حقائق أفرزتها نتائج الانتخابات التركية:
لاشك بأن الانتخابات التركية كانت تاريخية ومفصلية لكونها ستحدد الوجهة المستقبلية لتركيا في الكثير من الملفات الساخنة داخلياً وخارجياً لذا فهي مصيرية وغير مسبوقة، خصوصاً وإن نتائجها جاءت تتويجاً واستمراراً للإنجازات التي تحققت في الفترة الماضية على يد “حزب العدالة والتنمية” بقيادة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” الذين فشلوا في أسقاطه من خلال الانقلاب العسكري عام2016، وكذلك من خلال ممارسة الضغط الداخلي سياسياً، واقتصادياً، وأجتماعياً، من خلال توظيف ارتفاع الاسعار، والتضخم الاقتصادي، وملف اللاجئين، وتداعيات الزلزال، وكذلك ممارسة الضغط الخارجي للإطاحة بحكومة “العدالة والتنمية” هذه المرة عن طريق صناديق الانتخاب والتحشيد الداخلي والخارجي، ولكن محاولتهم باءت بالفشل لأن الشعب التركي كان أكثر وعياً وأدراكاً في أختيار مرشحه، وقد قال كلمته في ذلك من خلال أختيار الرئيس “أردوغان”، الذي فاز بالانتخابات الرئاسية، وكذلك فوزه بأغلبية مريحة في البرلمان، مما يعني بقاء النظام الرئاسي ودعمه وترسيخه وتثبيته في الفترة القادمة التي ستكون حاسمة في مواجهة تحولات وتطورات مهمة في المنطقة نظراً للتحولات التي يشهدها المحيط الاقليمي والدولي، خصوصاً وإن تركيا أصبحت هي النموذج الأكثر نجاحاً وقبولاً في المنطقة.

لقد فرضت نتائج الانتخابات التركية تفرض واقعاً جديداً في الداخل والخارج التركي خصوصاً وإن المتغيرات والتحولات الداخلية والإقليمية والدولية ستفرض على تركيا الظهور بشكل مختلف على الساحة الدولية والاقليمية والعلاقات مع الدول المجاورة، لأن فوز العدالة والتنمية في الانتخابات يعني وجود نظرة جديدة للسياسة الخارجية التركية وهي استمرار للسياسات السابقة، ولكني أعتقد بأن الفترة القادمة ستشهد مراجعات دقيقة، واعادة تقييم وتموضع، ومعالجة للثغرات، وجمع المعلومات، ووضع البدائل وتحليلها، واختيار البديل الأمثل بما يعزز من دور تركيا الإقليمي والدولي، وتنشيط علاقاتها مع دوائر متعددة في الخارج، من خلال الانفتاح على دول القوقاز، وكذلك على الدول الغربية، وعلى دول الشرق وخاصةً الدول العربية والإسلامية والافريقية، وهي نتيجة طبيعة للإرث العثماني والروابط الدينية والثقافية، وهو ما يدفع الحكومة للتوجه نحو إحياء ما يطلق عليه العثمانية الجديدة.

سوف تميل السياسية الخارجية التركية نحو البراغماتية في التعامل مع الملفات الساخنة بعيداً عن المزاجية والعاطفية، كما أنها ستكون مبنية على معلومات ومعطيات ودراسات دقيقة، لا سيما وأنها أعتمدت على التغيير الذي يعتبر أحد سمات السياسية الخارجية للدول الناجحة التي تسعى دائما الى أحداث التجديد والتغيير المطلوب في بيئتها الخارجية، وذلك من خلال تهيئتها لتحقيق أهدافها وحماية مصالحها الوطنية بما يتاح لها من سبل وامكانيات ووسائل، وهو ما يفسر ترشيح السيد “هاكان فيدان” رئيس جهاز الاستخبارات الوطني السابق وزيراً للخارجية، على الرغم من نجاح وزير الخارجية السابق “مولود جاويش أوغلو” في وزارته، وكذلك تعيين السيد “ابراهيم قولن” رئيساً لجهاز الاستخبارات الوطني، وهذه التشكيلة الحكومية القوية تأتي ضمن التوجه الجديد الذي سيتركز على الداخل التركي ليكون منطلقاً له لمعالجة ومواجهة ملفات ساخنة في المنطقة بما فيها التوجه نحو دول الشرق، ونحو دول القوقاز، الأمر الذي لا يعني بالضرورة التصعيد مع دول الغرب، خصوصاً وإن تركيا نجحت في الفترة الماضية بالعمل على توازنات صعبة ومعقدة، وكذلك نجحت في ترطيب العلاقات مع الكثير من الدول.

