخ الباليستية وتدخلها في سوريا ولبنان واليمن. إلا أنه قد يكون التسلسل مشكلة لأن إيران تجادل بأنها ستستأنف الامتثال بمجرد أن تفعل الولايات المتحدة ذلك.
يمكن لبايدن العودة مرة أخرى للاتفاق بأمر تنفيذي لكن معالجة “جدار العقوبات” الذي أقامه ترمب قد يكون مشكلة. وقد هددت طهران باتخاذ مزيد من الإجراءات إذا فشل بايدن في التحرك بحلول فبراير شباط . كما أن ولاية الرئيس المؤيد للصفقة حسن روحاني ستنتهي في يونيو حزيران حيث سيتوجه الإيرانيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب بديل.

مقاربات جديدة
إن تشجيع رجال الدين الحاكمين في إيران على إحياء الصفقة ممكن إذا تم رفع العقوبات عن صادرات النفط، والحسابات في البنوك الأجنبية، والمعاملات المالية الأجنبية. كما أن تخفيف العقوبات سيؤدي أيضا إلى الحد من التوترات ومن الآثار السلبية على لبنان وسوريا. سيتعين على بايدن ابتكار مقاربات جديدة لهاتين الدولتين بدلاً من معاملتهما كملحقين إيرانيين.
وفي الشأن الفلسطيني لن يستطع بايدن إزالة كل الأذى الذي ألحقه ترمب بالفلسطينيين، إلا أنه لن يحذو حذو ترمب بإطلاق يد رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو. كما تعهد بايدن بإعادة المساهمات الأمريكية لوكالة الأمم المتحدة التي ترعى اللاجئين الفلسطينيين وللمؤسسات الفلسطينية ومشاريع التنمية. ويعتزم إعادة الالتزام بـ “حل الدولتين” الذي رفضه سلفه ورفضه الكيان الصهيوني.
وفي الوقت الذي يرحب فيه بايدن بالتطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، فمن غير المرجح أن يضغط على الحكومات العربية لإقامة علاقات مع الكيان ما لم تستأنف المحادثات بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني. قال بلينكين إن بايدن لن يفرض تنازلات من الكيان الصهيوني بالتهديد بقطع 3.8 مليار دولار من المساعدات العسكرية السنوية.
وفيما يخص بغداد فإنها ترحب بعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، إلا أن انتخاب بايدن كان له رد فعل متباين في العراق. حيث ينظر إليه بريبة لدعمه غزو الولايات المتحدة عام 2003 لذلك البلد وبسبب دعوته عام 2006 لتقسيم العراق إلى مناطق شيعية وسنية وكردية وهو ما قد يؤدي إلى تطهير عرقي وطائفي واسع النطاق.
يبدو أن بايدن سيسعى إلى استعادة مصداقية الولايات المتحدة التي قوضها ترمب بخروجه من الاتفاق النووي وبطريقة تعامله مع السعوديين والإماراتيين، والدعم الكامل للكيان الصهيوني، والسياسات المشوشة تجاه العراق وسوريا ولبنان. سيتمكن بايدن، من خلال إعادة عملية صنع السياسة المؤسسية الواضحة، من المساهمة في استقرار المنطقة المضطربة بشدة.

ايرش تايمز/مايكل جنسن
ترجمة وتحرير: راسام