يقول هاري ترومان: “لا يمكنك أن تغتني عن طريق السياسية إلا أذا كنت فاسداً”
المقدمة:
يعتبر ملف الفساد في العراق آفة خطيرة لا مثيل لها في تاريخ الدولة العراقية لضخامته واستمراره وشموله لكافة قطاعات الدولة، لذا فهو من المواضيع المعقدة والشائكة لكونه تسبب في تدمير الاقتصاد العراقي، خصوصاً وإنه ينفذ بشكل واسع أنهك البلاد وتسبب في ضياع فرص كبيرة للنمو الازدهار والتقدم، لذا فهو يعتبر معضلة مستمرة ومعقدة لفشل الحكومات في أيجاد سبل حقيقية لمواجهته ومعالجة أثاره، الأمر الذي أدى الى ابتلاع الدولة العراقية وسرقتها بصورة علنية، علماً بأن الاحتلال هو من سمح بنهب وسرقة مؤسسات الدولة العراقية بعد عام2003، كما إن السياسات الحكومية الفاشلة للحكومات المتعاقبة كانت سبباً رئيسياً في نخر وتدمير مؤسسات الدولة بشكل تدريجي ومنظم لكونها شريك في هذا الفساد، بحيث تم تدمير جميع مفاصل الدولة العراقية السياسية والاقتصادية والعسكرية والتعليمية والصحية والخدمية، حتى بات العراق يصنف ضمن الدول الاكثر فساداً في العالم حسب مؤشرات مدركات الفساد لعام 2022 الصادر عن “منظمة الشفافية الدولية” بعد أن حل بالمرتبة (157) من بين (180) دولة.
إن استمرار الفساد في العراق مرتبط بالوضع السياسي الحالي ومنظومات الحكم القائمة وسوء إدارة الدولة، ومعركة الفساد كبيرة لا تقل عن معركة الطائفية ومحاربة الارهاب، خصوصاَ وأنه يرتبط بأحزاب سياسية وميليشيات مسلحة وشخصيات تتبوأ مناصب عالية و متنفذة في الدولة العراقية، وهي خارج المحاسبة والمسائلة القانونية، علماً بأن هناك جهات نافذة تقف وراء هذه المافيات الفاسدة، التي لديها ارتباطات خارجية ولديها مافيات مسلحة تقدم لها كل ما تحتاجه من أجل البقاء والاستمرار، لا سيما وأن هناك تواطؤ و تخادم حكومي سياسي وقضائي في ملف الفساد، وجميع هذه الجهات هي من تقف بصورة مباشرة خلف عمليات الفساد، خصوصاً وإن السكوت والتهاون والتغاضي عن الاخطاء وعن السرقات والاختلاسات بات سياقاً ونهجاً لدى الحكومات، الأمر الذي فاقم الفساد وجعلته يزيد و يستشري بشكل مخيف في مؤسسات الدولة بحيث أصبح عادة وروتين لدى السلطة الحاكمة ومؤسساتها.
يعرف الفساد: بأنه الخروج على القوانين والانظمة، وعدم الالتزام بها، أو استغلال غيابهما من أجل تحقيق مصالح سياسية، واقتصادية، ومالية، وتجارية، واجتماعية، لصالح جماعة معينة أو لفرد له مصالح شخصية معها، كما يعرف بأنه سوء استخدام المنصب لتحقيق مصلح خاصة، أو من أجل تحقيق منفعة شخصية ذاتية لنفسه أو لجماعته، وتوجد في العراق ثلاث هيئات رقابية مسؤولة عن مراقبة ومكافحة الفساد ولكنها فشلت في ذلك، لكونها فاسدة ومتهمة بتعاطيها الرشى وعدم النزاهة، وما قاله النائب “مشعان الجبوري” الذي أكد بأنها جزء من الفاسد الموجود في العراق، مضيفاً بأن جميع السياسيين وأصحاب المناصب الرفيعة هم فاسدون ومرتشون” وأضاف “أنه وجميع أعضاء لجنة النزاهة البرلمانية عندما يرغبون بفتح ملف متعلق بالفساد بآتي الفاسدون ويسلمون اللجنة رشوة ويتم على إثرها إغلاق الملف بالكامل” وزاد على ذلك بقوله نحن “جميعنا نتحمل المسؤولية، فجميعنا نكذب، وجميعنا نسرق، وجميعنا نأخذ رشوة، وسأكتفي بهذا لأني “سأقتل إن تكلمت”.
لقد أصبحت الرشوة جزء من الروتين لدى الطبقة السياسية ومن يرفضها لا مكان له وعليه إن يختار أما الاحالة على التعاقد أو السجن أو القتل أو القبول بأخذ الرشاوي، ويقول النائب “مشعان الجبوري” في هذا الصدد بأنه “تقاضى رشوة بـ(2) مليون دولار مقابل أغلاق ملف فساد معين، فأخذ الرشوة ولم يغلق الملف”، وهو دليل واضح على هذا الفساد الذي يضرب أهم مؤسسة رقابية في الدولة فما بالك في بقية الدوائر الاخرى، حيث يضيف الجبوري بأن “رئيس لجنة النزاهة بحاجة الى لجنة نزاهة”، ويتهمه بجمع (100)مليون دولار خلال ترأسه اللجنة(طلال الزوبعي)، ناهيك عن فشل الحكومة في حماية أعضائها، لذا فهم تحت التهديد بقوة السلاح للتراجع عن فتح ملفات التي تتبع ملف معين أو شخص أو جهة سياسية أو مسلحة، الأمر الذي أدى الى تفشي الفساد واستمراره، وهذه الهيئات هي المعنية بمكافحة ومعالجة الفساد وهي كما يلي:
أولا. ديوان الرقابة المالية: وتم إنشاؤها وفق المادة (6) لسنة 1990، وتم إعادة العمل بها من قبل قوات الاحتلال بموجب القانون رقم (77) لسنة 2004.