يقول الرئيس “أردوغان” بأنه “سيتمر في بناء المئوية التركية بعد أن تمكنت تركيا من التصدي للقيود والعراقيل والدسائس، وسنعمل على بناء اقتصاد إنتاجي وسنحقق قفزة جديدة ستبهر الجميع”، وهذا يعني بأنه سيكون هناك استمرار وتغير سياسات داخلية وخارجية، من خلال تعزيز الأمن، والتواصل الدولي، والمعلومة الصحيحة، والإبداع في تقنية المعلومات، واستخدام التقنيات الوطنية، ومراعاة المصالح الوطنية، والمبادئ والتوازنات الدولية، مع التركيز على الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في منطقة ساخنة وصعبة، والعمل على إحلال السلام من خلال طاولة المفاوضات وعدم التصعيد، ويضيف الرئيس التركي “اردوغان” قائلاً:  “سنبني مئوية تركيا على مبدئين الأمن والاستقرار “، وهذا يعني بأن هناك تركيز على المصالح الوطنية القومية التركية، وهو استمرار الزخم السياسي والاقتصادي والامني، خصوصاً وأن تركيا لعبت دوراً مهماً في الصراعات والنزاعات الاقليمية والدولية لا سيما في سوريا وليبيا والعراق والموقف من الحرب الروسية على أوكرانيا، وأذر بيجان، لذا فأي تغييرات في السياسة الخارجية لتركيا يمكن أن يكون لها آثار على جميع هذه الصراعات.

لقد أخذت العلاقات العراقية- التركية مسارًا متعرّجًا، فتشهد انفتاحًا تارة و يشوبها التوتر الحاد تارةً أخرى، وهذا يعود لطبيعة الملفات الحساسة العالقة والتي تمس مصالح الأمن الوطني لكلا البلدين بشكل مباشر، ومنهما الملف الأمني، وتواجد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، والذي تمخض عنها وجود قواعد عسكرية تركية في شمال العراق، وكذلك القيام بعمليات عسكرية تركية برية وجوية داخل الاراضي العراقية وصلت الى التوغل لأكثر من(200كم)، والجميع يدرك بأن انسحاب القوات التركية من المناطق التي يتواجد فيها بالداخل العراقي سيترك فارغاً أمنياً سيملأ من منظمات ارهابية وقوى اقليمية منافسة لتركيا، بسبب الضعف الحكومي وعدم قدرتها سيطرتها على كامل الاراضي العراقية، هذا بالاضافة الى ملف المياه والحصص المائية من نهري دجلة والفرات والذي يشهد نزاعًا متواصلًا منذ عقود، حيث يشكو العراق بشكل مستمر من قلة الحصة المائية بالوقت الذي ترفض فيه تركيا التوقيع على اتفاقية تحدد التزاماتها بالتدفق المائي، لاسيما وإنها سجلت انخفاضاً ملحوظاً في هطول الامطار، علماً بأن تركيا شيدت العديد من السدود مثل سد “أليسو” الذي يعتبر من أكبر السدود المشيدة على نهر دجلة، مما يجعل هذا الملف ورقة ضغط سياسية ضد بغداد، يضاف الى ذلك الملف الاقتصادي وأهميته بالنسبة لتركيا، وجميع هذه الملفات كفيلة بأن تجر خلفها العديد من القضايا والملفات المعقدة مما يجعل الحلول دائماً مركبة وصعبة، وآخراها قرار “غرفة التجارة الدولية” الصادر في 25 آذار/مارس 2023 والتي حكمت للعراق بالزام تركيا بوقف تصدير نفط الاقليم عبر الاراضي التركية، وكذلك دفع تعويضات لحكومة بغداد بقيمة(1،5)مليار دولار لاستيرادها النفط من أربيل دون الحصول على موافقة وزارة النفط في الحكومة المركزية.

 

التنافس الإيراني- التركي وتأثيرها على العراق:
إن من يراقب سياسية إيران تجاه حزب العمال الكردستاني يجد بأنها تقمع الاحزاب الكردية في إيران، ولكنها بنفس الوقت تتحالف معه وتدعمه في العراق كجزء من صراع النفوذ في العراق، كورقة ضغط على تركيا، وهذا ما جعل العلاقات متوترة بين تركيا وإيران مما حول العراق ساحة لتصفية الحسابات بينهما، فالدوليتين إقليمية تؤثر وتتأثر خصوصاً وإن هناك معلومات ساقها تقرير أصدره “موقع المونيتور الأمريكي” تقول إن “الاشتباكات بين قوات الأمن العراقية وميليشيا إيزيدية تعرف بأسم وحدات مقاومة “شنكال” قد تمثل واحدة من عدة جبهات في تصعيد التوترات بين تركيا وإيران في العراق”، علماً بأن السفير الإيراني “إيرج مسجدي أنتقد في 7 شباط 2021″ التدخل العسكري التركي في العراق، داعياً أنقرة الى سحب قواتها من العراق” مضيفاً “إن تركيا ليس لديها أي مبرر للتدخل في سنجار”، قائلاً: ” لانقبل إطلاقاً من أي دولة سواء كانت تركيا أو دولة أخرى التدخل في العراق عسكرياً أو يكون لها وجود عسكري في العراق”، مما دفع السفير التركي “فاتح يلدز” للرد عليه قائلاً: “أن السفير الإيراني آخر شخص يحق له إعطاء تركيا دروساً بشأن احترام حدود العراق”، وهذا التراشق يبين ضعف الدولة العراقية وعدم قدرتها على فرض القانون وسيادة وهيبة الدولة، بعد أن تحول العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.