ثانيا. هيئة النزاهة: وهي التي تشكلت حسب الأمر الرقم (55) لسنة 2004.
ثالثا. المفتشين العموميين: وتشكلت في الوزارات كافة بموجب الأمر رقم (57) لسنة 2004.
حقائق عن الفساد في العراق:
إن أستيلاء قيادات فاسدة على السلطة في الدولة العراقية أدى الى تعطيل القانون وغياب الدور الرقابي لمجلس النواب، بحيث أصبحت الجهات التي تقف وراء عمليات الفساد عبارة عن مافيات تمتلك السلطة والقوة والمال والقضاء، وهي تعمل خارج اطار الدولة دون حسيب أو رقيب، بحيث أستحوذ الفاسدين والمتنفذين على مقدرات الدولة العراقية بعد أن تضخمت ثروات المسؤولين الحكوميين الى مليارات الدولارات، ناهيك عن كثرة الشركات الوهمية والجهات الفاسدة التي لو تم التدقيق عليها لوجدت بأن أكثرها تابعة لأحزاب السلطة الحاكمة التي تمتلك ميليشيات مسلحة سخرتها لحماية هذه المافيات وهذه الشركات الفاسدة بما فيها الشركات الوهمية الموجودة على الورق فقط، فهم الجهة المستفيدة من عمليات الفساد التي تجري في العراق، لاسيما وأنها تدر عليهم عوائد مالية كبيرة، لذا ما يجري هو عمليات تدمير ممنهجة ومنظمة لمؤسسات الدولة، وكل ذلك يجري بأشرف جارة السوء إيران التي تعتبر المستفيد الأكبر من هذه الفساد، بأعتبار العراق الرئة الاقتصادية التي تتنفس منها إيرن، وهذا الأمر كانت له تداعيات خطيرة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية بعد أن تفشت البطالة وانتشرت المخدرات وأزداد الفقر وكثرة الأمية، حيث احتل العراق المرتبة الثالثة عشر في الأكثر فساداً في العالم حسب مؤشر “ترانسبارنسي أنترنا شيونيال” خصوصاً وإن هيئة النزاهة البرلمانية أقرت بأن الفساد الحكومي بلغ نحو (320) مليار دولار في خلال خمسة عشر سنة الماضية.
يعتبر ملف الفساد المالي والأداري في العراق ملف خطير وكبير! لكونه منظم، وممنهج، وباق، ومستمر لكون مرتبط ببقاء هذه الطبقة السياسية التي تمارسه بلا خجل لكونه أصبح مغنماً لديها، لذا فهو بمثابة الداء أو السرطان الذي يضرب جميع مفاصل ومؤسسات الدولة العراقية التي وقفت عاجزة عن معالجته أو إيقافه طول العشرين عاماً الماضية، بحيث أصبح الفساد المالي والاداري صفة وسمة ملازمة لهذا النظام السياسي الحاكم كماً ونوعاً بعد أن انتشر فيه الفساد كالنار في الهشيم، خصوصاً إنه أستشرى وتوسع بشكل أفقي وعمودي بشكل غير مسبوق في جميع مؤسسات الدولة التي فشلت في توفير أبسط الخدمات للشعب العراقي، علماً بأن هذه المؤسسات والدوائر الحكومية أفرغت بشكل كبير من الكفاءات والعقول القادرة على إدارتها بسبب الهجرة والمحاصصة وبحجة الانتماء للبعث وتطبيق قانون الاجتثاث، ناهيك عن الصراع القائم على سياسية التهديد بالقتل ما لم يتم ترك المنصب لصالح جهة مسلحة أو حزب معين، وتشير التقارير الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية إن العراق كان خلال السنوات الاخيرة من أكثر دول العالم فساداً وتضيف منظمة النزاهة الامريكية (G.A.N) في تقرير لها إن حكومة بغداد “تواجه مجموعة عقبات جدية تبقيها ضعيفة والفساد واحد من أهم العقبات”، ناهيك عن تحطيم الاستثمار والبنى التحتية وتدمير إمكانيات وقدرات الدولة المالية والطبيعية.
إن أستمرار الفساد في العراق يعود لأسباب كثيرة منها: المشروع السياسي الذي جاء به الاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق الذي أعتمد على تقسيم الشعب على أساس عرقي ومذهبي وقومي، بالأضافة الى إن تركيبة النظام السياسي القائم بعد عام 2003 الذي قام على مبدأ المحاصصة الطائفية والحزبية في تشكيل الحكومات وإدارة مؤسسات الدولة بما فيها تقاسم الوزارات ومؤسسات الدولة بين الكتل والاحزاب السياسية، بحيث تحولت هذه المؤسسات الحكومية الى ريع يعود للحزب أو الكتل السياسية، بدأً من الوزارات، نزولاً الى مجلس الحكم بالمحافظات والاقضية والنواحي، بما فيها مؤسسات الدولة الامنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والخدمية التي تحولت لإقطاعيات لهذا الحزب أو ذاك الزعيم الذي استفرد بمقدرات هذه الدوائر والمؤسسات وبدأ يسرق وينهب ويوزع منح وهبات حسب قربه وحضوره مما أدى الى هدم مؤسسات الدولة.

